تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ٣٩

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴿٣٩﴾
" وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا " أَيْ أَشْرَكُوا , لِقَوْلِهِ : " وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " الصُّحْبَة : الِاقْتِرَان بِالشَّيْءِ فِي حَالَة مَا فِي زَمَان مَا فَإِنْ كَانَتْ الْمُلَازَمَة وَالْخُلْطَة فَهِيَ كَمَال الصُّحْبَة وَهَكَذَا هِيَ صُحْبَة أَهْل النَّار لَهَا , وَبِهَذَا الْقَوْل يَنْفَكّ الْخِلَاف فِي تَسْمِيَة الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ إِذْ مَرَاتِبهمْ مُتَبَايِنَة عَلَى مَا نُبَيِّنهُ فِي " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه وَبَاقِي أَلْفَاظ الْآيَة تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا وَالْحَمْد لِلَّهِ .
" أولئك أصحاب النار " , أي: الملازمون لها, ملازمة الصاحب لصاحبه, والغريم لغريمه.
" هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.
وفي هذه الآيات وما أشبهها, انقسام الخلق من الجن والإنس, إلى أهل السعادة, وأهل الشقاوة, وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك.
وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب, كما أنهم مثلهم, في الأمر والنهي.
والذين جحدوا وكذبوا بآياتنا المتلوة ودلائل توحيدنا، أولئك الذين يلازمون النار، هم فيها خالدون، لا يخرجون منها.
"وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" كُتُبنَا "أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" مَاكِثُونَ أَبَدًا لَا يَفْنَوْنَ وَلَا يَخْرُجُونَ
أَيْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا لَا مَحِيد لَهُمْ عَنْهَا وَلَا مَحِيص . أَوْرَدَ اِبْن جَرِير هَاهُنَا حَدِيثًا سَاقَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي سَلَمَة سَعِيد بْن يَزِيد عَنْ أَبِي نَضْرَة الْمُنْذِر بْن مَالِك بْن قِطْعَة عَنْ أَبِي سَعِيد وَاسْمه سَعْد بْن مَالِك بْن سِنَان الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَّا أَهْل النَّار الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنَّ أَقْوَام أَصَابَتْهُمْ النَّار بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَتْهُمْ إِمَاتَة حَتَّى إِذَا صَارُوا فَحْمًا أَذِنَ فِي الشَّفَاعَة " وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث شُعْبَة عَنْ أَبِي سَلَمَة بِهِ . وَذَكَرَ هَذَا الْإِهْبَاط الثَّانِي لَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ مَا بَعْده مِنْ الْمَعْنَى الْمُغَايِر لِلْأَوَّلِ وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ تَأْكِيد وَتَكْرِير كَمَا يُقَال قُمْ قُمْ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ الْإِهْبَاط الْأَوَّل مِنْ الْجَنَّة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَالثَّانِي مِنْ سَمَاء الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْض وَالصَّحِيح الْأَوَّل وَاَللَّهُ أَعْلَم .
يَعْنِي : وَاَلَّذِينَ جَحَدُوا آيَاتِي وَكَذَّبُوا رُسُلِي , وَآيَات اللَّه : حُجَجه وَأَدِلَّته عَلَى وَحْدَانِيّته وَرُبُوبِيَّته , وَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل مِنْ الْأَعْلَام وَالشَّوَاهِد عَلَى ذَلِكَ , وَعَلَى صِدْقهَا فِيمَا أَنْبَأَتْ عَنْ رَبّهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْكُفْر : التَّغْطِيَة عَلَى الشَّيْء . { أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار } يَعْنِي أَهْلهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا دُون غَيْرهمْ الْمُخَلَّدُونَ فِيهَا أَبَدًا إلَى غَيْر أَمَد وَلَا نِهَايَة , كَمَا : 665 - حَدَّثَنَا بِهِ عُقْبَة بْن سِنَان الْبَصْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا غَسَّان بْن مُضَر , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَزِيد , وَحَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَسْلَمَة سَعِيد بْن يَزِيد , وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , وَأَبُو بَكْر بْن عَوْن , قَالَا : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد بْن يَزِيد , عَنْ أَبِي نَضْرَة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَّا أَهْل النَّار الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ أَقْوَامًا أَصَابَتْهُمْ النَّار بِخَطَايَاهُمْ أَوْ بِذُنُوبِهِمْ فَأَمَاتَتْهُمْ إمَاتَة حَتَّى إذَا صَارُوا فَحْمًا أَذِنَ فِي الشَّفَاعَة "
مشاركة الموضوع