تفسير القرطبي

سورة الأنبياء الآية ١١١

وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُۥ فِتْنَةٌۭ لَّكُمْ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿١١١﴾
أَيْ لَعَلَّ الْإِمْهَال



أَيْ اِخْتِبَار لِيَرَى كَيْفَ صَنِيعكُمْ وَهُوَ أَعْلَم .



قِيلَ : إِلَى أَنْقِضَاء الْمُدَّة . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بَنِي أُمَيَّة فِي مَنَامه يَلُونَ النَّاس , فَخَرَجَ الْحُكْم مِنْ عِنْده فَأَخْبَرَ بَنِي أُمَيَّة بِذَلِكَ ; فَقَالُوا لَهُ : اِرْجِعْ فَسَلْهُ مَتَى يَكُون ذَلِكَ . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيب أَمْ بَعِيد مَا تُوعَدُونَ " " وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى حِين " يَقُول لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام قُلْ لَهُمْ ذَلِكَ .
" وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " أي: لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه, شر لكم, وإن تتمتعوا في الدنيا إلى حين, ثم يكون أعظم لعقوبتكم.
ولست أدري لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه استدراج لكم وابتلاء، وأن تتمتعوا في الدنيا إلى حين؛ لتزدادوا كفرًا، ثم يكون أعظم لعقوبتكم.
"وَإِنْ" مَا "أَدْرِي لَعَلَّهُ" أَيْ مَا أَعْلَمْتُكُمْ بِهِ وَلَمْ يُعْلَم وَقْته "فِتْنَة" اخْتِبَار "لَكُمْ" لِيُرَى كَيْفَ صُنْعكُمْ "وَمَتَاع" تَمَتُّع "إلَى حِين" أَيْ انْقِضَاء آجَالكُمْ وَهَذَا وَمُقَابِل لِلْأَوَّلِ الْمُتَرَجَّى بِلَعَلَّ وَلَيْسَ الثَّانِي مَحَلًّا لِلتَّرَجِّي
وَقَوْله" وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى حِين " أَيْ وَمَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى حِين قَالَ اِبْن جَرِير لَعَلَّ تَأْخِير ذَلِكَ عَنْكُمْ فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى أَجَل مُسَمَّى وَحَكَاهُ عَوْن عَنْ اِبْن عَبَّاس فَاَللَّه أَعْلَم .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ , إِنَّ اللَّه يَعْلَم الْجَهْر الَّذِي يَجْهَرُونَ بِهِ مِنْ الْقَوْل , وَيَعْلَم مَا تُخْفُونَهُ فَلَا تَجْهَرُونَ بِهِ , سَوَاء عِنْده خَفِيّه وَظَاهِره وَسِرّه وَعَلَانِيَته , إِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء ; فَإِنْ أَخَّرَ عَنْكُمْ عِقَابه عَلَى مَا تُخْفُونَ مِنْ الشِّرْك بِهِ أَوْ تَجْهَرُونَ بِهِ , فَمَا أَدْرِي مَا السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله يُؤَخِّر ذَلِكَ عَنْكُمْ ؟ لَعَلَّ تَأْخِيره ذَلِكَ عَنْكُمْ مَعَ وَعْده إِيَّاكُمْ لِفِتْنَةٍ يُرِيدهَا بِكُمْ , وَلِتَتَمَتَّعُوا بِحَيَاتِكُمْ إِلَى أَجَل قَدْ جَعَلَهُ لَكُمْ تَبْلُغُونَهُ , ثُمَّ يُنْزِل بِكُمْ حِينَئِذٍ نِقْمَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18824 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى حِين } يَقُول : لَعَلَّ مَا أُقَرِّب لَكُمْ مِنْ الْعَذَاب وَالسَّاعَة , أَنْ يُؤَخَّر عَنْكُمْ لِمُدَّتِكُمْ , وَمَتَاع إِلَى حِين , فَيَصِير قَوْلِي ذَلِكَ لَكُمْ فِتْنَة .
مشاركة الموضوع