تفسير القرطبي

سورة النمل الآية ٢٤

وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾
قِيلَ : كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّة مِمَّنْ يَعْبُد الشَّمْس ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا زَنَادِقَة فِيمَا يُرْوَى . وَقِيلَ : كَانُوا مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الْأَنْوَار . وَرُوِيَ عَنْ نَافِع أَنَّ الْوَقْف عَلَى " عَرْش " . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : فَعَظِيم عَلَى هَذَا مُتَعَلِّق بِمَا بَعْده , وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون عَظِيم إِنْ وَجَدْتهَا ; أَيْ وَجُودِي إِيَّاهَا كَافِرَة . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : " وَلَهَا عَرْش عَظِيم " وَقْف حَسَن , وَلَا يَجُوز أَنْ يَقِف عَلَى " عَرْش " وَيَبْتَدِئ " عَظِيم وَجَدْتهَا " إِلَّا عَلَى مَنْ فَتَحَ ; لِأَنَّ عَظِيمًا نَعْت لِعَرْشٍ فَلَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِ " وَجَدْتهَا " لَقُلْت عَظِيمَة وَجَدْتهَا ; وَهَذَا مُحَال مِنْ كُلّ وَجْه . وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن شَهْرَيَار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْحُسَيْن بْن الْأَسْوَد الْعِجْلِيّ , عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ قَالَ : الْوَقْف عَلَى " عَرْش " وَالِابْتِدَاء " عَظِيم " عَلَى مَعْنَى عَظِيم عِبَادَتهمْ الشَّمْس وَالْقَمَر . قَالَ : وَقَدْ سَمِعْت مَنْ يُؤَيِّد هَذَا الْمَذْهَب , وَيَحْتَجّ بِأَنَّ عَرْشهَا أَحْقَر وَأَدَقّ شَأْنًا مِنْ أَنْ يَصِفهُ اللَّه بِالْعَظِيمِ . قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَالِاخْتِيَار عِنْدِي مَا ذَكَرْته أَوَّلًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إِضْمَار عِبَادَة الشَّمْس وَالْقَمَر دَلِيل . وَغَيْر مُنْكَر أَنْ يَصِف الْهُدْهُد عَرْشهَا بِالْعَظِيمِ إِذَا رَآهُ مُتَنَاهِي الطُّول وَالْعَرْض ; وَجَرْيه عَلَى إِعْرَاب " عَرْش " دَلِيل عَلَى أَنَّهُ نَعْته .

أَيْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْر .

أَيْ عَنْ طَرِيق التَّوْحِيد . وَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَا لَيْسَ بِسَبِيلِ التَّوْحِيد فَلَيْسَ بِسَبِيلٍ يُنْتَفَع بِهِ عَلَى التَّحْقِيق .

إِلَى اللَّه وَتَوْحِيده .
" وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ " أي: هم مشركون يعبدون الشمس.
" وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ " فرأوا ما عليه هو الحق.
" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ " لأن الذي يرى أن الذي عليه حق, لا مطمع في هدايته حتى تتغير عقيدته.
وجدتُها هي وقومها يعبدون الشمس معرضين عن عبادة الله، وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها، فصرفهم عن الإيمان بالله وتوحيده، فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده وعبادته وحده.
"وَجَدْتهَا وَقَوْمهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُون اللَّه وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان أَعْمَالهمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيل" طَرِيق الْحَقّ
وَقَوْله : { وَجَدْتهَا وَقَوْمهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُون اللَّه } يَقُول : وَجَدْت هَذِهِ الْمَرْأَة مَلِكَة سَبَإ , وَقَوْمهَا مِنْ سَبَإ , يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ فَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه .

وَقَوْله : { وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان أَعْمَالهمْ } يَقُول : وَحَسَّنَ لَهُمْ إِبْلِيس عِبَادَتهمْ الشَّمْس , وَسُجُودهمْ لَهَا مِنْ دُون اللَّه , وَحَبَّبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ.

يَقُول : فَمَنَعَهُمْ بِتَزْيِينِهِ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا الطَّرِيق الْمُسْتَقِيم , وَهُوَ دِين اللَّه الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ , وَمَعْنَاهُ : فَصَدَّهُمْ عَنْ سَبِيل الْحَقّ .

يَقُول : فَهُمْ لِمَا قَدْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان مَا زَيَّنَ مِنْ السُّجُود لِلشَّمْسِ مِنْ دُون اللَّه وَالْكُفْر بِهِ لَا يَهْتَدُونَ لِسَبِيلِ الْحَقّ وَلَا يَسْلُكُونَهُ , وَلَكِنَّهُمْ فِي ضَلَالهمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَتَرَدَّدُونَ .
مشاركة الموضوع