تفسير القرطبي

سورة الحج الآية ٣١

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍۢ سَحِيقٍۢ ﴿٣١﴾
مَعْنَاهُ مُسْتَقِيمِينَ أَوْ مُسْلِمِينَ مَائِلِينَ إِلَى الْحَقّ . وَلَفْظَة " حُنَفَاء " مِنْ الْأَضْدَاد تَقَع عَلَى الِاسْتِقَامَة وَتَقَع عَلَى الْمَيْل . وَ " حُنَفَاء " نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَقِيلَ : " حُنَفَاء " حُجَّاجًا ; وَهَذَا تَخْصِيص لَا حُجَّة مَعَهُ .



أَيْ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا يَدْفَع عَنْ نَفْسه ضَرًّا وَلَا عَذَابًا ; فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَرَّ مِنْ السَّمَاء , فَهُوَ لَا يَقْدِر أَنْ يَدْفَع عَنْ نَفْسه .


أَيْ تَقْطَعهُ بِمَخَالِبِهَا . وَقِيلَ : هَذَا عِنْد خُرُوج رُوحه وَصُعُود الْمَلَائِكَة بِهَا إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا , فَلَا يُفْتَح لَهَا فَيُرْمَى بِهَا إِلَى الْأَرْض ; كَمَا فِي حَدِيث الْبَرَاء , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَة . وَالسَّحِيق : الْبَعِيد ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِير " [ الْمُلْك : 11 ] , وَقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( فَسُحْقًا فَسُحْقًا ) .
أمرهم أن يكونوا " حُنَفَاءَ لِلَّهِ " مقبلين عليه, وعلى عبادته, معرضين عما سواه.
" غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ " فمثله " فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ " أي: سقط منها " فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ " بسرعة " أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ " أي: بعيد, كذلك المشركون.
فالإيمان بمنزلة السماء, محفوظة مرفوعة.
ومن ترك الإيمان, بمنزلة الساقط من السماء, عرضة للآفات والبليات.
فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء, كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفته الشياطين من كل جانب, ومزقوه, وأذهبوا عليه دينه ودنياه.
وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح فتعلو به في طبقات الجو فتقذفه بعد أن تتقطع أعضاؤه في مكان بعيد جدا.
مستقيمين لله على إخلاص العمل له، مقبلين عليه بعبادته وحده وإفراده بالطاعة، معرضين عما سواه بنبذ الشرك، فإنَّه من يشرك بالله شيئًا، فمثله- في بُعْده عن الهدى، وفي هلاكه وسقوطه من رفيع الإيمان بل حضيض الكفر، وتخطُّف الشياطين له من كل جانب- كمثل مَن سقط من السماء: فإما أن تخطفه الطير فتقطع أعضاءه، وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح، فتقذفه في مكان بعيد.
"حُنَفَاء لِلَّهِ" مُسْلِمِينَ عَادِلِينَ عَنْ كُلّ دِين سِوَى دِينه "غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ" تَأْكِيد لِمَا قَبْله وَهُمَا حَالَانِ مِنْ الْوَاو "وَمَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ" سَقَطَ "مِنْ السَّمَاء فَتَخْطَفهُ الطَّيْر" أَيْ تَأْخُذهُ بِسُرْعَةٍ "أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح" أَيْ تُسْقِطهُ "فِي مَكَان سَحِيق" بَعِيد فَهُوَ لَا يُرْجَى خَلَاصه
" حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ " وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود عَنْ وَائِل بْن رَبِيعَة عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : تَعْدِل شَهَادَة الزُّور الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة وَقَوْله " حُنَفَاء لِلَّهِ " أَيْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين مُنْحَرِفِينَ عَنْ الْبَاطِل قَصْدًا إِلَى الْحَقّ وَلِهَذَا قَالَ " غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ " ثُمَّ ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا فِي ضَلَاله وَهَلَاكه وَبُعْده عَنْ الْهُدَى فَقَالَ " وَمَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاء " أَيْ سَقَطَ مِنْهَا " فَتَخْطَفهُ الطَّيْر " أَيْ تَقْطَعهُ الطُّيُور فِي الْهَوَاء " أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق " أَيْ بَعِيد مُهْلك لِمَنْ هَوَى فِيهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث الْبَرَاء أَنَّ الْكَافِر إِذَا تَوَفَّتْهُ مَلَائِكَة الْمَوْت وَصَعِدُوا بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاء فَلَا تُفَتَّح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء بَلْ تُطْرَح رُوحه طَرْحًا مِنْ هُنَاكَ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي سُورَة إِبْرَاهِيم بِحُرُوفِهِ وَأَلْفَاظه وَطُرُقه وَقَدْ ضَرَبَ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا آخَر فِي سُورَة الْأَنْعَام وَهُوَ قَوْله " قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى " الْآيَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِك بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفهُ الطَّيْر أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اجْتَنِبُوا أَيّهَا النَّاس عِبَادَة الْأَوْثَان , وَقَوْل الشِّرْك , مُسْتَقِيمِينَ لِلَّهِ عَلَى إِخْلَاص التَّوْحِيد لَهُ , وَإِفْرَاد الطَّاعَة وَالْعِبَادَة لَهُ خَالِصًا دُون الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنْ دُونه ; فَإِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ دُونه فَمَثَله فِي بُعْده مِنَ الْهُدَى وَإِصَابَة الْحَقّ وَهَلَاكه وَذَهَابه عَنْ رَبّه , مَثَل مَنْ خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفهُ الطَّيْر فَهَلَكَ , أَوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق , يَعْنِي مَنْ بَعِيد , مِنْ قَوْلهمْ : أَبْعَدَهُ اللَّه وَأَسْحَقَهُ , وَفِيهِ لُغَتَانِ : أَسْحَقَتْهُ الرِّيح وَسَحَقَتْهُ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّخْلَةِ الطَّوِيلَة : نَخْلَة سَحُوق ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : كَانَتْ لَنَا جَارَة فَأَزْعَجَهَا قَاذُورَة تَسْحَق النَّوَى قُدُمَا وَيُرْوَى : " تَسْتَحِقّ " . يَقُول : فَهَكَذَا مَثَل الْمُشْرِك بِاللَّهِ فِي بُعْده مِنْ رَبّه وَمِنْ إِصَابَة الْحَقّ , كَبُعْدِ هَذَا الْوَاقِع مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض , أَوْ كَهَلَاكِ مَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْر مِنْهُمْ فِي الْهَوَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19012 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فِي بُعْده مِنَ الْهُدَى وَهَلَاكه ; { فَتَخْطَفهُ الطَّيْر أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19013 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { فِي مَكَان سَحِيق } قَالَ : بَعِيد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقِيلَ : { فَتَخْطَفهُ الطَّيْر } وَقَدْ قِيلَ قَبْله : { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء } وَخَرَّ فِعْل مَاضٍ , وَتَخْطَفهُ مُسْتَقْبَل , فَعَطَفَ بِالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي , كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } 22 25 وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ هُنَاكَ .
مشاركة الموضوع