تفسير القرطبي

سورة المؤمنون الآية ٢١

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٢١﴾
هُنَا الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة : الْإِبِل وَالْبَقَر وَالضَّأْن وَالْمَعْز . " لَعِبْرَة " أَيْ دَلَالَة عَلَى قُدْرَة اللَّه وَوَحْدَانِيّته وَعَظَمَته . وَالْعِبْرَة أَصْلهَا تَمْثِيل الشَّيْء بِالشَّيْءِ لِتُعْرَف حَقِيقَته مِنْ طَرِيق الْمُشَاكَلَة , وَمِنْهُ " فَاعْتَبِرُوا " [ الْحَشْر : 2 ] . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : الْعِبْرَة فِي الْأَنْعَام تَسْخِيرهَا لِأَرْبَابِهَا وَطَاعَتهَا لَهُمْ , وَتَمَرُّدك عَلَى رَبّك وَخِلَافك لَهُ فِي كُلّ شَيْء . وَمِنْ أَعْظَم الْعِبَر بَرِيء يَحْمِل مُذْنِبًا.



قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَابْن عَامِر وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بِفَتْحِ النُّون مِنْ سَقَى يَسْقِي . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَحَفْص عَنْ عَاصِم بِضَمِّ النُّون مِنْ أَسْقَى يُسْقِي , وَهِيَ قِرَاءَة الْكُوفِيِّينَ وَأَهْل مَكَّة . قِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ . وَقَالَ لَبِيد : سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْد وَأَسْقَى نُمَيْرًا وَالْقَبَائِل مِنْ هِلَال وَقِيلَ : يُقَال لِمَا كَانَ مِنْ يَدك إِلَى فِيهِ سَقَيْته , فَإِذَا جُعِلَتْ لَهُ شَرَابًا أَوْ عَرَضَتْهُ لِأَنْ يَشْرَب بِفِيهِ أَوْ يَزْرَعهُ قُلْت أَسْقَيْته ; قَالَ اِبْن عَزِيز , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة " تُسْقِيكُمْ " بِالتَّاءِ , وَهِيَ ضَعِيفَة , يَعْنِي الْأَنْعَام . وَقُرِئَ بِالْيَاءِ , أَيْ يُسْقِيكُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَالْقُرَّاء عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ ; فَفَتْح النُّون لُغَة قُرَيْش وَضَمّهَا لُغَة حِمْيَر .



قَالَ الْكِسَائِيّ : " مِمَّا فِي بُطُونهَا " أَيْ مِمَّا فِي بُطُون بَعْضه ; إِذْ الذُّكُور لَا أَلْبَان لَهَا , وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْأَنْعَام وَالنَّعَم وَاحِد , وَالنَّعَم يُذَكَّر , وَلِهَذَا تَقُول الْعَرَب : هَذَا نَعَم وَارِد , فَرَجَعَ الضَّمِير إِلَى لَفْظ النَّعَم الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْأَنْعَام . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا رَجَعَ التَّذْكِير إِلَى مَعْنَى الْجَمْع , وَالتَّأْنِيث إِلَى مَعْنَى الْجَمَاعَة , فَذَكَرَهُ هُنَا بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمْع , وَأَنَّثَهُ فِي سُورَة الْمُؤْمِنِينَ بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمَاعَة فَقَالَ : " نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونهَا " [ الْمُؤْمِنُونَ : 21 ] وَبِهَذَا التَّأْوِيل يَنْتَظِم الْمَعْنَى اِنْتِظَامًا . حَسَنًا . وَالتَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمَاعَة وَالتَّذْكِير بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمْع أَكْثَر مِنْ رَمْل يَبْرِين وَتَيْهَاء فِلَسْطِين .

اِسْتَنْبَطَ بَعْض الْعُلَمَاء الْجِلَّة وَهُوَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل مِنْ عَوْد هَذَا الضَّمِير , أَنَّ لَبَن الْفَحْل يُفِيد التَّحْرِيم , وَقَالَ : إِنَّمَا جِيءَ بِهِ مُذَكَّرًا لِأَنَّهُ رَاجِع إِلَى ذِكْر النَّعَم ; لِأَنَّ اللَّبَن لِلذَّكَرِ مَحْسُوب , وَلِذَلِكَ قَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ لَبَن الْفَحْل يَحْرُم حِين أَنْكَرَتْهُ عَائِشَة فِي حَدِيث أَفْلَح أَخِي أَبِي الْقُعَيْس ( فَلِلْمَرْأَةِ السَّقْي وَلِلرَّجُلِ اللِّقَاح ) فَجَرَى الِاشْتِرَاك فِيهِ بَيْنهمَا. وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي تَحْرِيم لَبَن الْفَحْل فِي [ النِّسَاء ] وَالْحَمْد لِلَّهِ .
أي: ومن نعمه عليكم, أن سخر لكم الأنعام من الإبل, والبقر, والغنم, فيها عبرة للمعتبرين, ومنافع للمنتفعين.
" نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا " من لبن, يخرج من بين فرث ودم, لبن, خالص, سائغ للشاربين.
" وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ " من أصوافها, وأوبارها, وأشعارها, وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا, تستخفونها يوم ظعنكم, ويوم إقامتكم " وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ " أفضل المآكل من لحم وشحم.
وإن لكم- أيها الناس- في الإبل والبقر والغنم لَعبرة تعتبرون بخلقها، نسقيكم مما في بطونها من اللبن، ولكم فيها منافع أخرى كثيرة كالصوف والجلود، ونحوهما، ومنها تأكلون.
"وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَام" الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم "لَعِبْرَة" عِظَة تَعْتَبِرُونَ بِهَا "نُسْقِيكُمْ" بِفَتْحِ النُّون وَضَمّهَا "مِمَّا فِي بُطُونهَا" اللَّبَن "وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِع كَثِيرَة" مِنْ الْأَصْوَاف وَالْأَوْبَار وَالْأَشْعَار وَغَيْر ذَلِكَ
وَقَوْله " وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَام لَعِبْرَة نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِع كَثِيرَة وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْك تُحْمَلُونَ " يَذْكُر تَعَالَى مَا جَعَلَ لِخَلْقِهِ فِي الْأَنْعَام مِنْ الْمَنَافِع وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانهَا الْخَارِجَة مِنْ بَيْن فَرْث وَدَم وَيَأْكُلُونَ مِنْ حِمْلَانهَا وَيَلْبَسُونَ مِنْ أَصْوَافهَا وَأَوْبَارهَا وَأَشْعَارهَا وَيَرْكَبُونَ ظُهُورهَا وَيُحَمِّلُونَهَا الْأَحْمَال الثِّقَال إِلَى الْبِلَاد النَّائِيَة عَنْهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس إِنَّ رَبّكُمْ لَرَءُوف رَحِيم " وَقَالَ تَعَالَى " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبهمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِع وَمَشَارِب أَفَلَا يَشْكُرُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ لَكُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَإِنَّ لَكُمْ } أَيّهَا النَّاس

{ فِي الْأَنْعَام لَعِبْرَة } تَعْتَبِرُونَ بِهَا , فَتَعْرِفُونَ بِهَا أَيَادِي اللَّه عِنْدكُمْ وَقُدْرَته عَلَى مَا يَشَاء , وَأَنَّهُ الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء أَرَادَهُ وَلَا يُعْجِزهُ شَيْء شَاءَهُ .

{ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونهَا } مِنَ اللَّبَن الْخَارِج مِنْ بَيْن الْفَرْث وَالدَّم.

{ وَلَكُمْ } مَعَ ذَلِكَ

{ فِيهَا } يَعْنِي فِي الْأَنْعَام ,

{ مَنَافِع كَثِيرَة } وَذَلِكَ كَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَل عَلَيْهَا وَيُرْكَب ظَهْرهَا وَيُشْرَب دَرّهَا .

{ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } يَعْنِي مِنْ لُحُومهَا تَأْكُلُونَ .
مشاركة الموضوع