تفسير القرطبي

سورة الشعراء الآية ٧٣

أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾
أَيْ هَلْ تَنْفَعكُمْ هَذِهِ الْأَصْنَام وَتَرْزُقكُمْ , أَوْ تَمْلِك لَكُمْ خَيْرًا أَوْ ضَرًّا إِنْ عَصَيْتُمْ ؟ ! وَهَذَا اِسْتِفْهَام لِتَقْرِيرِ الْحُجَّة ; فَإِذَا لَمْ يَنْفَعُوكُمْ وَلَمْ يَضُرُّوا فَمَا مَعْنَى عِبَادَتكُمْ لَهَا .
" أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ " فأقروا أن ذلك كله, غير موجود فيها, فلا تسمع دعاء, ولا تنفع, ولا تضر.
ولهذا لما كسرها قال: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ " .
قالوا له: " لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ " أي: هذا أمر متقرر من حالها, لا يقبل الإشكال والشك.
قال إبراهيم منبهًا على فساد مذهبهم: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم، أو يقدِّمون لكم نفعًا إذا عبدتموهم، أو يصيبونكم بضر إذا تركتم عبادتهم؟
"أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ" إنْ عَبَدْتُمُوهُمْ "أَوْ يَضُرُّونَ" كُمْ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُمْ
" قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ " يَعْنِي اِعْتَرَفُوا بِأَنَّ أَصْنَامهمْ لَا تَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا رَأَوْا آبَاءَهُمْ كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فَهُمْ عَلَى آثَارهمْ يُهْرَعُونَ فَعِنْد ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيم .
وَقَوْله : { أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } يَقُول : أَوْ تَنْفَعكُمْ هَذِهِ الْأَصْنَام , فَيَرْزُقُونَكُمْ شَيْئًا عَلَى عِبَادَتِكُمُوهَا , أَوْ يَضُرُّونَكُمْ فَيُعَاقِبُونَكُمْ عَلَى تَرْككُمْ عِبَادَتهَا بِأَنْ يَسْلُبُوكُمْ أَمْوَالكُمْ , أَوْ يُهْلِكُوكُمْ إِذَا هَلَكْتُمْ وَأَوْلَادكُمْ { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } . وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَمَّا تُرِكَ , وَذَلِكَ جَوَابهمْ إِبْرَاهِيم عَنْ مَسْأَلَته إِيَّاهُمْ : { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } فَكَانَ جَوَابهمْ إِيَّاهُ : لَا , مَا يَسْمَعُونَنَا إِذَا دَعَوْنَاهُمْ , وَلَا يَنْفَعُونَنَا وَلَا يَضُرُّونَ , يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ بِذَلِكَ أَجَابُوهُ.
مشاركة الموضوع