تفسير القرطبي

سورة الحج الآية ٧٦

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿٧٦﴾
يُرِيد مَا قَدَّمُوا .


يُرِيد مَا خَلَّفُوا ; مِثْل قَوْله فِي يس : " إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُب مَا قَدَّمُوا " [ يس : 12 ] يُرِيد مَا بَيْن أَيْدِيهمْ " وَأَثَارَهُمْ " يُرِيد مَا خَلَّفُوا .
" وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ " أي: هو يرسل الرسل, يدعون الناس إلى الله.
فمنهم المجيب, ومنهم الراد لدعوتهم, ومنهم العامل, ومنهم الناكل فهذا وظيفة الرسل.
وأما الجزاء على تلك الأعمال, فمصيرها إلى الله, فلا تعدم منه, فضلا وعدلا.
الله سبحانه وتعالى يختار من الملائكة رسلا إلى أنبيائه، ويختار من الناس رسلا لتبليغ رسالاته إلى الخلق، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بجميع الأشياء، وبمن يختاره للرسالة مِن خلقه. وهو سبحانه يعلم ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم، ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم. وإلى الله وحده ترجع الأمور.
"يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ" أَيْ مَا قَدَّمُوا وَمَا خَلَّفُوا وَمَا عَمِلُوا وَمَا هُمْ عَامِلُونَ بَعْد
وَقَوْله " يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ وَإِلَى اللَّه تُرْجَع الْأُمُور " أَيْ يَعْلَم مَا يَفْعَل بِرُسُلِهِ فِيمَا أَرْسَلَهُمْ بِهِ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أُمُورهمْ كَمَا قَالَ " عَالِم الْغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه أَحَدًا " - إِلَى قَوْله - وَأَحْصَى كُلّ شَيْء عَدَدًا " فَهُوَ سُبْحَانه رَقِيب عَلَيْهِمْ شَهِيد عَلَى مَا يُقَال لَهُمْ حَافِظ لَهُمْ نَاصِر لِجَنَابِهِمْ" يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْت رِسَالَته وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس" الْآيَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه يَعْلَم مَا كَانَ بَيْن أَيْدِي مَلَائِكَته وَرُسُله , مِنْ قَبْل أَنْ يَخْلُقهُمْ وَمَا خَلْفهمْ , يَقُول : وَيَعْلَم مَا هُوَ كَائِن بَعْد فَنَائِهِمْ .

يَقُول : إِلَى اللَّه فِي الْآخِرَة تَصِير إِلَيْهِ أُمُور الدُّنْيَا , وَإِلَيْهِ تَعُود كَمَا كَانَ مِنْهُ الْبَدْء .
مشاركة الموضوع