تفسير القرطبي

سورة النمل الآية ٤

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴿٤﴾
أَيْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ .

قِيلَ : أَعْمَالهمْ السَّيِّئَة حَتَّى رَأَوْهَا حَسَنَة . وَقِيلَ : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ الْحَسَنَة فَلَمْ يَعْمَلُوهَا . وَقَالَ الزَّجَّاج : جَعَلْنَا جَزَاءَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ أَنْ زَيَّنَّا لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ .

أَيْ يَتَرَدَّدُونَ فِي أَعْمَالهمْ الْخَبِيثَة , وَفِي ضَلَالَتهمْ . عَنْ اِبْن عَبَّاس . أَبُو الْعَالِيَة : يَتَمَادَوْنَ . قَتَادَة : يَلْعَبُونَ . الْحَسَن : يَتَحَيَّرُونَ ; قَالَ الرَّاجِز : وَمَهْمَه أَطْرَافه فِي مَهْمَه و أَعْمَى الْهُدَى بِالْحَائِرِينَ الْعُمَّه
" إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ " ويكذبون بها, ويكذبون من جاء بإثباتها.
" زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ " حائرين مترددين, مؤثرين سخط الله على رضاه.
قد انقلبت عليهم الحقائق, فرأوا الباطل حقا, والحق باطلا.
إن الذين لا يُصَدِّقون بالدار الآخرة، ولا يعملون لها حسَّنَّا لهم أعمالهم السيئة، فرأوها حسنة، فهم يترددون فيها متحيِّرين. أولئك الذين لهم العذاب السيِّئ في الدنيا قتلا وأَسْرًا وذُلا وهزيمةً، وهم في الآخرة أشد الناس خسرانًا.
"إنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ" الْقَبِيحَة بِتَرْكِيبِ الشَّهْوَة حَتَّى رَأَوْهَا حَسَنَة "فَهُمْ يَعْمَهُونَ" يَتَحَيَّرُونَ فِيهَا لِقُبْحِهَا عِنْدنَا
أَيْ يَكْذِبُونَ بِهَا وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعهَا" زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ " أَيْ حَسَّنَّا لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ وَمَدَدْنَا لَهُمْ فِي غَيّهمْ فَهُمْ يَتِيهُونَ فِي ضَلَالهمْ وَكَانَ هَذَا جَزَاء عَلَى مَا كَذَّبُوا مِنْ الدَّار الْآخِرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَنُقَلِّب أَفْئِدَتهمْ وَأَبْصَارهمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّل مَرَّة " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالدَّارِ الْآخِرَة , وَقِيَام السَّاعَة , وَبِالْمَعَادِ إِلَى اللَّه بَعْد الْمَمَات وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب .

يَقُول : حَبَّبْنَا إِلَيْهِمْ قَبِيح أَعْمَالهمْ , وَسَهَّلْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

يَقُول : فَهُمْ فِي ضَلَال أَعْمَالهمْ الْقَبِيحَة الَّتِي زَيَّنَّاهَا لَهُمْ يَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى , يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ .
مشاركة الموضوع