تفسير القرطبي

سورة الأنبياء الآية ١٠٠

لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴿١٠٠﴾
أَيْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَرَدُوا النَّار مِنْ الْكُفَّار وَالشَّيَاطِين ; فَأَمَّا الْأَصْنَام فَعَلَى الْخِلَاف فِيهَا ; هَلْ يُحْيِيهَا اللَّه تَعَالَى وَيُعَذِّبهَا حَتَّى يَكُون لَهَا زَفِير أَوْ لَا ؟ قَوْلَانِ : وَالزَّفِير صَوْت نَفْس الْمَغْمُوم يَخْرُج مِنْ الْقَلْب . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " هُود " .


قِيلَ : فِي الْكَلَام حَذْف ; وَالْمَعْنَى وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا ; لِأَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ صُمًّا , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَنَحْشُرهُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى وُجُوههمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا " [ الْإِسْرَاء : 97 ] . وَفِي سَمَاع الْأَشْيَاء رَوْح وَأُنْس , فَمَنَعَ اللَّه الْكُفَّار ذَلِكَ فِي النَّار . وَقِيلَ : لَا يَسْمَعُونَ مَا يَسُرّهُمْ , بَلْ يَسْمَعُونَ صَوْت مَنْ يَتَوَلَّى تَعْذِيبهمْ مِنْ الزَّبَانِيَة . وَقِيلَ : إِذَا قِيلَ لَهُمْ " اِخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ " [ الْمُؤْمِنُونَ : 108 ] يَصِيرُونَ حِينَئِذٍ صُمًّا بُكْمًا ; كَمَا قَالَ اِبْن مَسْعُود : إِذَا بَقِيَ مَنْ يَخْلُد فِي النَّار فِي جَهَنَّم جُعِلُوا فِي تَوَابِيت مِنْ نَار , ثُمَّ جُعِلَتْ التَّوَابِيت فِي تَوَابِيت أُخْرَى فِيهَا مَسَامِير مِنْ نَار , فَلَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا , وَلَا يَرَى أَحَد مِنْهُمْ أَنَّ فِي النَّار مَنْ يُعَذَّب غَيْره .
" لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ " من شدة العذاب " وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ " صم بكم عمي.
أولا يسمعون من الأصوات عير صوتها, لشدة غليانها, واشتداد زفيرها وتغيظها.
ودخول آلهة المشركين النار, إنما هو الأصنام, أو من عبد, وهو راض بعبادته.
لهؤلاء المعذبين في النار آلام ينبئ عنها زفيرهم الذي تتردد فيه أنفاسهم، وهم في النار لا يسمعون؛ من هول عذابهم.
"لَهُمْ" لِلْعَابِدِينَ "فِيهَا زَفِير وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ" شَيْئًا لِشِدَّةِ غَلَيَانهَا وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ ابْن الزِّبَعْرَى عَبْد عُزَيْر وَالْمَسِيح وَالْمَلَائِكَة فَهُمْ فِي النَّار عَلَى مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ
لَهُمْ فِيمَا زَفِير " كَمَا قَالَ تَعَالَى " لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق " وَالزَّفِير خُرُوج أَنْفَاسهمْ وَالشَّهِيق وُلُوج أَنْفَاسهمْ " وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد الطَّنَافِسِيّ حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْل حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن يَعْنِي الْمَسْعُودِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ اِبْن مَسْعُود إِذَا بَقِيَ مَنْ يَخْلُد فِي النَّار جُعِلُوا فِي تَوَابِيت مِنْ نَار فِيهَا مَسَامِير مِنْ نَار فَلَا يَرَى أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ يُعَذَّب فِي النَّار غَيْره ثُمَّ تَلَا عَبْد اللَّه " لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ " وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ الْمَسْعُودِيّ عَنْ يُونُس بْن حِبَّان عَنْ اِبْن مَسْعُود فَذَكَرَهُ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لَهُمْ } الْمُشْرِكِينَ وَآلِهَتهمْ , وَالْهَاء , وَالْمِيم فِي قَوْله : { لَهُمْ } مِنْ ذِكْر " كُلّ " الَّتِي فِي قَوْله : { وَكُلّ فِيهَا خَالِدُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لِكُلِّهِمْ فِي جَهَنَّم زَفِير , { وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ } يَقُول : وَهُمْ فِي النَّار لَا يَسْمَعُونَ . وَكَانَ اِبْن مَسْعُود يَتَأَوَّل فِي قَوْله : { وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ } مَا : 18770 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ الْمَسْعُودِيّ , عَنْ يُونُس بْن خَبَّاب , قَالَ : قَرَأَ اِبْن مَسْعُود هَذِهِ الْآيَة : { لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ } قَالَ : إِذَا أُلْقِيَ فِي النَّار مَنْ يَخْلُد فِيهَا جُعِلُوا فِي تَوَابِيت مِنْ نَار , ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوَابِيت فِي تَوَابِيت أُخْرَى , ثُمَّ جُعِلَتْ التَّوَابِيت فِي تَوَابِيت أُخْرَى فِيهَا مَسَامِير مِنْ نَار , فَلَا يَرَى أَحَد مِنْهُمْ أَنَّ فِي النَّار أَحَدًا يُعَذَّب غَيْره . ثُمَّ قَرَأَ : { لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ } .
مشاركة الموضوع