تفسير القرطبي

سورة الحج الآية ٤٣

وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍۢ ﴿٤٣﴾
هَذَا تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْزِيَة ; أَيْ كَانَ قَبْلك أَنْبِيَاء كُذِّبُوا فَصَبَرُوا إِلَى أَنْ أَهْلَكَ اللَّه الْمُكَذِّبِينَ , فَاقْتَدِ بِهِمْ وَاصْبِرْ .
وإن يكذبك قومك- أيها الرسول- فقد سبقهم في تكذيب رسلهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب "مدين" الذين كذبوا شعيبًا، وكذَّب فرعون وقومه موسى، فلم أعاجل هذه الأمم بالعقوبة، بل أمهلتها، ثم أخذتُ كلا منهم بالعذاب، فكيف كان إنكاري عليهم كفرهم وتكذيبهم، وتبديل ما كان بهم مِن نعمة بالعذاب والهلاك؟
يَقُول تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد فِي تَكْذِيب مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمه " وَإِنْ يُكَذِّبُوك فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلهمْ قَوْم نُوح - إِلَى أَنْ قَالَ - وَكُذِّبَ مُوسَى " أَيْ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْآيَات الْبَيِّنَات وَالدَّلَائِل الْوَاضِحَات .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُسَلِّيًا نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَنَالهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ , وَحَاضًّا لَهُ عَلَى الصَّبْر عَلَى مَا يَلْحَقهُ مِنْهُمْ مِنَ السَّبّ وَالتَّكْذِيب : وَإِنْ يُكَذِّبك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عَلَى مَا آتَيْتهمْ بِهِ مِنَ الْحَقّ وَالْبُرْهَان , وَمَا تَعِدهُمْ مِنَ الْعَذَاب عَلَى كُفْرهمْ بِاللَّهِ , فَذَلِكَ سُنَّة إِخْوَانهمْ مِنَ الْأُمَم الْخَالِيَة الْمُكَذِّبَة رُسُل اللَّه الْمُشْرِكَة بِاللَّهِ وَمِنْهَاجهمْ مِنْ قَبْلهمْ , فَلَا يَصُدَّنَّك ذَلِكَ , فَإِنَّ الْعَذَاب الْمُهِين مِنْ وَرَائِهِمْ وَنَصْرِي إِيَّاكَ وَأَتْبَاعك عَلَيْهِمْ آتِيهِمْ مِنْ وَرَاء ذَلِكَ , كَمَا أَتَى عَذَابِي عَلَى أَسْلَافهمْ مِنَ الْأُمَم الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ بَعْد الْإِمْهَال إِلَى بُلُوغ الْآجَال . { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلهمْ } يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْش ; قَوْم نُوح , وَقَوْم عَاد وَثَمُود , وَقَوْم إِبْرَاهِيم , وَقَوْم لُوط .
مشاركة الموضوع