تفسير القرطبي

سورة الشعراء الآية ٣

لَعَلَّكَ بَٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾
أَيْ قَاتِل نَفْسك وَمُهْلِكهَا . وَقَدْ مَضَى فِي " الْكَهْف " بَيَانه .



أَيْ لِتَرْكِهِمْ الْإِيمَان . قَالَ الْفَرَّاء : " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهَا جَزَاء . قَالَ النَّحَّاس : وَإِنَّمَا يُقَال : بِإِنْ مَكْسُورَة لِأَنَّهَا جَزَاء ; كَذَا الْمُتَعَارَف . وَالْقَوْل فِي هَذَا مَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاق فِي كِتَابه فِي الْقُرْآن ; قَالَ : " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب مَفْعُول مِنْ أَجْله ; وَالْمَعْنَى لَعَلَّك قَاتِل نَفْسك لِتَرْكِهِمْ الْإِيمَان .
فلهذا قال تعالى لنبيه " لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ " أي: مهلكها وشاقا عليها.
" أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ " أي: فلا تفعل, ولا تذهب نفسك عليهم حسرات, فإن الهداية بيد الله, وقد أديت ما عليك من التبليغ.
وليس فوق هذا القرآن المبين, آية, حتى ننزلها, ليؤمنوا بها, فإنه كاف شاف, لمن يريد الهداية, ولهذا قال:
لعلك - أيها الرسول - من شدة حرصك على هدايتهم مُهْلِك نفسك؛ لأنهم لم يصدِّقوا بك ولم يعملوا بهديك، فلا تفعل ذلك.
"لَعَلَّك" يَا مُحَمَّد "بَاخِع نَفْسك" قَاتِلْهَا غَمًّا مِنْ أَجْل "أَلَّا يَكُونُوا" أَيْ أَهْل مَكَّة "مُؤْمِنِينَ" وَلَعَلَّ هُنَا لِلْإِشْفَاقِ أَيْ أَشْفَقَ عَلَيْهَا بِتَخْفِيفِ هَذَا الْغَمّ
وَقَوْله تَعَالَى " لَعَلَّك بَاخِع " أَيْ مُهْلِك " نَفْسك " أَيْ مِمَّا تَحْرِص وَتَحْزَن عَلَيْهِمْ " أَنْ لَا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ " وَهَذِهِ تَسْلِيَة مِنْ اللَّه لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَدَم إِيمَان مَنْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ مِنْ الْكُفَّار كَمَا قَالَ تَعَالَى" فَلَا تَذْهَب نَفْسك عَلَيْهِمْ حَسَرَات " كَقَوْلِهِ " فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ " الْآيَة قَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَعَطِيَّة وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن وَغَيْرهمْ " لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك " أَيْ قَاتِل نَفْسك قَالَ الشَّاعِر : أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِع الْحُزْن نَفْسه لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِر
وَقَوْله : { لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك أَنْ لَا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَعَلَّك يَا مُحَمَّد قَاتِل نَفْسك وَمُهْلِكهَا إِنْ لَمْ يُؤْمِن قَوْمك بِك , وَيُصَدِّقُوك عَلَى مَا جِئْتهمْ بِهِ وَالْبَخْع : هُوَ الْقَتْل وَالْإِهْلَاك فِي كَلَام الْعَرَب ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرِّمَّة : أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِع الْوَجْد نَفْسه لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِر وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20187 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { بَاخِع نَفْسك } : قَاتِل نَفْسك . 20188 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك أَنْ لَا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } قَالَ : لَعَلَّك مِنْ الْحِرْص عَلَى إِيمَانهمْ مُخْرِج نَفْسك مِنْ جَسَدك , قَالَ : ذَلِكَ الْبَخْع . 20189 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك } عَلَيْهِمْ حِرْصًا . وَأَنَّ مِنْ قَوْله : { أَنْ لَا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } فِي مَوْضِع نَصَب بِبَاخِعٍ , كَمَا يُقَال : زُرْت عَبْد اللَّه أَنْ زَارَنِي , وَهُوَ جَزَاء ; وَلَوْ كَانَ الْفِعْل الَّذِي بَعْد أَنَّ مُسْتَقْبِلًا لَكَانَ وَجْه الْكَلَام فِي " أَنَّ " الْكَسْر كَمَا يُقَال ; أَزُور عَبْد اللَّه إِنْ يَزُورنِي.
مشاركة الموضوع