تفسير القرطبي

سورة القصص الآية ٣٦

فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٍۢ قَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّفْتَرًۭى وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٣٦﴾
أَيْ ظَاهِرَات وَاضِحَات


مَكْذُوب مُخْتَلَق


أَيْ فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَالْبَاء فِي " بِهَذَا " زَائِدَة ; أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ , وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَات وَمَا اِحْتَجَّ بِهِ مُوسَى فِي إِثْبَات التَّوْحِيد مِنْ الْحُجَج الْعَقْلِيَّة وَقِيلَ : هِيَ مُعْجِزَاته
فذهب موسى برسالة ربه " فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ " واضحات الدلالة على ما قال لهم, ليس فيها قصور, ولا خفاء.
" قَالُوا " على وجه الظلم, والعلو, والعناد " مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى " كما قال فرعون في تلك الحال, التي ظهر فيها الحق, واستعلى على الباطل, واضمحل الباطل, وخضع له الرؤساء العارفون حقائق الأمور " إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ " (هذا, وهو الذكي غير الزكي الذي بلغ من المكر والخداع والكيد, ما قصه اللّه علينا وقد علم " مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ولكن الشقاء غالب.
" وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ " وقد كذبوا في ذلك, فإن اللّه أرسل يوسف, قبل موسى كما قال تعالى " وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ " .
فلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا شاهدة بحقيقة ما جاء به موسى مِن عند ربه، قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته كذبًا وباطلا وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في أسلافنا الذين مضوا قبلنا.
"فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات" وَاضِحَات حَال "قَالُوا مَا هَذَا إلَّا سِحْر مُفْتَرًى" مُخْتَلِق "وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا" كَائِنًا "فِي" أَيَّام
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ مَجِيء مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُون إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ وَعَرْضه مَا آتَاهُمَا اللَّه مِنْ الْمُعْجِزَات الْبَاهِرَة وَالدَّلَالَة الْقَاهِرَة عَلَى صِدْقهمَا فِيمَا أَخْبَرَا بِهِ عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تَوْحِيده وَاتِّبَاع أَوَامِره فَلَمَّا عَايَنَ فِرْعَوْن وَمَلَؤُهُ ذَلِكَ وَشَاهَدُوهُ وَتَحَقَّقُوهُ وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه عَدَلُوا بِكُفْرِهِمْ وَبَغْيهمْ إِلَى الْعِنَاد وَالْمُبَاهَتَة وَذَلِكَ لِطُغْيَانِهِمْ وَتَكَبُّرهمْ عَنْ اِتِّبَاع الْحَقّ فَقَالُوا : " مَا هَذَا إِلَّا سِحْر مُفْتَرًى " أَيْ مُفْتَعَل مَصْنُوع وَأَرَادُوا مُعَارَضَته بِالْحِيلَةِ وَالْجَاه فَمَا صَعِدَ مَعَهُمْ ذَلِكَ وَقَوْله : " وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ " يَعْنُونَ عِبَادَة اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ يَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْ آبَائِنَا عَلَى هَذَا الدِّين وَلَمْ نَرَ النَّاس إِلَّا يُشْرِكُونَ مَعَ اللَّه آلِهَة أُخْرَى .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْر مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى فِرْعَوْن وَمَلَأَهُ بِأَدِلَّتِنَا وَحُجَجنَا بَيِّنَات أَنَّهَا حُجَج شَاهِدَة بِحَقِيقَةٍ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْد رَبّه , قَالُوا لِمُوسَى : مَا هَذَا الَّذِي جِئْتنَا بِهِ إِلَّا سِحْرًا اِفْتَرَيْته مِنْ قِبَلك وَتَخَرَّصْته كَذِبًا وَبَاطِلًا { وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا } الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَة مَنْ تَدْعُونَا إِلَى عِبَادَته فِي أَسْلَافنَا وَآبَائِنَا الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلنَا .
مشاركة الموضوع