تفسير القرطبي

سورة الشعراء الآية ١٩٣

نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾
" نَزَلَ " مُخَفَّفًا قَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو . الْبَاقُونَ : " نَزَّلَ " مُشَدِّدًا " بِهِ الرُّوح الْأَمِين " نَصْبًا وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي حَاتِم وَأَبِي عُبَيْد لِقَوْلِهِ : " وَإِنَّهُ لَتَنْزِيل " وَهُوَ مَصْدَر نَزَّلَ , وَالْحُجَّة لِمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ أَنْ يَقُول لَيْسَ هَذَا بِمُقَدَّرٍ , لِأَنَّ الْمَعْنَى وَإِنَّ الْقُرْآن لَتَنْزِيل رَبّ الْعَالَمِينَ نَزَّلَ بِهِ جِبْرِيل إِلَيْك ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبك " [ الْبَقَرَة : 97 ] أَيْ يَتْلُوهُ عَلَيْك فَيَعِيه قَلْبك . وَقِيلَ : لِيُثَبِّت قَلْبك .
" نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ " وهو: جبريل عليه السلام, الذي هو أفضل الملائكة وأقواهم " الْأَمِينُ " الذي قد أمن أن يزيد فيه أو ينقص.
وإن هذا القرآن الذي ذُكِرَتْ فيه هذه القصص الصادقة، لَمنزَّل مِن خالق الخلق، ومالك الأمر كله، نزل به جبريل الأمين، فتلاه عليك - أيها الرسول - حتى وعيته بقلبك حفظًا وفهمًا؛ لتكون مِن رسل الله الذين يخوِّفون قومهم عقاب الله، فتنذر بهذا التنزيل الإنس والجن أجمعين. نزل به جبريل عليك بلغة عربية واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، فيما يحتاجون إليه في إصلاح شؤون دينهم ودنياهم.
"نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين" جِبْرِيل
" نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين" وَهُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَالَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف : اِبْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَقَتَادَة وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَالسُّدِّيّ وَالضَّحَّاك وَالزُّهْرِيّ وَابْن جُرَيْج وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاع فِيهِ قَالَ الزُّهْرِيّ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ " قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبك بِإِذْنِ اللَّه مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْهِ " وَقَالَ مُجَاهِد : مَنْ كَلَّمَهُ الرُّوح الْأَمِين لَا تَأْكُلهُ الْأَرْض .
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة { نَزَلَ } بِهِ مُخَفَّفَة { الرُّوح الْأَمِين } رَفْعًا بِمَعْنَى : أَنَّ الرُّوح الْأَمِين هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِالْقُرْآنِ عَلَى مُحَمَّد , وَهُوَ جِبْرِيل . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة. { نَزَّلَ } مُشَدَّدَة الزَّاي { الرُّوح الْأَمِين } نَصْبًا , بِمَعْنَى : أَنَّ رَبّ الْعَالَمِينَ نَزَّلَ بِالْقُرْآنِ الرُّوحَ الْأَمِين , وَهُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَذَلِكَ أَنَّ الرُّوح الْأَمِين إِذَا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّد بِالْقُرْآنِ , لَمْ يَنْزِل بِهِ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّه إِيَّاهُ بِالنُّزُولِ , وَلَنْ يَجْهَل أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ذُو إِيمَان بِاَللَّهِ , وَأَنَّ اللَّه إِذَا أَنْزَلَهُ بِهِ نَزَلَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي أَنَّ الْمَعْنِيّ بِالرُّوحِ الْأَمِين فِي هَذَا الْمَوْضِع جِبْرِيل قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20344 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس . فِي قَوْله : { نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين } قَالَ : جِبْرِيل . 20345 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْل اللَّه : { نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين } قَالَ : جِبْرِيل . 20346 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : { الرُّوح الْأَمِين } جِبْرِيل . 20347 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { الرُّوح الْأَمِين } قَالَ : جِبْرِيل .
مشاركة الموضوع