تفسير القرطبي

سورة الحج الآية ٧٥

ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ ﴿٧٥﴾
خَتَمَ السُّورَة بِأَنَّ اللَّه اِصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَة ; أَيْ لَيْسَ بَعْثه مُحَمَّدًا أَمْرًا بِدْعِيًّا . وَقِيلَ : إِنَّ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة قَالَ : أَوَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْر مِنْ بَيْننَا ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَأَخْبَرَ أَنَّ الِاخْتِيَار إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى .


لِأَقْوَالِ عِبَاده


بِمَنْ يَخْتَارهُ مِنْ خَلْقه لِرِسَالَتِهِ .
لما بين تعالى كماله وضعف الأصنام, وأنه المعبود حقا, بين حالة الرسل, وتميزهم عن الخلق, بما تميزوا به, من الفضائل فقال: " اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ " أي: يختار ويجتبي من الملائكة رسلا, ومن الناس رسلا, يكونون أزكى ذلك النوع, وأجمعه لصفات المجد, وأحقه بالاصطفاء.
فالرسل, لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق.
والذي اختارهم, واجتباهم, ليس جاهلا بحقائق الأشياء, أو يعلم شيئا دون شيء وأن المصطفى لهم, السميع, البصير, الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء.
فاختياره إياهم, عن علم منه, أنهم أهل لذلك, وأن الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: " اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ " .
" وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ " أي: هو يرسل الرسل, يدعون الناس إلى الله.
فمنهم المجيب, ومنهم الراد لدعوتهم, ومنهم العامل, ومنهم الناكل فهذا وظيفة الرسل.
وأما الجزاء على تلك الأعمال, فمصيرها إلى الله, فلا تعدم منه, فضلا وعدلا.
الله سبحانه وتعالى يختار من الملائكة رسلا إلى أنبيائه، ويختار من الناس رسلا لتبليغ رسالاته إلى الخلق، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بجميع الأشياء، وبمن يختاره للرسالة مِن خلقه. وهو سبحانه يعلم ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم، ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم. وإلى الله وحده ترجع الأمور.
"اللَّه يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَة رُسُلًا وَمِنْ النَّاس" رُسُلًا وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ "أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْر مِنْ بَيْننَا" "إنَّ اللَّه سَمِيع" لِمَقَالَتِهِمْ "بَصِير" بِمَنْ يَتَّخِذهُ رَسُولًا كَجِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ وَإِبْرَاهِيم وَمُحَمَّد وَغَيْرهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ يَخْتَار مِنْ الْمَلَائِكَة رُسُلًا فِيمَا يَشَاء مِنْ شَرْعه وَقَدَره وَمِنْ النَّاس لِإِبْلَاغِ رِسَالَاته " إِنَّ اللَّه سَمِيع بَصِير " أَيْ سَمِيع لِأَقْوَالِ عِبَاده بَصِير بِهِمْ عَلِيم بِمَنْ يَسْتَحْيِي ذَلِكَ مِنْهُمْ كَمَا قَالَ " اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَته .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رُسُلًا وَمِنَ النَّاس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه يَخْتَار مِنَ الْمَلَائِكَة رُسُلًا كَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل اللَّذَيْنِ كَانَا يُرْسِلهُمَا إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَاده وَمِنَ النَّاس , كَأَنْبِيَائِهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى عِبَاده مِنْ بَنِي آدَم . وَمَعْنَى الْكَلَام : اللَّه يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رُسُلًا , وَمِنَ النَّاس أَيْضًا رُسُلًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ : أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْر مِنْ بَيْننَا , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : ذَلِكَ إِلَيَّ وَبِيَدِي دُون خَلْقِي , أَخْتَار مَنْ شِئْت مِنْهُمْ لِلرِّسَالَةِ .

وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه سَمِيع بَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه سَمِيع لِمَا يَقُول الْمُشْرِكُونَ فِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّه , بَصِير بِمَنْ يَخْتَارهُ لِرِسَالَتِهِ مِنْ خَلْقه .
مشاركة الموضوع