تفسير القرطبي

سورة المؤمنون الآية ٣٠

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿٣٠﴾
أَيْ فِي أَمْر نُوح وَالسَّفِينَة وَإِهْلَاك الْكَافِرِينَ .


أَيْ دَلَالَات عَلَى كَمَالِ قُدْرَة اللَّه تَعَالَى , وَأَنَّهُ يَنْصُر أَنْبِيَاءَهُ وَيُهْلِك أَعْدَاءَهُمْ .


أَيْ مَا كُنَّا إِلَّا مُبْتَلِينَ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ ; أَيْ مُخْتَبَرِينَ لَهُمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُل إِلَيْهِمْ لِيَظْهَر الْمُطِيع وَالْعَاصِي فَيَتَبَيَّن لِلْمَلَائِكَةِ حَالهمْ ; لَا أَنْ يَسْتَجِدّ الرَّبّ عِلْمًا. وَقِيلَ : أَيْ نُعَامِلهُمْ مُعَامَلَة الْمُخْتَبَرِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " وَغَيْرهَا . وَقِيلَ : " وَإِنْ كُنَّا " أَيْ وَقَدْ كُنَّا .
" إِنَّ فِي ذَلِكَ " أي: في هذه القصة " لَآيَاتٍ " تدل على أن الله وحده المعبود, وعلى أن رسوله نوحا, صادق, وأن قومه كاذبون, وعلى رحمة الله بعباده, حيث حملهم في صلب أبيهم نوح, في الفلك لما غرق أهل الأرض.
والفلك أيضا من آيات الله قال تعالى: " وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ " ولهذا جمعها هنا لأنها تدل على عدة آيات ومطالب.
" وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ " .
إن في إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لَدلالات واضحات على صدق رسل الله فيما جاؤوا به من الله، وإن كنا لمختبرين الأمم بإرسال الرسل إليهم قبل وقوع العقوبة بهم.
"إنَّ فِي ذَلِكَ" الْمَذْكُور مِنْ أَمْر نُوح وَالسَّفِينَة وَإِهْلَاك الْكُفَّار "لَآيَات" دَلَالَات عَلَى قُدْرَة اللَّه تَعَالَى "وَإِنْ" مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَاسْمهَا ضَمِير الشَّأْن "كُنَّا لَمُبْتَلِينَ" مُخْتَبِرِينَ قَوْم نُوح بِإِرْسَالِهِ إلَيْهِمْ وَوَعْظه
وَقَالَ تَعَالَى" وَقُلْ رَبّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْر الْمُنْزِلِينَ" وَقَوْله " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات " أَيْ إِنَّ فِي هَذَا الصَّنِيع وَهُوَ إِنْجَاء الْمُؤْمِنِينَ وَإِهْلَاك الْكَافِرِينَ لَآيَات أَيْ لَحُجَج وَدَلَالَات وَاضِحَات عَلَى صِدْق الْأَنْبِيَاء فِيمَا جَاءُوا بِهِ عَنْ اللَّه تَعَالَى وَأَنَّهُ تَعَالَى فَاعِل لِمَا يَشَاء قَادِر عَلَى كُلّ شَيْء عَلِيم بِكُلِّ شَيْء وَقَوْله " وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ" أَيْ لَمُخْتَبِرِينَ لِلْعِبَادِ بِإِرْسَالِ الْمُرْسَلِينَ .
وَقَوْله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِيمَا فَعَلْنَا بِقَوْمِ نُوح يَا مُحَمَّد مِنْ إِهْلَاكِنَاهُمْ إِذْ كَذَّبُوا رُسُلنَا وَجَحَدُوا وَحْدَانِيّتنَا وَعَبَدُوا الْآلِهَة وَالْأَصْنَام , لَعِبَرًا لِقَوْمِك مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش , وَعِظَات وَحُجَجًا لَنَا , يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى سُنَّتنَا فِي أَمْثَالهمْ , فَيَنْزَجِرُوا عَنْ كُفْرهمْ وَيَرْتَدِعُوا عَنْ تَكْذِيبك , حَذَرًا أَنْ يُصِيبهُمْ مِثْل الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنَ الْعَذَاب .


وَقَوْله : { وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكُنَّا مُخْتَبِرِيهِمْ بِتَذْكِيرِنَا إِيَّاهُمْ بِآيَاتِنَا , لِنَنْظُر مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْل نُزُول عُقُوبَتنَا بِهِمْ .
مشاركة الموضوع