تفسير القرطبي

سورة الأنبياء الآية ٥١

۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ﴿٥١﴾
قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ أَعْطَيَاهُ هُدَاهُ .


أَيْ مِنْ قَبْل النُّبُوَّة ; أَيْ وَفَّقْنَاهُ لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال , لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل فَرَأَى النَّجْم وَالشَّمْس وَالْقَمَر . وَقِيلَ : " مِنْ قَبْل " أَيْ مِنْ قَبْل مُوسَى وَهَارُون . وَالرُّشْد عَلَى هَذَا النُّبُوَّة . وَعَلَى الْأَوَّل أَكْثَر أَهْل التَّفْسِير ; كَمَا قَالَ لِيَحْيَى : " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْم صَبِيًّا " [ مَرْيَم : 12 ] . وَقَالَ الْقَرَظِيّ : رُشْده صَلَاحه .


أَيْ إِنَّهُ أَهْل لِإِيتَاءِ الرُّشْد وَصَالِح لِلنُّبُوَّةِ .
لما ذكر تعالى موسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم, وكتابيهما قال: " وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ " أي: من قبل إرسال موسى ومحمد, ونزول كتابيهما.
فأراه الله ملكوت السماوات والأرض, وأعطاه من الرشد, الذي كمل به نفسه, ودعا الناس إليه, ما لم يؤته أحدا من العالمين, غير محمد.
وأضاف الرشد إليه, لكونه رشدا, بحسب حاله, وعلو مرتبته.
وإلا, فلا مؤمن, له من الرشد, بحسب ما معه في الإيمان.
" وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ " أي: أعطيناه رشده, واختصصناه بالرسالة والخلة, واصطفيناه في الدنيا والآخرة, لعلمنا أنه أهل لذلك, وكفء له, لزكائه وذكائه.
ولهذا ذكر محاجته لقومه, ونهيهم عن الشرك, وتكسير الأصنام, وإلزامهم بالحجة.
ولقد آتينا إبراهيم هداه، الذي دعا الناس إليه من قبل موسى وهارون، وكنَّا عالمين أنه أهل لذلك.
"وَلَقَدْ آتَيْنَا إبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل" أَيْ هَدَاهُ قَبْل بُلُوغه "وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ" بِأَنَّهُ أَهْل لِذَلِكَ
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ خَلِيله إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ آتَاهُ رُشْده مِنْ قَبْل أَيْ مِنْ صِغَره أَلْهَمَهُ الْحَقّ وَالْحُجَّة عَلَى قَوْمه كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَتِلْكَ حُجَّتنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه " وَمَا يُذْكَر مِنْ الْأَخْبَار عَنْهُ فِي إِدْخَال أَبِيهِ لَهُ فِي السَّرَب وَهُوَ رَضِيع وَأَنَّهُ خَرَجَ بَعْد أَيَّام فَنَظَرَ إِلَى الْكَوْكَب وَالْمَخْلُوقَات فَتَبَصَّرَ فِيهَا وَمَا قَصَّهُ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرهمْ فَعَامَّتهَا أَحَادِيث بَنِي إِسْرَائِيل فَمَا وَافَقَ مِنْهَا الْحَقّ مِمَّا بِأَيْدِينَا عَنْ الْمَعْصُوم قَبِلْنَاهُ لِمُوَافَقَتِهِ الصَّحِيح وَمَا خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ رَدَدْنَاهُ وَمَا لَيْسَ فِيهِ مُوَافَقَة وَلَا مُخَالَفَة لَا نُصَدِّقهُ وَلَا نُكَذِّبهُ بَلْ نَجْعَلهُ وَفْقًا وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الضَّرْب مِنْهَا فَقَدْ رَخَّصَ كَثِير مِنْ السَّلَف فِي رِوَايَته وَكَثِير مِنْ ذَلِكَ مَا لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا حَاصِل لَهُ مِمَّا يُنْتَفَع بِهِ فِي الدِّين وَلَوْ كَانَتْ فَائِدَته تَعُود عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِي دِينهمْ لَبَيَّنَتْهُ هَذِهِ الشَّرِيعَة الْكَامِلَة الشَّامِلَة وَاَلَّذِي نَسْلُكهُ فِي هَذَا التَّفْسِير الْإِعْرَاض عَنْ كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث الْإِسْرَائِيلِيَّة لِمَا فِيهَا مِنْ تَضْيِيع الزَّمَان وَلِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَثِير مِنْهَا مِنْ الْكَذِب الْمُرَوَّج عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا تَفْرِقَة عِنْدهمْ بَيْن صَحِيحهَا وَسَقِيمهَا كَمَا حَرَّرَهُ الْأَئِمَّة الْحُفَّاظ الْمُتْقِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة . وَالْمَقْصُود هَهُنَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ آتَى إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل أَيْ مِنْ قَبْل ذَلِكَ وَقَوْله " وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ " أَيْ وَكَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } مُوسَى وَهَارُون , وَوَفَّقْنَاهُ لِلْحَقِّ , وَأَنْقَذْنَاهُ مِنْ بَيْن قَوْمه وَأَهْل بَيْته مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان , كَمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى إِبْرَاهِيم , فَأَنْقَذْنَاهُ مِنْ قَوْمه وَعَشِيرَته مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان , وَهَدَيْنَاهُ إِلَى سَبِيل الرَّشَاد تَوْفِيقًا مِنَّا لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } قَالَ : هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } قَالَ : هَدَاهُ صَغِيرًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } قَالَ : هَدَاهُ صَغِيرًا . 18590 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } يَقُول : آتَيْنَاهُ هُدَاهُ .

وَقَوْله : { وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } يَقُول : وَكُنَّا عَالِمِينَ بِهِ أَنَّهُ ذُو يَقِين وَإِيمَان بِاَللَّهِ وَتَوْحِيد لَهُ , لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا .
مشاركة الموضوع