تفسير القرطبي

سورة النمل الآية ٢

هُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾
" هُدًى " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ الْكِتَاب ; أَيْ تِلْكَ آيَات الْكِتَاب هَادِيَة وَمُبَشِّرَة . وَيَجُوز فِيهِ الرَّفْع عَلَى الِابْتِدَاء ; أَيْ هُوَ هُدًى . وَإِنْ شِئْت عَلَى حَذْف حَرْف الصِّفَة ; أَيْ فِيهِ هُدًى . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْخَبَر " لِلْمُؤْمِنِينَ "
فلهذا قال: " هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ " أي: تهديهم إلى سلوك الصراط المستقيم, وتبين لهم, ما ينبغي أن يسلكوه أو يتركوه.
وتبشرهم بثواب الله, المرتب على الهداية لهذا الطريق.
ربما قيل: لعله يكثر مدعو الإيمان فهل يقبل من كل أحد ادعى أنه مؤمن ذلك؟ أم لا بد لذلك من دليل؟ وهو الحق, فلذلك بين تعالى صفة المؤمنين فقال:
وهي آيات ترشد إلى طريق الفوز في الدنيا والآخرة، وتبشر بحسن الثواب للمؤمنين الذين صَدَّقوا بها، واهتدَوْا بهديها، الذين يقيمون الصلوات الخمس كاملة الأركان، مستوفية الشروط، ويؤدون الزكاة المفروضة لمستحقيها، وهم يوقنون بالحياة الآخرة، وما فيها مِن ثواب وعقاب.
هُوَ "هُدًى" هَادٍ مِنْ الضَّلَالَة "وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ" الْمُصَدِّقِينَ بِهِ بِالْجَنَّةِ
أَيْ إِنَّمَا تَحْصُل الْهِدَايَة وَالْبِشَارَة مِنْ الْقُرْآن لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ .
وَقَوْله : { هُدًى } مِنْ صِفَة الْقُرْآن . يَقُول : هَذِهِ آيَات الْقُرْآن بَيَان مِنْ اللَّه بَيَّنَ بِهِ طَرِيق الْحَقّ وَسَبِيل السَّلَام .

يَقُول : وَبِشَارَة لِمَنْ آمَنَ بِهِ , وَصَدَقَ بِمَا أَنْزَلَ فِيهِ بِالْفَوْزِ الْعَظِيم فِي الْمَعَاد . وَفِي قَوْله : { هُدًى وَبُشْرَى } وَجْهَانِ مِنْ الْعَرَبِيَّة : الرَّفْع عَلَى الِابْتِدَاء بِمَعْنَى : هُوَ هُدًى وَبُشْرَى. وَالنَّصْب عَلَى الْقَطْع مِنْ آيَات الْقُرْآن , فَيَكُون مَعْنَاهُ : تِلْكَ آيَات الْقُرْآن الْهُدَى وَالْبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ أُسْقِطَتْ الْأَلِف وَاللَّام مِنْ الْهُدَى وَالْبُشْرَى , فَصَارَا نَكِرَة , وَهُمَا صِفَة لِلْمَعْرِفَةِ فَنُصِبَا.
مشاركة الموضوع