الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا أَمْوَالهمْ لَمْ يُسْرِفُوا فِي إِنْفَاقهَا . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي النَّفَقَة الَّتِي عَنَاهَا اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَمَا الْإِسْرَاف فِيهَا وَالْإِقْتَار . فَقَالَ بَعْضهمْ : الْإِسْرَاف مَا كَانَ مِنْ نَفَقَة فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَإِنْ قُلْت . قَالَ : وَإِيَّاهَا عَنَى اللَّه , وَسَمَّاهَا إِسْرَافًا قَالُوا : وَالْإِقْتَار الْمَنْع مِنْ حَقّ اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20107 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لَا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُونَ فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَلَا يَقْتُرُونَ فَيَمْنَعُونَ حُقُوق اللَّه تَعَالَى . 20108 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لَوْ أَنْفَقْت مِثْل أَبِي قُبَيْس ذَهَبًا فِي طَاعَة اللَّه مَا كَانَ سَرَفًا , وَلَوْ أَنْفَقْت صَاعًا فِي مَعْصِيَة اللَّه كَانَ سَرَفًا . 20109 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا } قَالَ : فِي النَّفَقَة فِيمَا نَهَاهُمْ وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا , وَلَمْ يَقْتُرُوا وَلَمْ يَقْصُرُوا عَنْ النَّفَقَة فِي الْحَقّ . 20110 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } قَالَ : لَمْ يُسْرِفُوا فَيُنْفِقُوا فِي مَعَاصِي اللَّه . كُلّ مَا أُنْفِقَ فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَإِنْ قَلَّ فَهُوَ إِسْرَاف , وَلَمْ يَقْتُرُوا فَيُمْسِكُوا عَنْ طَاعَة اللَّه . قَالَ : وَمَا أَمْسَكَ عَنْ طَاعَة اللَّه وَإِنْ كَثُرَ فَهُوَ إِقْتَار . 20111 -قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن نَشِيط , عَنْ عُمَر مَوْلَى غُفْرَة أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْإِسْرَاف مَا هُوَ ؟ قَالَ : كُلّ شَيْء أَنْفَقْته فِي غَيْر طَاعَة اللَّه فَهُوَ سَرَف . وَقَالَ آخَرُونَ : السَّرَف : الْمُجَاوَزَة فِي النَّفَقَة الْحَدّ ; وَالْإِقْتَار : التَّقْصِير عَنِ الَّذِي لَا بُدّ مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20112 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عَبْد السَّلَام بْن حَرْب , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَوْله : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا } قَالَ : لَا يُجِيعهُمْ وَلَا يُعَرِّيهِمْ وَلَا يُنْفِق نَفَقَة يَقُول النَّاس قَدْ أَسْرَفَ . 20113 - حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَزِيد بْن خُنَيْس أَبُو عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيّ الْمَكِّيّ , قَالَ : سَمِعْت وُهَيْب بْن الْوَرْد أَبِي الْوَرْد مَوْلَى بَنِي مَخْزُوم , قَالَ : لَقِيَ عَالِم عَالِمًا هُوَ فَوْقه فِي الْعِلْم , فَقَالَ : يَرْحَمك اللَّه أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْبِنَاء الَّذِي لَا إِسْرَاف فِيهِ مَا هُوَ ؟ قَالَ : هُوَ مَا سَتَرَك مِنَ الشَّمْس , وَأَكَنَّكَ مِنَ الْمَطَر , قَالَ : يَرْحَمك اللَّه , فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الطَّعَام الَّذِي نُصِيبهُ لَا إِسْرَاف فِيهِ مَا هُوَ ؟ قَالَ : مَا سَدَّ الْجُوع وَدُون الشِّبَع , قَالَ : يَرْحَمك اللَّه , فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا اللِّبَاس الَّذِي لَا إِسْرَاف فِيهِ مَا هُوَ ؟ قَالَ : مَا سَتَرَ عَوْرَتك , وَأَدْفَأَك مِنْ الْبَرْد . 20114 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْح , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا } ... الْآيَة , قَالَ : كَانُوا لَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمَالِ , وَلَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا لِلَّذَّةِ , وَلَكِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ مِنَ اللِّبَاس مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَتهمْ , وَيَكْتَنُّونَ بِهِ مِنَ الْحَرّ وَالْقُرّ , وَيُرِيدُونَ مِنَ الطَّعَام مَا سَدَّ عَنْهُمْ الْجُوع , وَقَوَّاهُمْ عَلَى عِبَادَة رَبّهمْ . 20115 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنِ الْعَلَاء بْن عَبْد الْكَرِيم , عَنْ يَزِيد بْن مُرَّة الْجُعْفِيّ , قَالَ : الْعِلْم خَيْر مِنْ الْعَمَل , وَالْحَسَنَة بَيْن السَّيِّئَتَيْنِ , يَعْنِي : إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا , وَخَيْر الْأَعْمَال أَوْسَاطهَا . 20116 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا كَعْب بْن فَرُّوخ , قَالَ : ثنا قَتَادَة , عَنْ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : خَيْر هَذِهِ الْأُمُور أَوْسَاطهَا , وَالْحَسَنَة بَيْن السَّيِّئَتَيْنِ . فَقُلْت لِقَتَادَة : مَا الْحَسَنَة بَيْن السَّيِّئَتَيْنِ ؟ فَقَالَ : { الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا } ... الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِسْرَاف هُوَ أَنْ تَأْكُل مَال غَيْرك بِغَيْرِ حَقّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20117 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا سَالِم بْن سَعِيد , عَنْ أَبِي مَعْدَان , قَالَ : كُنْت عِنْد عَوْن بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة , فَقَالَ : لَيْسَ الْمُسْرِف مَنْ يَأْكُل مَاله , إِنَّمَا الْمُسْرِف مَنْ يَأْكُل مَال غَيْره . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , قَوْل مَنْ قَالَ : الْإِسْرَاف فِي النَّفَقَة الَّذِي عَنَاهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع : مَا جَاوَزَ الْحَدّ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّه لِعِبَادِهِ إِلَى مَا فَوْقه , وَالْإِقْتَار : مَا قَصَرَ عَمَّا أَمَرَ اللَّه بِهِ , وَالْقَوَام : بَيْن ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُسْرِف وَالْمُقْتِر كَذَلِكَ ; وَلَوْ كَانَ الْإِسْرَاف وَالْإِقْتَار فِي النَّفَقَة مُرَخَّصًا فِيهِمَا مَا كَانَا مَذْمُومَيْنِ , وَلَا كَانَ الْمُسْرِف وَلَا الْمُقْتِر مَذْمُومًا ; لِأَنَّ مَا أَذِنَ اللَّه فِي فِعْله فَغَيْر مُسْتَحِقّ فَاعِله الذَّمّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ حَدّ مَعْرُوف تُبَيِّنهُ لَنَا ؟ قِيلَ : نَعَمْ , ذَلِكَ مَفْهُوم فِي كُلّ شَيْء مِنَ الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب وَالْمَلَابِس وَالصَّدَقَة وَأَعْمَال الْبِرّ وَغَيْر ذَلِكَ , نَكْرَه تَطْوِيل الْكِتَاب بِذِكْرِ كُلّ نَوْع مِنْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا , غَيْر أَنَّ جُمْلَة ذَلِكَ هُوَ مَا بَيَّنَّا , وَذَلِكَ نَحْو أَكْل آكِل مِنَ الطَّعَام فَوْق الشِّبَع مَا يُضْعِف بَدَنه , وَيَنْهَك قُوَاهُ , وَيَشْغَلهُ عَنْ طَاعَة رَبّه , وَأَدَاء فَرَائِضه , فَذَلِكَ مِنْ السَّرَف , وَأَنْ يَتْرُك الْأَكْل وَلَهُ إِلَيْهِ سَبِيل حَتَّى يُضْعِف ذَلِكَ جِسْمه , وَيَنْهَك قُوَاهُ , وَيُضْعِفهُ عَنْ أَدَاء فَرَائِض رَبّه , فَذَلِكَ مِنَ الْإِقْتَار , وَبَيْن ذَلِكَ الْقَوَام عَلَى هَذَا النَّحْو , كُلّ مَا جَانَسَ مَا ذَكَرْنَا . فَأَمَّا اتِّخَاذ الثَّوْب لِلْجَمَالِ , يَلْبَسهُ عِنْد اجْتِمَاعه مَعَ النَّاس , وَحُضُوره الْمَحَافِل وَالْجُمَع وَالْأَعْيَاد , دُون ثَوْب مِهْنَته , أَوْ أَكْله مِنَ الطَّعَام مَا قَوَّاهُ عَلَى عِبَادَة رَبّه , مِمَّا ارْتَفَعَ عَمَّا قَدْ يَسُدّ الْجُوع , مِمَّا هُوَ دُونه مِنْ الْأَغْذِيَة , غَيْر أَنَّهُ لَا يُعِين الْبَدَن عَلَى الْقِيَام لِلَّهِ بِالْوَاجِبِ مَعُونَته , فَذَلِكَ خَارِج عَنْ مَعْنَى الْإِسْرَاف , بَلْ ذَلِكَ مِنَ الْقَوَام ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ بِبَعْضِ ذَلِكَ , وَحَضَّ عَلَى بَعْضه , كَقَوْلِهِ : " مَا عَلَى أَحَدكُمْ لَوِ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ . ثَوْبًا لِمِهْنَتِهِ , وَثَوْبًا لِجُمُعَتِهِ وَعِيده " وَكَقَوْلِهِ : " إِذَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَى عَبْد نِعْمَة أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَره عَلَيْهِ " , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوَاضِعهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } فَإِنَّهُ النَّفَقَة بِالْعَدْلِ وَالْمَعْرُوف , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20118 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي سُلَيْمَان , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه , فِي قَوْله : { وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } قَالَ : الشَّطْر مِنْ أَمْوَالهمْ . 20119 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } النَّفَقَة بِالْحَقِّ . 20120 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } قَالَ : الْقَوَام : أَنْ يُنْفِقُوا فِي طَاعَة اللَّه , وَيُمْسِكُوا عَنْ مَحَارِم اللَّه . 20121 - قَالَ : أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن نَشِيط , عَنْ عُمَر مَوْلَى غُفْرَة , قَالَ : قُلْت لَهُ : مَا الْقَوَام ؟ قَالَ : الْقَوَام : أَنْ لَا تُنْفِق فِي غَيْر حَقّ , وَلَا تُمْسِك عَنْ حَقّ هُوَ عَلَيْك . وَالْقَوَام فِي كَلَام الْعَرَب , بِفَتْحِ الْقَاف , وَهُوَ الشَّيْء بَيْن الشَّيْئَيْنِ . تَقُول لِلْمَرْأَةِ الْمُعْتَدِلَة الْخَلْق : إِنَّهَا لَحَسَنَة الْقَوَام فِي اعْتِدَالهَا , كَمَا قَالَ الْحُطَيْئَة : طَافَتْ أُمَامَة بِالرُّكْبَانِ آوِنَة يَا حُسْنه مِنْ قَوَام مَا وَمُنْتَقَبَا فَأَمَّا إِذَا كُسِرَتِ الْقَاف فَقُلْت : إِنَّهُ قِوَام أَهْله , فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : أَنَّ بِهِ يَقُوم أَمْرهمْ وَشَأْنهمْ . وَفِيهِ لُغَات أُخَر , يُقَال مِنْهُ : هُوَ قِيَام أَهْله وَقَيِّمهمْ فِي مَعْنَى قِوَامهمْ . فَمَعْنَى الْكَلَام : وَكَانَ إِنْفَاقهمْ بَيْن الْإِسْرَاف وَالْإِقْتَار قَوَامًا مُعْتَدِلًا , لَا مُجَاوَزَة عَنْ حَدّ اللَّه , وَلَا تَقْصِيرًا عَمَّا فَرَضَهُ اللَّه , وَلَكِنْ عَدْلًا بَيْن ذَلِكَ عَلَى مَا أَبَاحَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَأَذِنَ فِيهِ وَرَخَّصَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَلَمْ يَقْتُرُوا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة " وَلَمْ يُقْتِرُوا " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر التَّاء مِنْ : أَقْتَرَ يُقْتِر , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ { وَلَمْ يَقْتُرُوا } بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ التَّاء مِنْ : قَتَرَ يَقْتُر , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْبَصْرَة " وَلَمْ يَقْتِرُوا " بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر التَّاء مِنْ قَتَرَ يَقْتِر . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , أَنَّ كُلّ هَذِهِ الْقِرَاءَات عَلَى اخْتِلَاف أَلْفَاظهَا لُغَات مَشْهُورَات فِي الْعَرَب , وَقِرَاءَات مُسْتَفِيضَات وَفِي قُرَّاء الْأَمْصَار بِمَعْنًى وَاحِد , فَبِأَيَّتِهَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِسْرَاف وَالْإِقْتَار بِشَوَاهِدِهِمَا فِيمَا مَضَى فِي كِتَابنَا فِي كَلَام الْعَرَب , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَفِي نَصْب الْقَوَام وَجْهَانِ : أَحَدهمَا مَا ذَكَرْت , وَهُوَ أَنْ يُجْعَل فِي كَانَ اسْم الْإِنْفَاق بِمَعْنَى : وَكَانَ إِنْفَاقهمْ مَا أَنْفَقُوا بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا : أَيْ عَدْلًا , وَالْآخَر أَنْ يُجْعَل بَيْن هُوَ الِاسْم , فَتَكُون وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظَة نَصْبًا فِي مَعْنَى رَفْع , كَمَا يُقَال : كَانَ دُون هَذَا لَك كَافِيًا , يَعْنِي بِهِ : أَقَلّ مِنْ هَذَا كَانَ لَك كَافِيًا , فَكَذَلِكَ يَكُون فِي قَوْله : { وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا } لِأَنَّ مَعْنَاهُ : وَكَانَ الْوَسَط مِنْ ذَلِكَ قَوَامًا.