تفسير القرطبي

سورة الشعراء الآية ٨٦

وَٱغْفِرْ لِأَبِىٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴿٨٦﴾
كَانَ أَبُوهُ وَعَدَهُ فِي الظَّاهِر أَنْ يُؤْمِن بِهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ لِهَذَا , فَلَمَّا بَانَ أَنَّهُ لَا يَفِي بِمَا قَالَ تَبَرَّأَ مِنْهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى .


أَيْ الْمُشْرِكِينَ . " وَكَانَ " زَائِدَة .
" وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ " وهذا الدعاء, بسبب الوعد الذي قال لأبيه " سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا " .
قال تعالى: " وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ " .
وهذا دعاء من إبراهيم عليه السلام أن ينقذ الله أباه من الضلال إلى الهدى، فيغفر له ويتجاوز عنه، كما وعد إبراهيم أباه بالدعاء له، فلما تبيَّن له أنه مستمر في الكفر والشرك إلى أن يموت تبرَّأ منه.
"وَاغْفِرْ لِأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ" بِأَنْ تَتُوب عَلَيْهِ فَتَغْفِر لَهُ وَهَذَا قَبْل أَنْ يَتَبَيَّن لَهُ أَنَّهُ عَدُوّ لِلَّهِ كَمَا ذُكِرَ فِي سُورَة بَرَاءَة
وَقَوْله : " وَاغْفِرْ لِأَبِي " الْآيَة كَقَوْلِهِ : " رَبّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ" وَهَذَا مِمَّا رَجَعَ عَنْهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَمَا كَانَ اِسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ - إِلَى قَوْله - إِنَّ إِبْرَاهِيم لَأَوَّاهٌ حَلِيم " وَقَدْ قَطَعَ تَعَالَى الْإِلْحَاق فِي اِسْتِغْفَاره لِأَبِيهِ فَقَالَ تَعَالَى : " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَاَلَّذِينَ مَعَهُ - إِلَى قَوْله - وَمَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه مِنْ شَيْء " .
يَقُول : وَاصْفَحْ لِأَبِي عَنْ شِرْكه بِك , وَلَا تَعَاقُبه عَلَيْهِ { إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ } يَقُول : إِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيل الْهُدَى , فَكَفَرَ بِك . وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله اِسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , وَاخْتِلَاف أَهْل الْعِلْم فِي ذَلِكَ , وَالصَّوَاب عِنْدنَا مِنْ الْقَوْل فِيهِ فِيمَا مَضَى , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
مشاركة الموضوع