تفسير القرطبي

سورة المؤمنون الآية ١٠٠

لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٠٠﴾
قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه .



أَيْ فِيمَا ضَيَّعْت وَتَرَكْت الْعَمَل بِهِ مِنْ الطَّاعَات. وَقِيلَ " فِيمَا تَرَكْت " مِنْ الْمَال فَأَتَصَدَّق . وَ " لَعَلَّ " تَتَضَمَّن تَرَدُّدًا ; وَهَذَا الَّذِي يَسْأَل الرَّجْعَة قَدْ اِسْتَيْقَنَ الْعَذَاب , وَهُوَ يُوَطِّن نَفْسه عَلَى الْعَمَل الصَّالِح قَطْعًا مِنْ غَيْر تَرَدُّد . فَالتَّرَدُّد يَرْجِع إِمَّا إِلَى رَدّه إِلَى الدُّنْيَا , وَإِمَّا إِلَى التَّوْفِيق ; أَيْ أَعْمَل صَالِحًا إِنْ وَفَّقْتنِي ; إِذْ لَيْسَ عَلَى قَطْع مِنْ وُجُود الْقُدْرَة وَالتَّوْفِيق لَوْ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا .



هَذِهِ كَلِمَة رَدّ ; أَيْ لَيْسَ الْأَمْر عَلَى مَا يَظُنّهُ مِنْ أَنَّهُ يُجَاب إِلَى الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا , بَلْ هُوَ كَلَام يَطِيح فِي أَدْرَاج الرِّيح. وَقِيلَ : لَوْ أُجِيبَ إِلَى مَا يَطْلُب لَمَا وَفَّى بِمَا يَقُول ; كَمَا قَالَ : " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ " [ الْأَنْعَام : 28 ] . وَقِيلَ :


تَرْجِع إِلَى اللَّه تَعَالَى ; أَيْ لَا خُلْف فِي خَبَره , وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَنْ يُؤَخِّر نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلهَا , وَأَخْبَرَ بِأَنَّ هَذَا الْكَافِر لَا يُؤْمِن . وَقِيلَ : " إِنَّهَا كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا " عِنْد الْمَوْت , وَلَكِنْ لَا تَنْفَع .



أَيْ وَمِنْ أَمَامهمْ وَبَيْن أَيْدِيهمْ . وَقِيلَ : مِنْ خَلْفهمْ . " بَرْزَخ " أَيْ حَاجِز بَيْن الْمَوْت وَالْبَعْث ; قَالَهُ الضَّحَّاك وَمُجَاهِد وَابْن زَيْد . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا أَنَّ الْبَرْزَخ هُوَ الْحَاجِز بَيْن الْمَوْت وَالرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا . وَعَنْ الضَّحَّاك : هُوَ مَا بَيْن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . اِبْن عَبَّاس . حِجَاب . السُّدِّيّ : أَجَل . قَتَادَة : بَقِيَّة الدُّنْيَا . وَقِيلَ : الْإِمْهَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; حَكَاهُ اِبْن عِيسَى . الْكَلْبِيّ : هُوَ الْأَجَل مَا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ , وَبَيْنهمَا أَرْبَعُونَ سَنَة . وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة . وَكُلّ حَاجِز بَيْن شَيْئَيْنِ فَهُوَ بَرْزَخ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْبَرْزَخ الْحَاجِز بَيْن الشَّيْئَيْنِ . وَالْبَرْزَخ مَا بَيْن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مِنْ وَقْت الْمَوْت إِلَى الْبَعْث ; فَمَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْبَرْز . وَقَالَ رَجُل بِحَضْرَةِ الشَّعْبِيّ : رَحِمَ اللَّه فُلَانًا فَقَدْ صَارَ مِنْ أَهْل الْآخِرَة ! فَقَالَ : لَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْل الْآخِرَة , وَلَكِنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْل الْبَرْزَخ , وَلَيْسَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ الْآخِرَة. وَأُضِيفَ " يَوْم " إِلَى " يُبْعَثُونَ " لِأَنَّهُ ظَرْف زَمَان , وَالْمُرَاد بِالْإِضَافَةِ الْمَصْدَر .
" لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ " من العمل, وفرطت في جنب الله.
" كُلًّا " أي: لا رجعة له ولا إمهال, قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون " إِنَّهَا " أي مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا " كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا " أي: مجرد قول اللسان, لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم.
وهو أيضا غير صادق في ذلك, فإنه لو رد لعاد لما نهي عنه.
" وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " أي: من أمامهم وبين أيديهم, برزخ, وهو الحاجز بين الشيئين, فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة.
وفي هذا البرزخ, يتنعم المطيعون, ويعذب العاصون, من ابتداء موتهم, واستقرارهم في قبورهم, إلى يوم يبعثون.
أي: فليعدوا له عدته, وليأخذوا له أهبته.
لعلي أستدرك ما ضيَّعْتُ من الإيمان والطاعة. ليس له ذلك، فلا يجاب إلى ما طلب ولا يُمْهَل. فإنما هي كلمة هو قائلها قولا لا ينفعه، وهو فيه غير صادق، فلو رُدَّ إلى الدنيا لعاد إلى ما نُهي عنه، وسيبقى المتوفَّون في الحاجز والبَرْزخ الذي بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور.
"لَعَلِّي أَعْمَل صَالِحًا" بِأَنْ أَشْهَد أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّه "فِيمَا تَرَكْت" ضَيَّعْت مِنْ عُمُرِي أَيْ فِي مُقَابَلَته "كَلَّا" أَيْ لَا رُجُوع "إنَّهَا" أَيْ رَبّ ارْجِعُونِ "كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا" وَلَا فَائِدَة لَهُ فِيهَا "وَمِنْ وَرَائِهِمْ" أَمَامهمْ "بَرْزَخ" حَاجِز يَصُدّهُمْ عَنْ الرُّجُوع "إلَى يَوْم يُبْعَثُونَ" وَلَا رُجُوع بَعْده
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ حَال الْمُحْتَضَر عِنْد الْمَوْت مِنْ الْكَافِرِينَ أَوْ الْمُفَرِّطِينَ فِي أَمْر اللَّه تَعَالَى وَقِيلهمْ عِنْد ذَلِكَ وَسُؤَالهمْ الرَّجْعَة إِلَى الدُّنْيَا لِيُصْلِح مَا كَانَ أَفْسَدَهُ فِي مُدَّة حَيَاته وَلِهَذَا قَالَ " رَبّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَل صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت كَلَّا " كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ أَحَدكُمْ الْمَوْت - إِلَى قَوْله - وَاَللَّه خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ " وَقَالَ تَعَالَى" وَأَنْذِرْ النَّاس يَوْم يَأْتِيهِمْ الْعَذَاب - إِلَى قَوْله - مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال " وَقَالَ تَعَالَى " يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله يَقُول الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل قَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاء فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدّ فَنَعْمَل غَيْر الَّذِي كُنَّا نَعْمَل " وَقَالَ تَعَالَى " وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسهمْ عِنْد رَبّهمْ رَبّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَل صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدّ وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا - إِلَى قَوْله - وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَاب يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّ مِنْ سَبِيل" وَقَالَ تَعَالَى " قَالُوا رَبّنَا أَمَتّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل " وَالْآيَة بَعْدهَا . وَقَالَ تَعَالَى " وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَل صَالِحًا غَيْر الَّذِي كُنَّا نَعْمَل أَوَلَمْ نُعَمِّركُمْ مَا يَتَذَكَّر فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِير فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير " فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَة فَلَا يُجَابُونَ عِنْد الِاحْتِضَار وَيَوْم النُّشُور وَوَقْت الْعَرْض عَلَى الْجَبَّار وَحِين يُعْرَضُونَ عَلَى النَّار وَهُمْ فِي غَمَرَات عَذَاب الْجَحِيم . وَقَوْله هَهُنَا " كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا " كَلَّا حَرْف رَدْع وَزَجْر أَيْ لَا نُجِيبهُ إِلَى مَا طَلَبَ وَلَا نَقْبَل مِنْهُ . وَقَوْله تَعَالَى " إِنَّهَا كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا " قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم : أَيْ لَا بُدّ أَنْ يَقُولهَا لَا مَحَالَة كُلّ مُحْتَضَر ظَالِم وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عِلَّة لِقَوْلِهِ كَلَّا أَيْ لِأَنَّهَا كَلِمَة أَيْ سُؤَاله الرُّجُوع لِيَعْمَل صَالِحًا هُوَ كَلَام مِنْهُ وَقَوْل لَا عَمَل مَعَهُ وَلَوْ رُدَّ لَمَا عَمِلَ صَالِحًا وَلَكَانَ يَكْذِب فِي مَقَالَته هَذِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " قَالَ قَتَادَة : وَاَللَّه مَا تَمَنَّى أَنْ يَرْجِع إِلَى أَهْل وَلَا إِلَى عَشِيرَة وَلَا بِأَنْ يَجْمَع الدُّنْيَا وَيَقْضِي الشَّهَوَات وَلَكِنْ تَمَنَّى أَنْ يَرْجِع فَيَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَرَحِمَ اللَّه اِمْرَأً عَمِلَ فِيمَا يَتَمَنَّاهُ الْكَافِر إِذَا رَأَى الْعَذَاب إِلَى النَّار وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ رَبّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَل صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت " قَالَ فَيَقُول الْجَبَّار " كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا" وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد اللَّه مَوْلَى غَفِرَة : إِذَا قَالَ الْكَافِر" رَبّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَل صَالِحًا " يَقُول اللَّه تَعَالَى كَلَّا كَذَبْت وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدهمْ الْمَوْت " قَالَ كَانَ الْعَلَاء بْن زِيَاد يَقُول : لَيُنْزِلَنَّ أَحَدكُمْ نَفْسه أَنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ الْمَوْت فَاسْتَقَالَ رَبّه فَأَقَالَهُ فَلْيَعْمَلْ بِطَاعَةِ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ قَتَادَة : وَاَللَّه مَا تَمَنَّى إِلَّا أَنْ يَرْجِع فَيَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه فَانْظُرُوا أُمْنِيَّة الْكَافِر الْمُفَرِّط فَاعْمَلُوا بِهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . وَعَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ نَحْوه . وَقَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُوسُف حَدَّثَنَا فُضَيْل - يَعْنِي اِبْن عِيَاض - عَنْ لَيْث عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : إِذَا وُضِعَ - يَعْنِي الْكَافِر - فِي قَبْره فَيَرَى مَقْعَده مِنْ النَّار قَالَ فَيَقُول رَبّ اِرْجِعُونِ أَتُوب وَأَعْمَل صَالِحًا قَالَ فَيُقَال قَدْ عَمَّرْت مَا كُنْت مُعَمِّرًا قَالَ فَيُضَيَّق عَلَيْهِ قَبْره وَيَلْتَئِم فَهُوَ كَالْمَنْهُوشِ يَنَام وَيَفْزَع تَهْوِي إِلَيْهِ هَوَامّ الْأَرْض وَحَيَّاتهَا وَعَقَارِبهَا . وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَلِيّ حَدَّثَنِي سَلَمَة بْن تَمَّام حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : وَيْل لِأَهْلِ الْمَعَاصِي مِنْ أَهْل الْقُبُور تَدْخُل عَلَيْهِمْ فِي قُبُورهمْ حَيَّات سُود أَوْ دُهْم حَيَّة عِنْد رَأْسه وَحَيَّة عِنْد رِجْلَيْهِ يَقْرُصَانِهِ حَتَّى يَلْتَقِيَا فِي وَسَطه فَذَلِكَ الْعَذَاب فِي الْبَرْزَخ الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ " . وَقَالَ أَبُو صَالِح وَغَيْره فِي قَوْله تَعَالَى " وَمِنْ وَرَائِهِمْ " يَعْنِي أَمَامهمْ . وَقَالَ مُجَاهِد : الْبَرْزَخ الْحَاجِز مَا بَيْن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : الْبَرْزَخ مَا بَيْن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَيْسُوا مَعَ أَهْل الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلَا مَعَ أَهْل الْآخِرَة يُجَاوِزُونَ بِأَعْمَالِهِمْ . وَقَالَ أَبُو صَخْر : الْبَرْزَخ الْمَقَابِر لَا هُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا هُمْ فِي الْآخِرَة فَهُمْ مُقِيمُونَ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ . وَفِي قَوْله تَعَالَى " وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ " تَهْدِيد لِهَؤُلَاءِ الْمُحْتَضَرِينَ مِنْ الظُّلْمَة بِعَذَابِ الْبَرْزَخ كَمَا قَالَ تَعَالَى " مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم " وَقَالَ تَعَالَى " وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَاب غَلِيظ " وَقَوْله تَعَالَى " إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ " أَيْ يَسْتَمِرّ بِهِ الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْبَعْث كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث " فَلَا يَزَال مُعَذَّبًا فِيهَا " أَيْ فِي الْأَرْض .
يَقُول : كَيْ أَعْمَل صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت قَبْل الْيَوْم مِنَ الْعَمَل فَضَيَّعْته وَفَرَّطْت فِيهِ .


وَقَوْله : { كَلَّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَيْسَ الْأَمْر عَلَى مَا قَالَ هَذَا الْمُشْرِك ; لَنْ يُرْجَع إِلَى الدُّنْيَا وَلَنْ يُعَاد إِلَيْهَا.


يَقُول : هَذِهِ الْكَلِمَة , وَهُوَ قَوْله : { رَبّ ارْجِعُونِ } كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا ; يَقُول : هَذَا الْمُشْرِك هُوَ قَائِلهَا . كَمَا : 19415 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا } لَا بُدّ لَهُ أَنْ يَقُولهَا .


يَقُول : وَمِنْ أَمَامهمْ حَاجِز يَحْجِز بَيْنهمْ وَبَيْن الرُّجُوع , يَعْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورهمْ , وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة ; وَالْبَرْزَخ وَالْحَاجِز وَالْمُهْلَة مُتَقَارِبَات فِي الْمَعْنَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19416 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ } يَقُول : أَجَل إِلَى حِين . 19417 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , فِي قَوْله : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ } قَالَ : مَا بَعْد الْمَوْت . 19418 -حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْد الْحِمْصِيّ أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : ثنا أَبُو حَيْوَة شُرَيْح بْن يَزِيد , قَالَ : ثنا أَرْطَاة , عَنْ أَبِي يُوسُف , قَالَ : خَرَجْت مَعَ أَبِي أُمَامَة فِي جِنَازَة , فَلَمَّا وُضِعَتْ فِي لَحْدهَا , قَالَ أَبُو أُمَامَة : هَذَا بَرْزَخ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ . 19419 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا مَطَر , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ } قَالَ : مَا بَيْن الْمَوْت إِلَى الْبَعْث . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { بَرْزَخ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ } قَالَ : حِجَاب بَيْن الْمَيِّت وَالرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 19420 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ } قَالَ : بَرْزَخ بَقِيَّة الدُّنْيَا . * -حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19421 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ } قَالَ : الْبَرْزَخ مَا بَيْن الْمَوْت إِلَى الْبَعْث . 19422 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : الْبَرْزَخ : مَا بَيْن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
مشاركة الموضوع