تفسير القرطبي

سورة طه الآية ٩٧

قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ﴿٩٧﴾
أَيْ قَالَ لَهُ مُوسَى فَاذْهَبْ أَيْ مِنْ بَيْننَا


أَيْ لَا أُمَسّ وَلَا أَمَسّ طُول الْحَيَاة . فَنَفَاهُ مُوسَى عَنْ قَوْمه وَأَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَلَّا يُخَالِطُوهُ وَلَا يَقْرَبُوهُ وَلَا يُكَلِّمُوهُ عُقُوبَة لَهُ . قَالَ الشَّاعِر : تَمِيم كَرَهْطِ السَّامِرِيّ وَقَوْله أَلَا لَا يُرِيد السَّامِرِيّ مِسَاسَا قَالَ الْحَسَن جَعَلَ اللَّه عُقُوبَة السَّامِرِيّ أَلَّا يُمَاسّ النَّاس وَلَا يُمَاسُّوهُ عُقُوبَة لَهُ وَلِمَنْ كَانَ مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; وَكَأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ شَدَّدَ عَلَيْهِ الْمِحْنَة , بِأَنْ جَعَلَهُ لَا يُمَاسّ أَحَدًا وَلَا يُمَكَّن مِنْ أَنْ يَمَسّهُ أَحَد , وَجَعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُ فِي الدُّنْيَا . وَيُقَال : ابْتُلِيَ بِالْوَسْوَاسِ وَأَصْل الْوَسْوَاس مِنْ ذَلِكَ الْوَقْت . وَقَالَ قَتَادَة : بَقَايَاهُمْ إِلَى الْيَوْم يَقُولُونَ ذَلِكَ - لَا مِسَاس - وَإِنْ مَسَّ وَاحِد مِنْ غَيْرهمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حُمَّ كِلَاهُمَا فِي الْوَقْت . وَيُقَال : إِنَّ مُوسَى هَمَّ بِقَتْلِ السَّامِرِيّ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : لَا تَقْتُلهُ فَإِنَّهُ سَخِيّ . وَيُقَال لَمَّا قَالَ لَهُ مُوسَى : " فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَك فِي الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مِسَاس " خَافَ فَهَرَبَ فَجَعَلَ يَهِيم فِي الْبَرِيَّة مَعَ السِّبَاع وَالْوَحْشِيّ , لَا يَجِد أَحَدًا مِنْ النَّاس يَمَسّهُ حَتَّى صَارَ كَالْقَائِلِ لَا مِسَاس ; لِبُعْدِهِ عَنْ النَّاس وَبُعْد النَّاس عَنْهُ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : حَمَّال رَايَات بِهَا قَنَاعِسَا حَتَّى تَقُول الْأَزْد لَا مَسَابِسَا مَسْأَلَة : هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي نَفْي أَهْل الْبِدَع وَالْمَعَاصِي وَهِجْرَانهمْ وَأَلَّا يُخَالَطُوا , وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِكَعْبِ بْن مَالِك وَالثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا . وَمَنْ اِلْتَجَأَ إِلَى الْحَرَم وَعَلَيْهِ قُتِلَ وَلَا يُقْتَل عِنْد بَعْض الْفُقَهَاء , وَلَكِنْ لَا يُعَامَل وَلَا يُبَايَع وَلَا يُشَارَى , وَهُوَ إِرْهَاق إِلَى الْخُرُوج . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل التَّغْرِيب فِي حَدّ الزِّنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيع هَذَا كُلّه فِي مَوْضِعه , فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ . وَالْحَمْد لِلَّهِ وَحْده . وَقَالَ هَارُون الْقَارِئ : وَلُغَة الْعَرَب لَا مَسَاسِ بِكَسْرِ السِّين وَفَتْح الْمِيم , وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ ; فَقَالَ سِيبَوَيْهِ : هُوَ مَبْنِيّ عَلَى الْكَسْر كَمَا يُقَال اِضْرِبِ الرَّجُل . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق : لَا مِسَاس نَفْي وَكُسِرَتْ السِّين لِأَنَّ الْكَسْرَة مِنْ عَلَامَة التَّأْنِيث ; تَقُول فَعَلْت يَا اِمْرَأَة . قَالَ النَّحَّاس وَسَمِعْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعْت مُحَمَّد بْن يَزِيد يَقُول : إِذَا اِعْتَلَّ الشَّيْء مِنْ ثَلَاث جِهَات وَجَبَ أَنْ يُبْنَى , وَإِذَا اِعْتَلَّ مِنْ جِهَتَيْنِ وَجَبَ أَلَّا يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْد تَرْك الصَّرْف إِلَّا الْبِنَاء ; فَمِسَاس وَدِرَاك اِعْتَلَّ مِنْ ثَلَاث جِهَات : مِنْهَا أَنَّهُ مَعْدُول , وَمِنْهَا أَنَّهُ مُؤَنَّث , وَأَنَّهُ مَعْرِفَة ; فَلَمَّا وَجَبَ الْبِنَاء فِيهِ وَكَانَتْ الْأَلِف قَبْل السِّين سَاكِنَة كُسِرَتْ السِّين لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; كَمَا تَقُول اِضْرِبِ الرَّجُل . وَرَأَيْت أَبَا إِسْحَاق يَذْهَب إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْل خَطَأ , وَأَلْزَم أَبَا الْعَبَّاس إِذَا سَمَّى أَمْرَأَة بِفِرْعَوْن يَبْنِيه , وَهَذَا لَا يَقُولهُ أَحَد . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح : وَأَمَّا قَوْل الْعَرَب لَا مَسَاس مِثَال قَطَام فَإِنَّمَا بُنِيَ عَلَى الْكَسْر لِأَنَّهُ مَعْدُول عَنْ الْمَصْدَر وَهُوَ الْمَسّ . وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة " لَا مَسَاس " .



يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة . وَالْمَوْعِد مَصْدَر ; أَيْ إِنَّ لَك وَعْدًا لِعَذَابِك . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو " تُخْلِفَهُ " بِكَسْرِ اللَّام وَلَهُ مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا : سَتَأْتِيهِ وَلَنْ تَجِدهُ مُخْلَفًا ; كَمَا تَقُول : أَحْمَدْته أَيْ وَجَدْته مَحْمُودًا . وَالثَّانِي : عَلَى التَّهْدِيد أَيْ لَا بُدّ لَك مِنْ أَنْ تَصِير إِلَيْهِ . وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ اللَّام ; بِمَعْنَى : إِنَّ اللَّه لَنْ يُخْلِفك إِيَّاهُ .



أَيْ دُمْت وَأَقَمْت عَلَيْهِ , وَأَصْله ظَلَلْت ; قَالَ : خَلَا أَنَّ الْعِتَاق مِنْ الْمَطَايَا أَحْسَنَ بِهِ فَهُنَّ أَلِيه شُوش أَيْ أَحْسَن . وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْأَعْمَش بِلَامَيْنِ عَلَى الْأَصْل . وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " ظِلْت " بِكَسْرِ الظَّاء . يُقَال : ظَلَلْت أَفْعَل كَذَا إِذَا فَعَلْته نَهَارًا وَظَلْت وَظِلْت ; فَمَنْ قَالَ : ظَلْت حَذَفَ اللَّام الْأُولَى تَخْفِيفًا ; وَمَنْ قَالَ ظِلْت أَلْقَى حَرَكَة اللَّام عَلَى الظَّاء . " عَاكِفًا " أَيْ مُلَازِمًا .



قِرَاءَة الْعَامَّة بِضَمِّ النُّون وَشَدّ الرَّاء مِنْ حَرَّقَ يُحَرِّق . وَقَرَأَ الْحَسَن وَغَيْره بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء مِنْ أَحْرَقَهُ يُحْرِقهُ . وَقَرَأَ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو جَعْفَر وَابْن مُحَيْصِن وَأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ " لَنَحْرُقَنَّهُ " بِفَتْحِ النُّون وَضَمّ الرَّاء خَفِيفَة , مِنْ حَرَقْت الشَّيْء أُحْرِقهُ حَرْقًا بَرَدَته وَحَكَكْت بَعْضه بِبَعْضٍ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : حَرَقَ نَابَهُ يُحْرِقهُ وَيَحْرُقهُ أَيْ سَحَقَهُ حَتَّى سَمِعَ لَهُ صَرِيف ; فَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَة لَنُبَرِّدَنَّهُ بِالْمَبَارِدِ , وَيُقَال لِلْمِبْرَدِ الْمِحْرَق . وَالْقِرَاءَتَانِ الْأُولَيَانِ مَعْنَاهُمَا الْحَرْق بِالنَّارِ . وَقَدْ يُمْكِن جَمْع ذَلِكَ فِيهِ ; قَالَ السُّدِّيّ : ذَبَحَ الْعِجْل فَسَالَ مِنْهُ كَمَا يَسِيل مِنْ الْعِجْل إِذَا ذُبِحَ , ثُمَّ بَرَدَ عِظَامه بِالْمِبْرَد حَرَقَهُ وَفِي حَرْف اِبْن مَسْعُود " لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنَحْرُقَنَّهُ " وَاللَّحْم وَالدَّم إِذَا أُحْرِقَا صَارَا رَمَادًا فَيُمْكِن تَذْرِيَته فِي الْيَمّ فَأَمَّا الذَّهَب فَلَا يَصِير رَمَادًا وَقِيلَ عَرَفَ مُوسَى مَا صَيَّرَ بِهِ الذَّهَب رَمَادًا , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاته .



وَمَعْنَى " لَنَنْسِفَنَّهُ " لَنُطَيِّرَنَّهُ . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء " لَنَنْسِفَنَّهُ " بِضَمِّ السِّين لُغَتَانِ , وَالنَّسْف نَفْض الشَّيْء لِيَذْهَب بِهِ الرِّيح وَهُوَ التَّذْرِيَة , وَالْمِنْسَف مَا يُنْسَف بِهِ الطَّعَام ; وَهُوَ شَيْء مُتَصَوِّب الصَّدْر أَعْلَاهُ مُرْتَفِع , وَالنُّسَافَة مَا يَسْقُط مِنْهُ ; يُقَال : اِعْزِلْ النُّسَافَة وَكُلْ مِنْ الْخَالِص . وَيُقَال : أَتَانَا فُلَان كَأَنَّ لِحْيَته مِنْسَف ; حَكَاهُ أَبُو نَصْر أَحْمَد بْن حَاتِم . وَالْمِنْسَفَة آلَة يُقْلِع بِهَا الْبِنَاء , وَنَسَفْت الْبِنَاء نَسْفًا قَلَعْته , وَنَسَفَ الْبَعِير الْكَلَأ يَنْسِفهُ بِالْكَسْرِ إِذَا اِقْتَلَعَهُ بِأَصْلِهِ , وَانْتَسَفْت الشَّيْء اِقْتَلَعْته ; عَنْ أَبِي زَيْد .
فقال له موسى: " فَاذْهَبْ " أي تباعد عني واستأخر مني " فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ " أي: تعاقب في الحياة عقوبة, لا يدنو منك أحد, ولا يمسك أحد.
حتى إن من أراد القرب منك, قلت: لا تمسني, ولا تقرب مني, عقوبة على ذلك, حيث مس ما لم يمسه غيره, وأجرى ما لم يجره أحد.
" وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ " فتجازى بعملك, من خير وشر.
" وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا " أي: العجل " لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا " ففعل موسى ذلك.
فلو كان إلها, لامتنع ممن يريده بأذى, ويسعى له بالإتلاف, وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل.
فأراد موسى عليه السلام, إتلافه - وهم ينظرون, على وجه لا تمكن إعادته - وبالحراق والسحق ذريه في اليم, ونسفه, ليزول ما في قلوبكم من حبه, كما زال شخصه.
ولأن في إبقائه, محنة لأن في النفوس, أقوى داع إلى الباطل.
قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياتك أن تعيش منبوذًا تقول لكل أحد: لا أَمَسُّ ولا أُمَسُّ، وإن لك موعدا لعذابك وعقابك، لن يُخْلفك الله إياه، وسوف تلقاه، وانظر إلى معبودك الذي أقمت على عبادته لنُحرقنَّه بالنار، ثم لنُذرينَّه في اليمِّ تذرية.
"قَالَ" لَهُ مُوسَى "فَاذْهَبْ" مِنْ بَيْننَا "فَإِنَّ لَك فِي الْحَيَاة" أَيْ مُدَّة حَيَاتك "أَنْ تَقُول" لِمَنْ رَأَيْته "لَا مِسَاس" أَيْ لَا تَقْرَبنِي فَكَانَ يَهِيم فِي الْبَرِيَّة وَإِذَا مَسَّ أَحَدًا أَوْ مَسَّهُ أَحَد حُمَّا جَمِيعًا "وَإِنَّ لَك مَوْعِدًا" لِعَذَابِك "لَنْ تُخْلِفهُ" بِكَسْرِ اللَّام : أَيْ لَنْ تَغِيب عَنْهُ وَبِفَتْحِهَا أَيْ بَلْ تُبْعَث إلَيْهِ "وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذِي ظَلْتَ" أَصْله ظَلِلْت بِلَامَيْنِ أُولَاهُمَا مَكْسُورَة حُذِفَتْ تَخْفِيفًا أَيْ دُمْت "عَلَيْهِ عَاكِفًا" أَيْ مُقِيمًا تَعْبُدهُ "لَنُحَرِّقَنَّهُ" بِالنَّارِ "ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمّ نَسْفًا" نُذْرِيَنَّهُ فِي هَوَاء الْبَحْر وَفَعَلَ مُوسَى بَعْد ذَبْحه مَا ذَكَرَهُ
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَك فِي الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مِسَاس " أَيْ كَمَا أَخَذْت وَمَسِسْت مَا لَمْ يَكُنْ لَك أَخْذه وَمَسّه مِنْ أَثَر الرَّسُول فَعُقُوبَتك فِي الدُّنْيَا أَنْ تَقُول لَا مِسَاس أَيْ لَا تَمَاسّ النَّاس وَلَا يَمَسُّونَك وَإِنَّ لَك مَوْعِدًا أَيْ يَوْم الْقِيَامَة لَنْ تُخْلَفَهُ أَيْ لَا مَحِيد لَك عَنْهُ وَقَالَ قَتَادَة أَنْ تَقُول لَا مِسَاس قَالَ عُقُوبَة لَهُمْ وَبَقَايَاهُمْ الْيَوْم يَقُولُونَ لَا مِسَاس . وَقَوْله " وَإِنَّ لَك مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ " قَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَأَبُو نَهِيك لَنْ تَغِيب عَنْهُ وَقَوْله وَانْظُرْ إِلَى إِلَهك أَيْ مَعْبُودك " الَّذِي ظَلْت عَلَيْهِ عَاكِفًا " أَيْ أَقَمْت عَلَى عِبَادَته يَعْنِي الْعِجْل لَنُحَرِّقَنَّهُ قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ سَحَلَهُ بِالْمَبَارِدِ وَأَلْقَاهُ عَلَى النَّار وَقَالَ قَتَادَة اِسْتَحَالَ الْعِجْل مِنْ الذَّهَب لَحْمًا وَدَمًا فَحَرَّقَهُ بِالنَّارِ ثُمَّ أَلْقَى رَمَاده فِي الْبَحْر وَلِهَذَا قَالَ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمّ نَسْفًا وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عُمَارَة بْن عَبْد اللَّه وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : إِنَّ مُوسَى لَمَّا تَعَجَّلَ إِلَى رَبّه عَمَدَ السَّامِرِيّ فَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ حُلِيّ نِسَاء بَنِي إِسْرَائِيل ثُمَّ صَوَّرَهُ عِجْلًا قَالَ فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْل فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِد فَبَرَدَهُ بِهَا وَهُوَ عَلَى شَطّ نَهَر فَلَمْ يَشْرَب أَحَد مِنْ ذَلِكَ الْمَاء مِمَّنْ كَانَ يَعْبُد الْعِجْل إِلَّا اِصْفَرَّ وَجْهه مِثْل الذَّهَب فَقَالُوا لِمُوسَى مَا تَوْبَتنَا ؟ قَالَ يَقْتُل بَعْضكُمْ بَعْضًا وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة ثُمَّ فِي حَدِيث الْفُتُون بَسْط ذَلِكَ .
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : قَالَ مُوسَى للسَّامريّ : فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في أَيَّام حَيَاتك أَنْ تَقُول : لَا مسَاس : أَيْ لَا أَمَسّ , وَلَا أَمَسّ . . وَذُكرَ أَنَّ مُوسَى أَمَرَ بَني إسْرَائيل أَنْ لَا يُؤَاكلُوهُ , وَلَا يُخَالطُوهُ , وَلَا يُبَايعُوهُ , فَلذَلكَ قَالَ لَهُ : إنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس , فَبَقيَ ذَلكَ فيمَا ذَكَرَ في قَبيلَته , كَمَا : 18334 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ وَاَللَّه السَّامريّ عَظيمًا منْ عُظَمَاء بَني إسْرَائيل , منْ قَبيلَة يُقَال لَهَا سَامرَة , وَلَكنَّ عَدُوّ اللَّه نَافَقَ بَعْد مَا قَطَعَ الْبَحْر مَعَ بَني إسْرَائيل . قَوْله : { فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس } فَبَقَايَاهُمْ الْيَوْم يَقُولُونَ لَا مسَاس .

وَقَوْله : { وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَته , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدينَة وَالْكُوفَة { لَنْ تُخْلَفَهُ } بضَمّ التَّاء وَفَتْح اللَّام بمَعْنَى : وَإنَّ لَك مَوْعدًا لعَذَابك وَعُقُوبَتك عَلَى مَا فَعَلْت منْ إضْلَالك قَوْمي حَتَّى عَبَدُوا الْعجْل منْ دُون اللَّه , لَنْ يُخْلفَكَهُ اللَّه , وَلُكْنَ يُذيقكَهُ . وَقَرَأَ ذَلكَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَأَبُو نُهَيْك : " وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلفهُ " بضَمّ التَّاء وَكَسْر اللَّام , بمَعْنَى : وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلفهُ أَنْتَ يَا سَامريّ , وَتَأَوَّلُوهُ بمَعْنَى : لَنْ تَغيب عَنْهُ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18335 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمن , قَالَ : سَمعْت أَبَا نُهَيْك يَقْرَأ " لَنْ تُخْلَفَهُ أَنْتَ " يَقُول : لَنْ تَغيب عَنْهُ . 18336 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } يَقُول : لَنْ تَغيب عَنْهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَشْهُورَتَان مُتَقَاربَتَا الْمَعْنَى , لأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اللَّه مُوفٍ وَعْده لخَلْقه بحَشْرهمْ لمَوْقف الْحسَاب , وَأَنَّ الْخَلْق مُوَافُونَ ذَلكَ الْيَوْم , فَلَا اللَّه مُخْلفهمْ ذَلكَ , وَلَا هُمْ مُخْلفُوهُ بالتَّخَلُّف عَنْهُ , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب في ذَلكَ .

وَقَوْله : { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } يَقُول : وَانْظُرْ إلَى مَعْبُودك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه مُقيمًا تَعْبُدهُ , كَمَا : 18337 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } الَّذي أَقَمْت عَلَيْه . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : فَقَالَ لَهُ مُوسَى : { اُنْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } يَقُول : الَّذي أَقَمْت عَلَيْه . وَللْعَرَب في ظَلْتَ : لُغَتَان : الْفَتْح في الظَّاء , وَبهَا قَرَأَ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَالْكَسْر فيهَا ; وَكَأَنَّ الَّذينَ كَسَرُوا نَقَلُوا حَرَكَة اللَّام الَّتي هيَ عَيْن الْفعْل منْ ظَلَلْت إلَيْهَا , وَمَنْ فَتَحَهَا أَقَرَّ حَرَكَتهَا الَّتي كَانَتْ لَهَا قَبْل أَنْ يُحْذَف منْهَا شَيْء , وَالْعَرَب تَفْعَل في الْحُرُوف الَّتي فيهَا التَّضْعيف ذَاكَ , فَيَقُولُونَ في مَسسْت مَسْت وَمسْت وَفي هَمَمْت بذَلكَ : هَمْت به , وَهَلْ أَحَسَّتْ فُلَانًا وَأَحْسَسْته , كَمَا قَالَ الشَّاعر : خَلَا أَنَّ الْعتَاق منْ الْمَطَايَا أَحْسَن به فَهُنَّ إلَيْه شُوس

وَقَوْله : { لَنُحَرّقَنَّهُ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحجَاز وَالْعرَاق { لَنُحَرّقَنَّهُ } بضَمّ النُّون وَتَشْديد الرَّاء , بمَعْنَى لَنُحَرّقَنَّهُ بالنَّار قطْعَة قطْعَة . وَرُويَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْريّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلكَ : " لَنُحْرقَنَّهُ " بضَمّ النُّون , وَتَخْفيف الرَّاء , بمَعْنَى : لَنُحَرّقَنَّهُ بالنَّار إحْرَاقَة وَاحدَة , وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر الْقَارئ : " لَنَحْرُقَنَّهُ " بفَتْح النُّون وَضَمّ الرَّاء بمَعْنَى : لَنُبَرّدَنَّهُ بالْمَبَارد منْ حَرَقْته أُحْرقهُ وَأُحَرّقهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعر : بذي فرْقَيْن يَوْم بَنُو حَبيب نُيُوبهمْ عَلَيْنَا يَحْرُقُونَا وَالصَّوَاب في ذَلكَ عنْدنَا منْ الْقرَاءَة { لَنُحَرّقَنَّهُ } بضَمّ النُّون وَتَشْديد الرَّاء , منْ الْإحْرَاق بالنَّار , كَمَا : 18338 - حَدَّثَني عَليّ قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لَنُحَرّقَنَّهُ } يَقُول : بالنَّار . 18339 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس { لَنُحَرّقَنَّهُ } فَحَرَقَهُ ثُمَّ ذَرَّاهُ في الْيَمّ . وَإنَّمَا اخْتَرْت هَذه الْقرَاءَة لإجْمَال الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَر , فَإنّي أَحْسبهُ ذَهَبَ إلَى مَا : 18340 - حَدَّثَنَا به مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدّيّ : { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } ثُمَّ أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ , ثُمَّ حَرَقَهُ بالْمبْرَد , ثُمَّ ذَرَّاهُ في الْيَمّ , فَلَمْ يَبْقَ بَحْر يَوْمئذٍ إلَّا وَقَعَ فيه شَيْء منْهُ . 18341 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } قَالَ : وَفي بَعْض الْقرَاءَة : لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرّقَنَّهُ , ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا . 18342 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة في حَرْف ابْن مَسْعُود : " وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحْرقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا " .

وَقَوْله : { ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } يَقُول : ثُمَّ لَنُذَرّيَنَّهُ في الْبَحْر تَذْريَة ; يُقَال منْهُ : نَسَفَ فُلَان الطَّعَام بالْمنْسَف : إذَا زَرَّاهُ فَطَيَّرَ عَنْهُ قُشُوره وَتُرَابه أَوْ الرّيح . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل : ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18343 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } يَقُول : لَنُذَرّيَنَّهُ في الْبَحْر . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : ذَرَّاهُ في الْيَمّ , وَالْيَمّ : الْبَحْر . 18344 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : ذَرَّاهُ في الْيَمّ . 18345 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة في الْيَمّ , قَالَ : في الْبَحْر .
مشاركة الموضوع