تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ٣٧

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾
قَوْله تَعَالَى " فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات " تَلَقَّى قِيلَ مَعْنَاهُ فَهِمَ وَفَطِنَ وَقِيلَ قَبِلَ وَأَخَذَ وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَتَلَقَّى الْوَحْي أَيْ يَسْتَقْبِلهُ وَيَأْخُذهُ وَيَتَلَقَّفهُ تَقُول خَرَجْنَا نَتَلَقَّى الْحَجِيج أَيْ نَسْتَقْبِلهُمْ وَقِيلَ مَعْنَى تَلَقَّى تَلَقَّنَ هَذَا فِي الْمَعْنَى صَحِيح , وَلَكِنْ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون التَّلَقِّي مِنْ التَّلَقُّن فِي الْأَصْل لِأَنَّ أَحَد الْحَرْفَيْنِ إِنَّمَا يُقْلَب يَاء إِذَا تَجَانَسَا مِثْل تَظَنَّى مِنْ تَظَنَّنَ وَتَقَصَّى مِنْ تَقَصَّصَ وَمِثْله تَسَرَّيْت مِنْ تَسَرَّرْت وَأَمْلَيْت مِنْ أَمْلَلْت وَشَبَه ذَلِكَ وَلِهَذَا لَا يُقَال تَقَبَّى مِنْ تَقَبَّلَ وَلَا تَلَقَّى مِنْ تَلَقَّنَ فَاعْلَمْ وَحَكَى مَكِّيّ أَنَّهُ أُلْهِمَهَا فَانْتَفَعَ بِهَا وَقَالَ الْحَسَن قَبُولهَا تَعَلُّمه لَهَا وَعَمَله بِهَا وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْكَلِمَات فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد هِيَ قَوْله " رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ " [ الْأَعْرَاف : 23 ] وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا سُبْحَانك اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ رَبِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم وَقَالَتْ طَائِفَة رَأَى مَكْتُوبًا عَلَى سَاق الْعَرْش " مُحَمَّد رَسُول اللَّه " فَتَشَفَّعَ بِذَلِكَ فَهِيَ الْكَلِمَات وَقَالَتْ طَائِفَة الْمُرَاد بِالْكَلِمَاتِ الْبُكَاء وَالْحَيَاء وَالدُّعَاء وَقِيلَ النَّدَم وَالِاسْتِغْفَار وَالْحُزْن قَالَ اِبْن عَطِيَّة وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَقُلْ شَيْئًا إِلَّا الِاسْتِغْفَار الْمَعْهُود وَسُئِلَ بَعْض السَّلَف عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولهُ الْمُذْنِب فَقَالَ يَقُول مَا قَالَهُ أَبَوَاهُ " رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا " الْآيَة وَقَالَ مُوسَى " رَبّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي " [ الْقَصَص : 16 ] وَقَالَ يُونُس " لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ " [ الْأَنْبِيَاء : 87 ] وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَوَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّ الْكَلِمَات " سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ عَمِلْت سُوءًا وَظَلَمْت نَفْسِي اِغْفِرْ لِي إِنَّك خَيْر الْغَافِرِينَ سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ عَمِلْت سُوءًا وَظَلَمْت نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّك أَنْتَ التَّوَّاب الرَّحِيم " وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب هِيَ قَوْله " لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك عَمِلْت سُوءًا وَظَلَمْت نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّك أَنْتَ التَّوَّاب الرَّحِيم لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك عَمِلْت سُوءًا وَظَلَمْت نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك عَمِلْت سُوءًا وَظَلَمْت نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّك أَرْحَم الرَّاحِمِينَ " وَقِيلَ الْكَلِمَات قَوْله حِين عَطَسَ " الْحَمْد لِلَّهِ " وَالْكَلِمَات جَمْع كَلِمَة وَالْكَلِمَة تَقَع عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير وَقَدْ تَقَدَّمَ



أَيْ قَبِلَ تَوْبَته , أَوْ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ . وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْم عَاشُورَاء فِي يَوْم جُمُعَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَتَابَ الْعَبْد رَجَعَ إِلَى طَاعَة رَبّه , وَعَبْد تَوَّاب كَثِير الرُّجُوع إِلَى الطَّاعَة وَأَصْل التَّوْبَة الرُّجُوع يُقَال تَابَ وَثَابَ وَآبَ وَأَنَابَ رَجَعَ إِنْ قِيلَ : لِمَ قَالَ " عَلَيْهِ " وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِمَا وَحَوَّاء مُشَارِكَة لَهُ فِي الذَّنْب بِإِجْمَاعٍ وَقَدْ قَالَ " وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة " [ الْبَقَرَة : 35 ] وَ " قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا " [ الْأَعْرَاف : 23 ] فَالْجَوَاب أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا خُوطِبَ فِي أَوَّل الْقِصَّة بِقَوْلِهِ " اُسْكُنْ " خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فِي التَّلَقِّي فَلِذَلِكَ كُمِّلَتْ الْقِصَّة بِذِكْرِهِ وَحْده وَأَيْضًا فَلِأَنَّ الْمَرْأَة حُرْمَة وَمَسْتُورَة فَأَرَادَ اللَّه السَّتْر لَهَا ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرهَا فِي الْمَعْصِيَة فِي قَوْله " وَعَصَى آدَم رَبّه فَغَوَى " [ طَه : 121 ] وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَة تَابِعَة لِلرَّجُلِ فِي غَالِب الْأَمْر لَمْ تُذْكَر كَمَا لَمْ يُذْكَر فَتَى مُوسَى مَعَ مُوسَى فِي قَوْله " أَلَمْ أَقُلْ لَك " [ الْكَهْف : 75 ] وَقِيلَ إِنَّهُ دَلَّ بِذِكْرِ التَّوْبَة عَلَيْهِ أَنَّهُ تَابَ عَلَيْهَا إِذْ أَمْرهمَا سَوَاء قَالَهُ الْحَسَن وَقِيلَ إِنَّهُ مِثْل قَوْله تَعَالَى " وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا " [ الْجُمُعَة : 11 ] أَيْ التِّجَارَة لِأَنَّهَا كَانَتْ مَقْصُود الْقَوْم فَأَعَادَ الضَّمِير عَلَيْهَا وَلَمْ يَقُلْ إِلَيْهِمَا وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب وَقَالَ الشَّاعِر رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْت مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيئًا وَمِنْ فَوْق الطَّوِيّ رَمَانِي وَفِي التَّنْزِيل " وَاَللَّه وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يَرْضَوْهُ " [ التَّوْبَة : 62 ] فَحَذَفَ إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا



وَصَفَ نَفْسه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِأَنَّهُ التَّوَّاب وَتَكَرَّرَ فِي الْقُرْآن مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا وَاسْمًا وَفِعْلًا وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْعَبْد أَيْضًا تَوَّاب قَالَ اللَّه تَعَالَى " إِنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ " [ الْبَقَرَة : 222 ] قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَلِعُلَمَائِنَا فِي وَصْف الرَّبّ بِأَنَّهُ تَوَّاب ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدهَا أَنَّهُ يَجُوز فِي حَقّ الرَّبّ سُبْحَانه وَتَعَالَى فَيُدْعَى بِهِ كَمَا فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَلَا يُتَأَوَّل , وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ وَصْف حَقِيقِيّ لِلَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَتَوْبَة اللَّه عَلَى الْعَبْد رُجُوعه مِنْ حَال الْمَعْصِيَة إِلَى حَال الطَّاعَة وَقَالَ آخَرُونَ تَوْبَة اللَّه عَلَى الْعَبْد قَبُوله تَوْبَته وَذَلِكَ يَحْتَمِل أَنْ يَرْجِع إِلَى قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى قَبِلْت تَوْبَتك وَأَنْ يَرْجِع إِلَى خَلْقه الْإِنَابَة وَالرُّجُوع فِي قَلْب الْمُسِيء وَإِجْرَاء الطَّاعَات عَلَى جَوَارِحه الظَّاهِرَة لَا يَجُوز أَنْ يُقَال فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى تَائِب اِسْم فَاعِل مِنْ تَابَ يَتُوب لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُطْلِق عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْمَاء وَالصِّفَات إِلَّا مَا أَطْلَقَهُ هُوَ عَلَى نَفْسه أَوْ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَوْ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَة مُحْتَمَلًا جَائِزًا هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي هَذَا الْبَاب عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى ) قَالَ اللَّه تَعَالَى " لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار " [ التَّوْبَة : 117 ] وَقَالَ " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده " [ التَّوْبَة : 104 ] وَإِنَّمَا قِيلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَوَّاب لِمُبَالَغَةِ الْفِعْل وَكَثْرَة قَبُوله تَوْبَة عِبَاده لِكَثْرَةِ مَنْ يَتُوب إِلَيْهِ . اِعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ قُدْرَة عَلَى خَلْق التَّوْبَة لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِد بِخَلْقِ الْأَعْمَال خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ , وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْبَل تَوْبَة مَنْ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسه وَلَا أَنْ يَعْفُو عَنْهُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَقَدْ كَفَرَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِهَذَا الْأَصْل الْعَظِيم فِي الدِّين " اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه " [ التَّوْبَة : 31 ] جَلَّ وَعَزَّ وَجَعَلُوا لِمَنْ أَذْنَبَ أَنْ يَأْتِي الْحَبْر أَوْ الرَّاهِب فَيُعْطِيه شَيْئًا وَيَحُطّ عَنْهُ ذُنُوبه " اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " [ الْأَنْعَام : 140 ] قَرَأَ اِبْن كَثِير " فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ " وَالْبَاقُونَ بِرَفْعِ " آدَم " وَنَصْب " كَلِمَات " وَالْقِرَاءَتَانِ تَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى لِأَنَّ آدَم إِذَا تَلَقَّى الْكَلِمَات فَقَدْ تَلَقَّتْهُ وَقِيلَ لَمَّا كَانَتْ الْكَلِمَات هِيَ الْمُنْقِذَة لِآدَم بِتَوْفِيقِ اللَّه تَعَالَى لَهُ لِقَبُولِهِ إِيَّاهَا وَدُعَائِهِ بِهَا كَانَتْ الْكَلِمَات فَاعِلَة وَكَأَنَّ الْأَصْل عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة " فَتَلَقَّتْ آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات " وَلَكِنْ لَمَّا بَعُدَ مَا بَيْن الْمُؤَنَّث وَفِعْله حَسُنَ حَذْف عَلَامَة التَّأْنِيث وَهَذَا أَصْل يَجْرِي فِي كُلّ الْقُرْآن , وَالْكَلَام إِذَا جَاءَ فِعْل الْمُؤَنَّث بِغَيْرِ عَلَامَة وَمِنْهُ قَوْلهمْ حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْم اِمْرَأَة , وَقِيلَ إِنَّ الْكَلِمَات لَمَّا لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثه حَقِيقِيًّا حُمِلَ عَلَى مَعْنَى الْكَلِم فَذُكِّرَ وَقَرَأَ الْأَعْمَش " آدَم مِنْ رَبّه " مُدْغِمًا وَقَرَأَ أَبُو نَوْفَل بْن أَبِي عَقْرَب " أَنَّهُ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة عَلَى مَعْنَى لِأَنَّهُ وَكَسَرَ الْبَاقُونَ عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَأَدْغَمَ الْهَاء فِي الْهَاء أَبُو عَمْرو وَعِيسَى وَطَلْحَة فِيمَا حَكَى أَبُو حَاتِم عَنْهُمْ وَقِيلَ لَا يَجُوز لِأَنَّ بَيْنهمَا وَاوًا فِي اللَّفْظ لَا فِي الْخَطّ قَالَ النَّحَّاس أَجَازَ سِيبَوَيْهِ أَنْ تُحْذَف هَذِهِ الْوَاو وَأَنْشَدَ لَهُ زَجَل كَأَنَّهُ صَوْت حَاد إِذَا طَلَبَ الْوَسِيقَة أَوْ زَمِير فَعَلَى هَذَا يَجُوز الْإِدْغَام وَهُوَ رَفْع بِالِابْتِدَاءِ " التَّوَّاب " خَبَره وَالْجُمْلَة خَبَر " إِنَّ " وَيَجُوز أَنْ يَكُون " هُوَ " تَوْكِيدًا لِلْهَاءِ وَيَجُوز أَنْ تَكُون فَاصِلَة , عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر لَمَّا أُهْبِطَ آدَم إِلَى الْأَرْض لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْء غَيْر النَّسْر فِي الْبَرّ وَالْحُوت فِي الْبَحْر فَكَانَ النَّسْر يَأْوِي إِلَى الْحُوت فَيَبِيت عِنْده فَلَمَّا رَأَى النَّسْر آدَم قَالَ : يَا حُوت لَقَدْ أُهْبِطَ الْيَوْم إِلَى الْأَرْض شَيْء يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ وَيَبْطِش بِيَدَيْهِ فَقَالَ الْحُوت لَئِنْ كُنْت صَادِقًا مَا لِي مِنْهُ فِي الْبَحْر مَنْجَى وَلَا لَك فِي الْبَرّ مِنْهُ مَخْلَص
" فَتَلَقَّى آدَمُ " أي: تلقف وتلقن, وألهمه الله " مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ " وهي قوله " رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا " الآية.
فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته " فَتَابَ " الله " عَلَيْهِ " ورحمه " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ " لمن تاب إليه وأناب.
وتوبته نوعان: وتوفيقه أولا, ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا.
" الرَّحِيمِ " بعباده, ومن رحمته بهم, أن وفقهم للتوبة, وعفا عنهم وصفح.
فتلقى آدمُ بالقبول كلماتٍ، ألهمه الله إياها توبة واستغفارًا، وهي قوله تعالى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (7:23)} فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.
"فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات" أَلْهَمَهُ إيَّاهَا وَفِي قِرَاءَة بِنَصْبِ آدَم وَرَفْع كَلِمَات أَيْ جَاءَهُ وَهِيَ رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا الْآيَة فَدَعَا بِهَا "فَتَابَ عَلَيْهِ" قَبِلَ تَوْبَته "إنَّهُ هُوَ التَّوَّاب" عَلَى عِبَاده "الرَّحِيم" بِهِمْ
قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَات مُفَسَّرَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ " وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي الْعَالِيَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَخَالِد بْن مَعْدَان وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي تَمِيم قَالَ : أَتَيْت اِبْن عَبَّاس فَسَأَلْته مَا الْكَلِمَات الَّتِي تَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه ؟ قَالَ : عَلِمَ شَأْن الْحَجّ . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر . وَفِي رِوَايَة قَالَ مُجَاهِد عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهُ قَالَ : قَالَ آدَم يَا رَبّ خَطِيئَتِي الَّتِي أَخْطَأْت شَيْء كَتَبْته عَلَيَّ قَبْل أَنْ تَخْلُقنِي أَوْ شَيْء اِبْتَدَعْته مِنْ قِبَل نَفْسِي ؟ قَالَ " بَلْ شَيْء كَتَبْته عَلَيْك قَبْل أَنْ أَخْلُقك " قَالَ : فَكَمَا كَتَبْته عَلَيَّ فَاغْفِرْ لِي. قَالَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى " فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ " وَقَالَ السُّدِّيّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات قَالَ : قَالَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام : يَا رَبّ أَلَمْ تَخْلُقنِي بِيَدِك ؟ قَالَ لَهُ بَلَى. قَالَ : وَنَفَخْت فِيَّ مِنْ رُوحك ؟ قِيلَ لَهُ بَلَى قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ تُبْت هَلْ أَنْتَ رَاجِعِي إِلَى الْجَنَّة ؟ قَالَ نَعَمْ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَسَعِيد بْن مَعْبَد عَنْ اِبْن عَبَّاس بِنَحْوِهِ وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَهَكَذَا فَسَّرَهُ السُّدِّيّ وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم هَاهُنَا حَدِيثًا شَبِيهًا بِهَذَا فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن إِشْكَاب حَدَّثَنَا اِبْن عَاصِم عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام أَرَأَيْت يَا رَبّ إِنْ تُبْت وَرَجَعْت أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّة ؟ قَالَ نَعَمْ فَذَلِكَ قَوْله " فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات " وَهَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَفِيهِ اِنْقِطَاع : وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى : فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ . قَالَ إِنَّ آدَم لَمَّا أَصَابَ الْخَطِيئَة قَالَ أَرَأَيْت إِنْ تُبْت يَا رَبّ وَأَصْلَحْت ؟ قَالَ اللَّه " إِذًا أُدْخِلك الْجَنَّة " فَهِيَ الْكَلِمَات وَمِنْ الْكَلِمَات أَيْضًا " رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ " وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ . قَالَ الْكَلِمَات : اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك رَبّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّك خَيْر الْغَافِرِينَ اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك رَبّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّك خَيْر الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك رَبّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّك أَنْتَ التَّوَّاب الرَّحِيم . وَقَوْله تَعَالَى " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم " أَيْ إِنَّهُ يَتُوب عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ كَقَوْلِهِ " أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه هُوَ يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده " وَقَوْله " وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه " الْآيَة وَقَوْله " وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا " إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات الدَّالَّة عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِر الذُّنُوب وَيَتُوب عَلَى مَنْ يَتُوب وَهَذَا مِنْ لُطْفه بِخَلْقِهِ وَرَحْمَته بِعَبِيدِهِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم } فَقِيلَ إنَّهُ أَخَذَ وَقَبِلَ , وَأَصْله التَّفَعُّل مِنْ اللِّقَاء كَمَا يَتَلَقَّى الرَّجُل الرَّجُل يَسْتَقْبِلهُ عِنْد قُدُومه مِنْ غَيْبَة أَوْ سَفَر , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { فَتَلَقَّى } كَأَنَّهُ اسْتَقْبَلَهُ فَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ , حِين أَوْحَى إلَيْهِ , أَوْ أَخْبَرَ بِهِ . فَمَعْنَى ذَلِكَ إذًا : فَلَقَّى اللَّه آدَم كَلِمَات تَوْبَة فَتَلَقَّاهَا آدَم مِنْ رَبّه وَأَخَذَهَا عَنْهُ تَائِبًا فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِ بِقِيلِهِ إيَّاهَا وَقَبُوله إيَّاهَا مِنْ رَبّه . كَمَا : 648 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } الْآيَة , قَالَ : لَقَّاهُمَا هَذِهِ الْآيَة : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } 7 23 وَقَدْ قَرَأَ بَعْضهمْ : " فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات " فَجَعَلَ الْكَلِمَات هِيَ الْمُتَلَقِّيَة آدَم . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ وُجْهَة الْعَرَبِيَّة جَائِزًا إذْ كَانَ كُلّ مَا تَلَقَّاهُ الرَّجُل فَهُوَ لَهُ مُتَلَقٍّ وَمَا لَقِيَهُ فَقَدْ لَقِيَهُ , فَصَارَ لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يُوَجِّه الْفِعْل إلَى أَيّهمَا شَاءَ وَيَخْرُج مِنْ الْفِعْل أَيّهمَا أَحَبَّ , فَغَيْر جَائِز عِنْدِي فِي الْقِرَاءَة إلَّا رَفَعَ " آدَم " عَلَى أَنَّهُ الْمُتَلَقِّي الْكَلِمَات لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء وَأَهْل التَّأْوِيل مِنْ عُلَمَاء السَّلَف وَالْخَلَف عَلَى تَوْجِيه التَّلَقِّي إلَى آدَم دُون الْكَلِمَات , وَغَيْر جَائِز الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا فِيمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مُجْمِعَة بِقَوْلِ مَنْ يَجُوز عَلَيْهِ السَّهْو وَالْخَطَأ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي أَعْيَانِ الْكَلِمَات الَّتِي تَلَقَّاهَا آدَم مِنْ رَبّه , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 649 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن عَطِيَّة , عَنْ قَيْس , عَنْ ابْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبّه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ } قَالَ : أَيْ رَبّ ! أَلَمْ تَخْلُقنِي بِيَدِك ؟ قَالَ : بَلَى , قَالَ : أَيْ رَبّ ! أَلَمْ تَنْفُخ فِيَّ مِنْ رُوحك ؟ قَالَ : بَلَى , قَالَ : أَيْ رَبّ ! أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتك ؟ قَالَ : بَلَى , قَالَ : أَيْ رَبّ ! أَلَمْ تَسْبِق رَحْمَتك غَضَبك ؟ قَالَ : بَلَى , قَالَ : أَرَأَيْت إنْ أَنَا تُبْت وَأَصْلَحْت أَرَاجِعِيَّ أَنْتَ إلَى الْجَنَّة ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَهُوَ قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } وَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ قَيْس بْن الرَّبِيع , عَنْ عَاصِم بْن كُلَيْب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس نَحْوه . 650 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ } قَالَ : إنَّ آدَم قَالَ لِرَبِّهِ إذْ عَصَاهُ رَبّ أَرَأَيْت إنْ أَنَا تُبْت وَأَصْلَحْت ؟ فَقَالَ لَهُ رَبّه : إنِّي رَاجِعك إلَى الْجَنَّة . 651 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } ذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ قَالَ : يَا رَبّ أَرَأَيْت إنْ أَنَا تُبْت وَأَصْلَحْت ؟ قَالَ : إنِّي إذَا رَاجِعك إلَى الْجَنَّة . قَالَ : وَقَالَ الْحَسَن إنَّهُمَا قَالَا : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } 7 23 652 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر عَنْ الرَّبِيع . عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } قَالَ : إنَّ آدَم لَمَّا أَصَابَ الْخَطِيئَة , قَالَ : يَا رَبّ أَرَأَيْت إنْ تُبْت وَأَصْلَحْت ؟ فَقَالَ اللَّه : إذًا أُرَجِّعك إلَى الْجَنَّة فَهِيَ مِنْ الْكَلِمَات . وَمِنْ الْكَلِمَات أَيْضًا : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } 7 23 653 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } قَالَ : رَبّ أَلَمْ تَخْلُقنِي بِيَدِك ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى , قَالَ : وَنَفَخْت فِيَّ مِنْ رُوحك ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى , قَالَ : وَسَبَقَتْ رَحْمَتك غَضَبك ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى , قَالَ : رَبّ هَلْ كُنْت كَتَبْت هَذَا عَلَيَّ ؟ قِيلَ لَهُ : نَعَمْ , قَالَ : رَبّ إنْ تُبْت وَأَصْلَحْت هَلْ أَنْتَ رَاجِعِي إلَى الْجَنَّة ؟ قِيلَ لَهُ : نَعَمْ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبّه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } 20 122 وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 654 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر , يَقُول : قَالَ آدَم : يَا رَبّ خَطِيئَتِي الَّتِي أَخْطَأْتهَا أَشَيْء كَتَبْته عَلَيَّ قَبْل أَنْ تَخْلُقنِي , أَوْ شَيْء ابْتَدَعْته مِنْ قِبَل نَفْسِي ؟ قَالَ : بَلَى شَيْء كَتَبْته عَلَيْك قَبْل أَنْ أَخْلُقك . قَالَ : فَكَمَا كَتَبْته عَلَيَّ فَاغْفِرْهُ لِي ! قَالَ : فَهُوَ قَوْل اللَّه : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } وَحَدَّثَنَا ابْن سِنَّانِ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّل , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر بِمِثْلِهِ . وَحَدَّثَنَا ابْن سِنَان , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع بْن الْجَرَّاح , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع , عَمَّنْ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : قَالَ آدَم , فَذَكَرَ نَحْوه . وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَيْر بِنَحْوِهِ . وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ عَبْد الْعَزِيز , عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر بِمِثْلِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 655 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكِيم الْأَوْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَرِيك , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ حُمَيْد بْن نَبْهَان , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة أَنَّهُ قَالَ : قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ } قَالَ آدَم : اللَّهُمَّ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك , أَسَتَغْفِرُك وَأَتُوب إلَيْك , تُبْ عَلَيَّ إنَّك أَنْتَ التَّوَّاب الرَّحِيم . 656 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان , قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو زُهَيْر , وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان وَقَيْس جَمِيعًا عَنْ خَصِيف , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } قَالَ قَوْله : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا } حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا . 657 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنِي شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , كَانَ يَقُول فِي قَوْل اللَّه : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } الْكَلِمَات : اللَّهُمَّ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك , رَبِّي إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إنَّك خَيْر الْغَافِرِينَ . اللَّهُمَّ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك , رَبِّي إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَارْحَمْنِي إنَّك خَيْر الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ سُبْحَانك وَبِحَمْدِك , رَبّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّك أَنْتَ التَّوَّاب الرَّحِيم . وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ النَّضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } قَالَ : هُوَ قَوْله : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا } 7 23 الْآيَة . 658 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } قَالَ : أَيْ رَبّ أَتَتُوبُ عَلَيَّ إنْ تُبْت ؟ قَالَ : نَعَمْ ! فَتَابَ آدَم , فَتَابَ عَلَيْهِ رَبّه . 659 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات } قَالَ : هُوَ قَوْله : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } 7 23 660 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : هُوَ قَوْله : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } . 7 23 وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَاهَا عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَة الْأَلْفَاظ , فَإِنَّ مَعَانِيهَا مُتَّفِقَة فِي أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَقَّى آدَم كَلِمَات , فَتَلَقَّاهُنَّ آدَم مِنْ رَبّه فَقَبَلهنَّ وَعَمَل بِهِنَّ وَتَابَ بِقِيلِهِ إيَّاهُنَّ وَعَمَله بِهِنَّ إلَى اللَّه مِنْ خَطِيئَته , مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ , مُتَنَصِّلًا إلَى رَبّه مِنْ خَطِيئَته , نَادِمًا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ خِلَاف أَمْره . فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِ بِقَبُولِهِ الْكَلِمَات الَّتِي تَلَقَّاهُنَّ مِنْهُ وَنَدِمَهُ عَلَى سَالِف الذَّنْب مِنْهُ . وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ كِتَاب اللَّه أَنَّ الْكَلِمَات الَّتِي تَلَقَّاهُنَّ آدَم مِنْ رَبّه هُنَّ الْكَلِمَات الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهَا مُتَنَصِّلًا بِقِيلِهَا إلَى رَبّه مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ , وَهُوَ قَوْله : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } 7 23 وَلَيْسَ مَا قَالَهُ مَنْ خَالَفَ قَوْلنَا هَذَا مِنْ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا بِمَدْفُوعِ قَوْله , وَلَكِنَّهُ قَوْل لَا شَاهِد عَلَيْهِ مِنْ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا فَيَجُوز لَنَا إضَافَته إلَى آدَم , وَأَنَّهُ مِمَّا تَلَقَّاهُ مِنْ رَبّه عِنْد إنَابَته إلَيْهِ مِنْ ذَنْبه . وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْ آدَم مِنْ قِيله الَّذِي لَقَّاهُ إيَّاهُ فَقَالَهُ تَائِبًا إلَيْهِ مِنْ خَطِيئَته , تَعْرِيف مِنْهُ جَلَّ ذِكْره جَمِيع الْمُخَاطَبِينَ بِكِتَابِهِ كَيْفِيَّة التَّوْبَة إلَيْهِ مِنْ الذُّنُوب , وَتَنْبِيه لِلْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } 2 28 عَلَى مَوْضِع التَّوْبَة مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ , وَأَنَّ خَلَاصهمْ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الضَّلَالَة نَظِير خَلَاص أَبِيهِمْ آدَم مِنْ خَطِيئَته مَعَ تَذْكِيره إيَّاهُمْ مِنْ السَّالِف إلَيْهِمْ مِنْ النِّعَم الَّتِي خَصَّ بِهَا أَبَاهُمْ آدَم وَغَيْره مِنْ آبَائِهِمْ .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَتَابَ عَلَيْهِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَوْله : { فَتَابَ عَلَيْهِ } يَعْنِي عَلَى آدَم , وَالْهَاء الَّتِي فِي " عَلَيْهِ " عَائِدَة عَلَى " آدَم " . وَقَوْله : { فَتَابَ عَلَيْهِ } يَعْنِي رِزْقه التَّوْبَة مِنْ خَطِيئَته . وَالتَّوْبَة مَعْنَاهَا الْإِنَابَة إلَى اللَّه وَالْأَوْبَة إلَى طَاعَته مِمَّا يَكْرَه مِنْ مَعْصِيَته



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } قَالَ أَبُو جَعْفَر وَتَأْوِيل قَوْله : { إنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ التَّوَّاب عَلَى مَنْ تَابَ إلَيْهِ مِنْ عِبَاده الْمُذْنِبِينَ مِنْ ذُنُوبه التَّارِك مُجَازَاته بِإِنَابَتِهِ إلَى طَاعَته بَعْد مَعْصِيَته بِمَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبه . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَة مِنْ الْعَبْد إلَى رَبّه : إنَابَته إلَى طَاعَته , وَأَوْبَته إلَى مَا يُرْضِيه بِتَرْكِهِ مَا يُسْخِطهُ مِنْ الْأُمُور الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُقِيمًا مِمَّا يَكْرَههُ رَبّه , فَكَذَلِكَ تَوْبَة اللَّه عَلَى عَبْده هُوَ أَنْ يَرْزُقهُ ذَلِكَ , وَيَتُوب مِنْ غَضَبه عَلَيْهِ إلَى الرِّضَا عَنْهُ , وَمِنْ الْعُقُوبَة إلَى الْعَفْو وَالصَّفْح عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْله : { الرَّحِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ الْمُتَفَضِّل عَلَيْهِ مَعَ التَّوْبَة بِالرَّحْمَةِ , وَرَحْمَته إيَّاهُ إقَالَة عَثْرَته وَصَفْحه عَنْ عُقُوبَة جُرْمه .
مشاركة الموضوع