تفسير القرطبي

سورة الفرقان الآية ٤

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًۭا وَزُورًۭا ﴿٤﴾
يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْش . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْقَائِل مِنْهُمْ ذَلِكَ النَّضْر بْن الْحَرْث ; وَكَذَا كُلّ مَا فِي الْقُرْآن فِيهِ ذِكْر الْأَسَاطِير . قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : و كَانَ مُؤْذِيًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

يَعْنِي الْقُرْآن .

أَيْ كَذِب اِخْتَلَقَهُ .

يَعْنِي الْيَهُود ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " قَوْم آخَرُونَ " أَبُو فَكِيهَة مَوْلَى بَنِي الْحَضْرَمِيّ وَعَدَّاس وَجَبْر , وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقَدْ مَضَى فِي " النَّحْل " ذِكْرهمْ .

أَيْ بِظُلْمٍ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَقَدْ أَتَوْا ظُلْمًا .
ولما قرر بالدليل القاطع الواضح, صحة التوحيد وبطلان ضده, قرر صحة الرسالة, وبطلان قول من عارضها واعترضها فقال: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا " إلى " إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " .
أي: وقال الكافرون بالله, الذي أوجب لهم كفرهم, أن قالوا في القرآن والرسول: إن هذا القرآن كذب, كذبه محمد, وإفك, افتراه على الله, وأعانه على ذلك قوم آخرون.
فرد الله عليهم ذلك, بأن هذا مكابرة منهم, وإقدام على الظلم والزور, الذي لا يمكن, أن يدخل عقل أحد, وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم, وكمال صدقه, وأمانته, وبره التام, وأنه لا يمكنه, لا هو, ولا سائر الخلق, أن يأتوا بهذا القرآن, الذي هو أجل الكلام وأعلاه, وأنه لم يجتمع بأحد يعينه, على ذلك, فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا.
وقال الكافرون بالله: ما هذا القرآن إلا كذب وبهتان اختلقه محمد، وأعانه على ذلك أناس آخرون، فقد ارتكبوا ظلمًا فظيعًا، وأتوا زورًا شنيعًا؛ فالقرآن ليس مما يمكن لبشر أن يختلقه.
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا" أَيْ مَا الْقُرْآن "إلَّا إفْك" كَذِب "افْتَرَاهُ" مُحَمَّد "وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ" وَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب "فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا" كُفْرًا وَكَذِبًا : أَيْ بِهِمَا
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ سَخَافَة عُقُول الْجَهَلَة مِنْ الْكُفَّار فِي قَوْلهمْ عَنْ الْقُرْآن " إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْك " أَيْ كَذِب " اِفْتَرَاهُ " يَعْنُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ " أَيْ وَاسْتَعَانَ عَلَى جَمْعه بِقَوْمٍ آخَرِينَ فَقَالَ اللَّه تَعَالَى " فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا " أَيْ فَقَدْ اِفْتَرَوْا هُمْ قَوْلًا بَاطِلًا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاطِل وَيَعْرِفُونَ كَذِب أَنْفُسهمْ فِيمَا زَعَمُوهُ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْك افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ فَقَدْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونه آلِهَة : مَا هَذَا الْقُرْآن الَّذِي جَاءَنَا بِهِ مُحَمَّد { إِلَّا إِفْك } يَعْنِي : إِلَّا كَذِب وَبُهْتَان , { افْتَرَاهُ } اخْتَلَقَهُ وَتَخَرَّصَهُ بِقَوْلِهِ , { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ } ذُكِرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّمَا يُعَلِّم مُحَمَّدًا هَذَا الَّذِي يَجِيئنَا بِهِ الْيَهُود , فَذَلِكَ قَوْله : { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ } يَقُول : وَأَعَانَ مُحَمَّدًا عَلَى هَذَا الْإِفْك الَّذِي افْتَرَاهُ يَهُود . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19920 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَأَعَانَهُ قَوْم آخَرُونَ } قَالَ : يَهُود . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .

وَقَوْله : { فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَقَدْ أَتَى قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة , يَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْك افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ } ظُلْمًا , يَعْنِي بِالظُّلْمِ نِسْبَتهمْ كَلَام اللَّه وَتَنْزِيله إِلَى أَنَّهُ إِفْك افْتَرَاهُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الظُّلْم : وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه فَكَانَ ظُلْم قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَة الْقُرْآن بِقِيلِهِمْ هَذَا وَصْفهمْ إِيَّاهُ بِغَيْرِ صِفَته . وَالزُّور : أَصْله تَحْسِين الْبَاطِل . فَتَأْوِيل الْكَلَام : فَقَدْ أَتَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي قِيلهمْ { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْك افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ } كَذِبًا مَحْضًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19921 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا } قَالَ : كَذِبًا .
مشاركة الموضوع