تفسير القرطبي

سورة المؤمنون الآية ٦٢

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٦٢﴾
التَّكْلِيف هُوَ الْأَمْر بِمَا يَشُقّ عَلَيْهِ وَتَكَلَّفْت الْأَمْر تَجَشَّمْته ; حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ . وَالْوُسْع : الطَّاقَة وَالْجِدَّة . وَهَذَا خَبَر جَزْم . نَصَّ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّف الْعِبَاد مِنْ وَقْت نُزُول الْآيَة عِبَادَة مِنْ أَعْمَال الْقَلْب أَوْ الْجَوَارِح إِلَّا وَهِيَ فِي وُسْع الْمُكَلَّف وَفِي مُقْتَضَى إِدْرَاكه وَبِنْيَته ; وَبِهَذَا اِنْكَشَفَتْ الْكُرْبَة عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي تَأَوُّلهمْ أَمْر الْخَوَاطِر. وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة مَا حَكَاهُ أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : مَا وَدِدْت أَنَّ أَحَدًا وَلَدَتْنِي أُمّه إِلَّا جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , فَإِنِّي تَبِعْته يَوْمًا وَأَنَا جَائِع فَلَمَّا بَلَغَ , مَنْزِل لَمْ يَجِد فِيهِ سِوَى نُحْيِيَ سَمْن قَدْ بَقِيَ فِيهِ أَثَارَة فَشَقَّهُ بَيْن أَيْدِينَا , فَجَعَلْنَا نَلْعَق مَا فِيهِ مِنْ السَّمْن وَالرُّبّ وَهُوَ يَقُول : مَا كَلَّفَ اللَّه نَفْسًا فَوْق طَاقَتهَا وَلَا تَجُود يَد إِلَّا بِمَا تَجِدْ

اِخْتَلَفَ النَّاس فِي جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فِي الْأَحْكَام الَّتِي هِيَ فِي الدُّنْيَا , بَعْد اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ وَاقِعًا فِي الشَّرْع , وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَة أَذِنَتْ بِعَدَمِهِ ; قَالَ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ وَجَمَاعَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ : تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق جَائِز عَقْلًا , وَلَا يَخْرِم ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ عَقَائِد الشَّرْع , وَيَكُون ذَلِكَ أَمَارَة عَلَى تَعْذِيب الْمُكَلَّف وَقَطْعًا بِهِ , وَيُنْظَر إِلَى هَذَا تَكْلِيف الْمُصَوَّر أَنْ يَعْقِد شَعِيرَة . وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِهِ هَلْ وَقَعَ فِي رِسَالَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا ؟ فَقَالَ فِرْقَة : وَقَعَ فِي نَازِلَة أَبِي لَهَب , لِأَنَّهُ كَلَّفَهُ بِالْإِيمَانِ بِجُمْلَةِ الشَّرِيعَة , وَمِنْ جُمْلَتهَا أَنَّهُ لَا يُؤْمِن ; لِأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِتَبِّ الْيَدَيْنِ وَصَلْي النَّار وَذَلِكَ مُؤْذِن بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِن ; فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأَنْ يُؤْمِن بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِن . وَقَالَتْ فِرْقَة : لَمْ يَقَع قَطُّ . وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ . وَقَوْله تَعَالَى : " سَيَصْلَى نَارًا " [ الْمَسَد : 3 ] مَعْنَاهُ إِنْ وَافَى ; حَكَاهُ اِبْن عَطِيَّة. " وَيُكَلِّف " يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَحَدهمَا مَحْذُوف ; تَقْدِيره عِبَادَة أَوْ شَيْئًا . فَاَللَّه سُبْحَانه بِلُطْفِهِ وَإِنْعَامه عَلَيْنَا وَإِنْ كَانَ قَدْ كَلَّفَنَا بِمَا يَشُقّ وَيَثْقُل كَثُبُوتِ الْوَاحِد لِلْعَشَرَةِ , وَهِجْرَة الْإِنْسَان وَخُرُوجه مِنْ وَطَنه وَمُفَارَقَة أَهْله وَوَطَنه وَعَادَته , لَكِنَّهُ لَمْ يُكَلِّفنَا بِالْمَشَقَّاتِ الْمُثْقِلَة وَلَا بِالْأُمُورِ الْمُؤْلِمَة ; كَمَا كُلِّفَ مَنْ قَبْلنَا بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ وَقَرْض مَوْضِع الْبَوْل مِنْ ثِيَابهمْ وَجُلُودهمْ , بَلْ سَهَّلَ وَرَفَقَ وَوَضَعَ عَنَّا الْإِصْر وَالْأَغْلَال الَّتِي وَضَعَهَا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلنَا . فَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة , وَالْفَضْل وَالنِّعْمَة .



أَظْهَر مَا قِيلَ فِيهِ : أَنَّهُ أَرَادَ كِتَاب إِحْصَاء الْأَعْمَال الَّذِي تَرْفَعهُ الْمَلَائِكَة ; وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسه لِأَنَّ الْمَلَائِكَة كُتِبَتْ فِيهِ أَعْمَال الْعِبَاد بِأَمْرِهِ , فَهُوَ يَنْطِق بِالْحَقِّ . وَفِي هَذَا تَهْدِيد وَتَأْيِيس مِنْ الْحَيْف وَالظُّلْم . وَلَفْظ النُّطْق يَجُوز فِي الْكِتَاب ; وَالْمُرَاد أَنَّ النَّبِيِّينَ تَنْطِق بِمَا فِيهِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : عَنَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ , وَقَدْ أَثْبَتَ فِيهِ كُلّ شَيْء , فَهُمْ لَا يُجَاوِزُونَ ذَلِكَ. وَقِيلَ : الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ " وَلَدَيْنَا كِتَاب " الْقُرْآن , فَاَللَّه أَعْلَم , وَكُلّ مُحْتَمَل وَالْأَوَّل أَظْهَر .
" وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا " أي: بقدر ما تسعه, ويفضل من قوتها عنه.
ليس مما يستوعب قوتها, رحمة منه وحكمة, لتيسير طريق الوصول إليه, ولتعمر جادة السالكين في كل وقت إليه.
" وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ " وهو الكتاب الأول, الذي فيه كل شيء, وهو يطابق كل واقع يكون, فلذلك كان حقا.
" وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " أي لا ينقص من إحسانهم, ولا يزداد في عقوبتهم وعصيانهم.
ولا نكلف عبدًا من عبادنا إلا بما يسعه العمل به، وأعمالهم مسطورة عندنا في كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة ينطق بالحق عليهم، ولا يُظْلم أحد منهم.
"وَلَا نُكَلِّف نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا" طَاقَتهَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا فَلْيُصَلِّ جَالِسًا وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُوم فَلْيَأْكُلْ "وَلَدَيْنَا" عِنْدنَا "كِتَاب يَنْطِق بِالْحَقِّ" بِمَا عَمِلْته وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ تُسْطَر فِيهِ الْأَعْمَال "وَهُمْ" أَيْ النُّفُوس الْعَامِلَة "لَا يُظْلَمُونَ" شَيْئًا مِنْهَا فَلَا يُنْقَص مِنْ ثَوَاب أَعْمَال الْخَيْرَات وَلَا يُزَاد فِي السَّيِّئَات
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَدْله فِي شَرْعه عَلَى عِبَاده فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا أَيْ إِلَّا مَا تُطِيق حَمْله وَالْقِيَام بِهِ وَأَنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة يُحَاسِبهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ الَّتِي كَتَبَهَا عَلَيْهِمْ فِي كِتَاب مَسْطُور لَا يَضِيع مِنْهُ شَيْء وَلِهَذَا قَالَ " وَلَدَيْنَا كِتَاب يَنْطِق بِالْحَقِّ " يَعْنِي كِتَاب الْأَعْمَال" وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " أَيْ لَا يُبْخَسُونَ مِنْ الْخَيْر شَيْئًا وَأَمَّا السَّيِّئَات فَيَعْفُو وَيَصْفَح عَنْ كَثِير مِنْهَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّار وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا مَا يَسَعهَا وَيَصْلُح لَهَا مِنَ الْعِبَادَة ; وَلِذَلِكَ كَلَّفْنَاهَا مَا كَلَّفْنَاهَا مِنْ مَعْرِفَة وَحْدَانِيَّة اللَّه , وَشَرَعْنَا لَهَا مَا شَرَعْنَا مِنَ الشَّرَائِع .

يَقُول : وَعِنْدنَا كِتَاب أَعْمَال الْخَلْق بِمَا عَمِلُوا مِنْ خَيْر وَشَرّ ; { يَنْطِق بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَقُول : يُبَيِّن بِالصِّدْقِ عَمَّا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فِي الدُّنْيَا , لَا زِيَادَة عَلَيْهِ وَلَا نُقْصَان , وَنَحْنُ مُوَفُّو جَمِيعهمْ أُجُورهمْ , الْمُحْسِن مِنْهُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ .


يَقُول : وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ , بِأَنْ يُزَاد عَلَى سَيِّئَات الْمُسِيء مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْمَلهُ فَيُعَاقَب عَلَى غَيْر جُرْمه , وَيَنْقُص الْمُحْسِن عَمَّا عَمِلَ مِنْ إِحْسَانه فَيَنْقُص عَمَّا لَهُ مِنَ الثَّوَاب .
مشاركة الموضوع