الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالَّذِينَ إِذَا ذَكَّرَهُمْ مُذَكِّر بِحُجَجِ اللَّه , لَمْ يَكُونُوا صُمًّا لَا يَسْمَعُونَ , وَعُمْيًا لَا يُبْصِرُونَهَا . وَلَكِنَّهُمْ يِقَاظ الْقُلُوب , فُهَمَاء الْعُقُول , يَفْهَمُونَ عَنِ اللَّه مَا يُذَكِّرهُمْ بِهِ , وَيَفْهَمُونَ عَنْهُ مَا يُنَبِّههُمْ عَلَيْهِ , فَيُوَعُّونَ مَوَاعِظه آذَانًا سَمِعَتْهُ , وَقُلُوبًا وَعَتْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20158 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } فَلَا يَسْمَعُونَ , وَلَا يُبْصِرُونَ , وَلَا يَفْقَهُونَ حَقًّا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } قَالَ : لَا يَفْقَهُونَ , وَلَا يَسْمَعُونَ , وَلَا يُبْصِرُونَ . 20159 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنِ ابْن عَوْن , قَالَ : قُلْت لِلشَّعْبِيِّ : رَأَيْت قَوْمًا قَدْ سَجَدُوا , وَلَمْ أَعْلَم مَا سَجَدُوا مِنْهُ , أَسْجُد ؟ قَالَ : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } . 20160 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لَهُمْ , لَمْ يَدَعُوهَا إِلَى غَيْرهَا , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبهمْ } ... 8 2 الْآيَة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا مَعْنَى قَوْله { يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } أَوَيَخِرُّ الْكَافِرُونَ صُمًّا وَعُمْيَانًا إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ اللَّه , فَيَنْفِي عَنْ هَؤُلَاءِ مَا هُوَ صِفَة لِلْكُفَّارِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ , الْكَافِر إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آيَات اللَّه خَرَّ عَلَيْهَا أَصَمّ وَأَعْمَى , وَخَرّه عَلَيْهَا كَذَلِكَ , إِقَامَته عَلَى الْكُفْر , وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْعَرَب : سَبَبْت فُلَانًا , فَقَامَ يَبْكِي , بِمَعْنَى فَظَلَّ يَبْكِي , وَلَا قِيَام هُنَالِكَ , وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُون بَكَى قَاعِدًا ; وَكَمَا يُقَال : نَهَيْت فُلَانًا عَنْ كَذَا , فَقَعَدَ يَشْتُمنِي ; وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَجَعَلَ يَشْتُمنِي , وَظَلَّ يَشْتُمنِي , وَلَا قُعُود هُنَالِكَ , وَلَكِنْ ذَلِكَ قَدْ جَرَى عَلَى أَلْسُن الْعَرَب , حَتَّى قَدْ فَهِمُوا مَعْنَاهُ . وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تَقُول : قَعَدَ يَشْتُمنِي , كَقَوْلِك : قَامَ يَشْتُمنِي , وَأَقْبَلَ يَشْتُمنِي ; قَالَ : وَأَنْشَدَ بَعْض بَنِي عَامِر : لَا يُقْنِع الْجَارِيَة الْخِضَاب وَلَا الْوِشَاحَانِ وَلَا الْجِلْبَاب مِنْ دُون أَنْ تَلْتَقِي الْأَرْكَاب وَيَقْعُد الْأَيْر لَهُ لُعَاب بِمَعْنَى : يَصِير , فَكَذَلِكَ قَوْله : { لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } إِنَّمَا مَعْنَاهُ : لَمْ يَصَمُّوا عَنْهَا , وَلَا عَمُوا عَنْهَا , وَلَمْ يَصِيرُوا عَلَى بَاب رَبّهمْ صُمًّا وَعُمْيَانًا , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : وَيَقْعُد الْهَن لَهُ لُعَاب بِمَعْنَى : وَيَصِير .