تفسير القرطبي

سورة النمل الآية ٥٦

۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍۢ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ ﴿٥٦﴾
إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوط مِنْ قَرْيَتكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ " أَيْ عَنْ أَدْبَار الرِّجَال . يَقُولُونَ ذَلِكَ اِسْتِهْزَاء مِنْهُمْ ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَقَالَ قَتَادَة : عَابُوهُمْ وَاَللَّه بِغَيْرِ عَيْب بِأَنَّهُمْ يَتَطَهَّرُونَ مِنْ أَعْمَال السُّوء . " يَتَطَهَّرُونَ " عَنْ الْإِتْيَان فِي هَذَا الْمَأْتَى . يُقَال : تَطَهَّرَ الرَّجُل أَيْ تَنَزَّهَ عَنْ الْإِثْم . قَالَ قَتَادَة : عَابُوهُمْ وَاَللَّه بِغَيْرِ عَيْب .
" فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ " قبول ولا انزجار, ولا تذكر, وادكار.
إنما كان جوابهم, المعارضة, والمناقضة, والتوعد لنبيهم الناصح, ورسولهم الأمين, بالإجلاء عن وطنه, والتشريد عن بلده.
فما كان جواب قومه " إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ " .
فكأنه قيل: ما نقمتم منهم, وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج.
فقالوا: " إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ " أي: يتنزهون عن اللواط, وأدبار الذكور.
فقبحهم الله, جعلوا أفضل الحسنات, بمنزلة أقبح السيئات.
ولم يكتفوا بمعصيتهم نبيهم, وفيما وعظهم به, حتى وصلوا إلى إخراجه والبلاء موكل بالمنطق, فهم قالوا: " أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ " .
ومفهوم هذا الكلام " وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة, المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم, ونجاة من خرج منها " .
فما كان لقوم لوط جواب له إلا قول بعضهم لبعض: أَخْرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتنزهون عن إتيان الذكران. قالوا لهم ذلك استهزاءً بهم.
"فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آل لُوط" أَهْله "مِنْ قَرْيَتكُمْ إنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ" مِنْ أَدْبَار الرِّجَال
أَيْ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ فِعْل مَا تَفْعَلُونَهُ وَمِنْ إِقْرَاركُمْ عَلَى صَنِيعكُمْ فَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ بَيْن أَظْهُركُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِمُجَاوَرَتِكُمْ فِي بِلَادكُمْ فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ فَدَمَّرَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالهَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آل لُوط مِنْ قَرْيَتكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ لُوط جَوَاب لَهُ , إِذْ نَهَاهُمْ عَمَّا أَمَرَهُ اللَّه بِنَهْيِهِمْ عَنْهُ مِنْ إِتْيَان الرِّجَال , إِلَّا قِيل بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { أَخْرِجُوا آل لُوط مِنْ قَرْيَتكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ } عَمَّا نَفْعَلهُ نَحْنُ مِنْ إِتْيَان الذُّكْرَان فِي أَدْبَارهمْ. كَمَا : 20590 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن بْن عُمَارَة يَذْكُر عَنْ الْحَكَم , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ } قَالَ : مِنْ إِتْيَان الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أَدْبَارهنَّ . 20591 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ } قَالَ : مِنْ أَدْبَار الرِّجَال وَأَدْبَار النِّسَاء اِسْتِهْزَاء بِهِمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { يَتَطَهَّرُونَ } مِنْ أَدْبَار الرِّجَال وَالنِّسَاء , اِسْتِهْزَاء بِهِمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ . 20592 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ تَلَا : { إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ } قَالَ : عَابُوهُمْ بِغَيْرِ عَيْب : أَيْ إِنَّهُمْ يَتَطَهَّرُونَ مِنْ أَعْمَال السُّوء .
مشاركة الموضوع