تفسير القرطبي

سورة طه الآية ٥٦

وَلَقَدْ أَرَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ﴿٥٦﴾
أَيْ الْمُعْجِزَات الدَّالَّة عَلَى نُبُوَّة مُوسَى وَقِيلَ حُجَج اللَّه الدَّالَّة عَلَى تَوْحِيده



أَيْ لَمْ يُؤْمِن وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَفَرَ عِنَادًا لِأَنَّهُ رَأَى الْآيَات عِيَانًا لَا خَبَرًا نَظِيره " وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسهمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا " [ النَّمْل : 14 ]
يخبر تعالى, أنه أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع, جميع أنواعها العيانية, والأفقية والنفسية, فما استقام ولا ارعوى, وإنما كذب وتولى.
كذب الخبر, وتولى عن الأمر والنهي, وجعل الحق باطلا, والباطل حقا, وجادل بالباطل, ليضل الناس فقال: " أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ " .
زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى, سحر وتمويه, المقصود منها, إخراجهم من أرضهم, والاستيلاء عليها, ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه.
فإن الطباع, تميل إلى أوطانها, ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها.
فأخبرهم أن موسى هذا قصده, ليبغضوه, ويسعوا في محاربته, فلنأتينك بسحر مثل سحرك فأمهلنا, واجعل لنا " مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى " أي: مستو علمنا وعلمك به, أو مكانا مستويا معتدلا لتتمكن من رؤية ما فيه.
ولقد أرينا فرعون أدلتنا وحججنا جميعها، الدالة على ألوهيتنا وقدرتنا وصِدْقِ رسالة موسى فكذَّب بها، وامتنع عن قَبول الحق.
"وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ" أَيْ أَبْصَرْنَا فِرْعَوْن "آيَاتنَا كُلّهَا" التِّسْع "فَكَذَّبَ" بِهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا سِحْر "وَأَبَى" أَنْ يُوَحِّد اللَّه تَعَالَى
وَقَوْله " وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتنَا كُلّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى " يَعْنِي فِرْعَوْن أَنَّهُ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَج وَالْآيَات وَالدَّلَالَات وَعَايَنَ ذَلِكَ وَأَبْصَرَهُ فَكَذَّبَ بِهَا وَأَبَاهَا كُفْرًا وَعِنَادًا وَبَغْيًا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسهمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا " الْآيَة .
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتنَا كُلّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَقَدْ أَرَيْنَا فرْعَوْن آيَاتنَا , يَعْني أَدلَّتنَا وَحُجَجنَا عَلَى حَقيقَة مَا أَرْسَلْنَا به رَسُولَيْنَا , مُوسَى وَهَارُون إلَيْه كُلّهَا { فَكَذَّبَ وَأَبَى } أَنْ يَقْبَل منْ مُوسَى وَهَارُون مَا جَاءَا به منْ عنْد رَبّهمَا منْ الْحَقّ اسْتكْبَارًا وَعُتُوًّا .
مشاركة الموضوع