تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ٨٢

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴿٨٢﴾
" وَالَّذِينَ آمَنُوا " بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر.
" وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله, متبعا بها سنة رسوله.
فحاصل هاتين الآيتين, أن أهل النجاة والفوز, هم أهل الإيمان والعمل الصالح.
والهالكون أهل النار هم المشركون بالله, الكافرون به.
فهذه الشرائع من أصول الدين, التي أمر الله بها في كل شريعة, لاشتمالها على المصالح العامة, في كل زمان ومكان, فلا يدخلها نسخ, كأصل الدين.
ولهذا أمرنا بها في قوله " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " إلى آخر الآية.
وحكم الله الثابتُ في مقابل هذا: أنَّ الذين صدَّقوا بالله ورسله تصديقًا خالصًا، وعملوا الأعمال المتفقة مع شريعة الله التي أوحاها إلى رسله، هؤلاء يلازمون الجنة في الآخرة ملازمةً دائمةً لا تنقطع.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد عَنْ سَعِيد أَوْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " أَيْ مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينه فَلَهُمْ الْجَنَّة خَالِدِينَ فِيهَا يُخْبِرهُمْ أَنَّ الثَّوَاب بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ مُقِيم عَلَى أَهْله أَبَدًا لَا اِنْقِطَاع لَهُ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصِّلْحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } أَيْ صَدَّقُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَعَمِلُوا الصِّلْحَات } أَطَاعُوا اللَّه فَأَقَامُوا حُدُوده , وَأَدَّوْا فَرَائِضه , وَاجْتَنَبُوا مَحَارِمه . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ } الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ ; { أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } يَعْنِي أَهْلهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ; مُقِيمُونَ أَبَدًا . وَإِنَّمَا هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا إخْبَار مِنْ اللَّه عِبَاده عَنْ بَقَاء النَّار وَبَقَاء أَهْلهَا فِيهَا , وَدَوَام مَا أَعَدَّ فِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا لِأَهْلِهَا , تَكْذِيبًا مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَائِلِينَ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل إنَّ النَّار لَنْ تَمَسّهُمْ إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة , وَأَنَّهُمْ صَائِرُونَ بَعْد ذَلِكَ إلَى الْجَنَّة ; فَأَخْبَرَهُمْ بِخُلُودِ كُفَّارهمْ فِي النَّار وَخُلُود مُؤْمِنِيهِمْ فِي الْجَنَّة . كَمَا : 1190 - حَدَّثَنِي ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أَيْ مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينه , فَلَهُمْ الْجَنَّة خَالِدِينَ فِيهَا ; يُخْبِرهُمْ أَنَّ الثَّوَاب بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ مُقِيم عَلَى أَهْله أَبَدًا لَا انْقِطَاع لَهُ أَبَدًا . 1191 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصِّلْحَات } مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
مشاركة الموضوع