تفسير القرطبي

سورة المؤمنون الآية ٤١

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَٰهُمْ غُثَآءًۭ ۚ فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٤١﴾
فِي التَّفَاسِير : صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام صَيْحَة وَاحِدَة مَعَ الرِّيح الَّتِي أَهْلَكَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِهَا فَمَاتُوا عَنْ آخِرهمْ .



أَيْ هَلْكَى هَامِدِينَ كَغُثَاءِ السَّيْل , وَهُوَ مَا يَحْمِلهُ مِنْ بَالِي الشَّجَر مِنْ الْحَشِيش وَالْقَصَب مِمَّا يَبِسَ وَتَفَتَّتَ .


أَيْ هَلَاكًا لَهُمْ . وَقِيلَ بُعْدًا لَهُمْ مِنْ رَحْمَة اللَّه ; وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر . وَمِثْله سَقْيًا لَهُ وَرَعْيًا .
فـ " قَالَ " الله مجيبا لدعوته: " عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ " لا بالظلم والجور, بل بالعدل وظلمهم, أخذتهم الصيحة, فأهلكتهم عن آخرهم.
" فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً " أي هشيما يبسا بمنزلة غثاء السيل الملقى في جنبات الوادي, وقال في الآية الأخرى " إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ " " فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " أي: أتبعوا مع عذابهم, البعد واللعنة والذم من العالمين.
" فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ " .
هذا التعبير مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم.
وفيه تهكم بهم, وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده, فيقال عنه: " بكت عليه السماء والأرض " .
ومنه ما روي " أن المؤمن إذا مات, ليبكي عليه مصلاه, ومحل عبادته, ومصاعد عمله, ومهابط رزقه, وآثاره في الأرض " .
وعن الحسن يبكي عليه أهل السماء والأرض.
" وَمَا كَانُوا " لما جاءهم وقت هلاكهم " مُنْظَرِينَ " أي: ممهلين إلى وقت آخر, بل عجل لهم العذاب في الدنيا.
والمعنى الإجمالي: فما حزنت عليهم السماء والأرض عندما أخذهم العذاب, لهوان شأنهم, لأنهم ماتوا كفارا, ولم ينظروا لتوبة, ولم يمهلوا لتدارك تقصيرهم احتقارا لهم.
ولم يلبثوا أن جاءتهم صيحة شديدة مع ريح، أهلكهم الله بها، فماتوا جميعًا، وأصبحوا كغثاء السيل الذي يطفو على الماء، فهلاكًا لهؤلاء الظالمين وبُعْدًا لهم من رحمة الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم، فيحل بهم ما حل بسابقيهم.
"فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة" صَيْحَة الْعَذَاب وَالْهَلَاك كَائِنَة "بِالْحَقِّ" فَمَاتُوا "فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء" وَهُوَ نَبْت يَبِسَ أَيْ صَيَّرْنَاهُمْ مِثْله فِي الْيَبَس "فَبُعْدًا" مِنْ الرَّحْمَة "لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" الْمُكَذِّبِينَ
" فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة بِالْحَقِّ" أَيْ وَكَانُوا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ مِنْ اللَّه بِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانهمْ وَالظَّاهِر أَنَّهُ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ صَيْحَة مَعَ الرِّيح الصَّرْصَر الْعَاصِف الْقَوِيّ الْبَارِد " تُدَمِّر كُلّ شَيْء بِأَمْرِ رَبّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنهمْ " وَقَوْله " فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء " أَيْ صَرْعَى هَلْكَى كَغُثَاءِ السَّيْل وَهُوَ الشَّيْء الْحَقِير التَّافِه الْهَالِك الَّذِي لَا يُنْتَفَع بِشَيْءٍ مِنْهُ " فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " كَقَوْلِهِ " وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ " أَيْ بِكُفْرِهِمْ وَعِنَادهمْ وَمُخَالَفَة رَسُول اللَّه فَلْيَحْذَرْ السَّامِعُونَ أَنْ يُكَذِّبُوا رَسُولهمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة بِالْحَقِّ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ , فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الصَّيْحَة فَأَخَذَتْهُمْ بِالْحَقِّ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَاقَبَهُمْ بِاسْتِحْقَاقِهِمُ الْعِقَاب مِنْهُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ وَتَكْذِيبهمْ رَسُوله .

يَقُول : فَصَيَّرْنَاهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغُثَاء , وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ عَلَى السَّيْل وَنَحْوه , كَمَا لَا يُنْتَفَع بِهِ فِي شَيْء , فَإِنَّمَا هَذَا مَثَل , وَالْمَعْنَى : فَأَهْلَكْنَاهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ كَالشَّيْءِ الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19294 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يَقُول : جُعِلُوا كَالشَّيْءِ الْمَيِّت الْبَالِي مِنَ الشَّجَر . 19295 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى . وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { غُثَاء } كَالرَّمِيمِ الْهَامِد , الَّذِي يَحْتَمِل السَّيْل . 19296 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء } قَالَ : كَالرَّمِيمِ الْهَامِد الَّذِي يَحْتَمِل السَّيْل . 19297 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء } قَالَ : هُوَ الشَّيْء الْبَالِي . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19298 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه.


وَقَوْله : { فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يَقُول : فَأَبْعَدَ اللَّه الْقَوْم الْكَافِرِينَ بِهَلَاكِهِمْ , إِذْ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُله وَظَلَمُوا أَنْفُسهمْ . 19299 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : أُولَئِكَ ثَمُود , يَعْنِي قَوْله : { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
مشاركة الموضوع