ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴿٢٧٥﴾
فِيهَا عَشْر مَسَائِل :
الْأُولَى : يَأْكُلُونَ يَأْخُذُونَ , فَعَبَّرَ عَنْ الْأَخْذ بِالْأَكْلِ ; لِأَنَّ الْأَخْذ إِنَّمَا يُرَاد لِلْأَكْلِ . وَالرِّبَا فِي اللُّغَة الزِّيَادَة مُطْلَقًا , يُقَال : رَبَا الشَّيْء يَرْبُو إِذَا زَادَ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( فَلَا وَاَللَّه مَا أَخَذْنَا مِنْ لُقْمَة إِلَّا رَبَا مِنْ تَحْتهَا ) يَعْنِي الطَّعَام الَّذِي دَعَا فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ , خَرَّجَ الْحَدِيث مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه . وَقِيَاس كِتَابَته بِالْيَاءِ لِلْكَسْرَةِ فِي أَوَّله , وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْقُرْآن بِالْوَاوِ . ثُمَّ إِنَّ الشَّرْع قَدْ تَصَرَّفَ فِي هَذَا الْإِطْلَاق فَقَصَرَهُ عَلَى بَعْض مَوَارِده , فَمَرَّة أَطْلَقَهُ عَلَى كَسْب الْحَرَام , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي الْيَهُود : " وَأَخْذهمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ " [ النِّسَاء : 161 ] . وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الرِّبَا الشَّرْعِيّ الَّذِي حُكِمَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَال الْحَرَام , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ " [ الْمَائِدَة : 42 ] يَعْنِي بِهِ الْمَال الْحَرَام مِنْ الرِّشَا , وَمَا اِسْتَحَلُّوهُ مِنْ أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ حَيْثُ قَالُوا : " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل " [ آل عِمْرَان : 75 ] . وَعَلَى هَذَا فَيَدْخُل فِيهِ النَّهْي عَنْ كُلّ مَال حَرَام بِأَيِّ وَجْه اُكْتُسِبَ . وَالرِّبَا الَّذِي عَلَيْهِ عُرْف الشَّرْع شَيْئَانِ : تَحْرِيم النَّسَاء , وَالتَّفَاضُل فِي الْعُقُود وَفِي الْمَطْعُومَات عَلَى مَا نُبَيِّنهُ . وَغَالِبه مَا كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُ , مِنْ قَوْلهَا لِلْغَرِيمِ : أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي ؟ فَكَانَ الْغَرِيم يَزِيد فِي عَدَد الْمَال وَيَصْبِر الطَّالِب عَلَيْهِ . وَهَذَا كُلّه مُحَرَّم بِاتِّفَاقِ الْأُمَّة .
الثَّانِيَة : أَكْثَر الْبُيُوع الْمَمْنُوعَة إِنَّمَا تَجِد مَنْعهَا لِمَعْنَى زِيَادَة إِمَّا فِي عَيْن مَال , وَإِمَّا فِي مَنْفَعَة لِأَحَدِهِمَا مِنْ تَأْخِير وَنَحْوه . وَمِنْ الْبُيُوع مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الزِّيَادَة , كَبَيْعِ الثَّمَرَة قَبْل بُدُوّ صَلَاحهَا , وَكَالْبَيْعِ سَاعَة النِّدَاء يَوْم الْجُمُعَة , فَإِنْ قِيلَ لِفَاعِلِهَا , آكِل الرِّبَا فَتَجَوُّز وَتَشْبِيه .
الثَّالِثَة : رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اِسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى الْآخِذ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاء ) . , وَفِي حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت : ( فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) . وَرَوَى أَبُو داود عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الذَّهَب بِالذَّهَبِ تِبْرهَا وَعَيْنهَا وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ تِبْرهَا وَعَيْنهَا وَالْبُرّ بِالْبُرِّ مُدْي بِمُدْيٍ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ مُدْي بِمُدْيٍ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ مُدْي بِمُدْيٍ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ مُدْي بِمُدْيٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَلَا بَأْس بِبَيْع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّة أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَة فَلَا وَلَا بَأْس بِبَيْعِ الْبُرّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِير أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَة فَلَا ) . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الْقَوْل بِمُقْتَضَى هَذِهِ السُّنَّة وَعَلَيْهَا جَمَاعَة فُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي الْبُرّ وَالشَّعِير فَإِنَّ مَالِكًا جَعَلَهُمَا صِنْفًا وَاحِدًا , فَلَا يَجُوز مِنْهُمَا اِثْنَانِ بِوَاحِدٍ , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُعْظَم عُلَمَاء الْمَدِينَة وَالشَّام , وَأَضَافَ مَالِك إِلَيْهِمَا السُّلْت . وَقَالَ اللَّيْث : السُّلْت وَالدُّخْن وَالذُّرَة صِنْف وَاحِد , وَقَالَهُ اِبْن وَهْب .
قُلْت : وَإِذَا ثَبَتَتْ السُّنَّة فَلَا قَوْل مَعَهَا . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) . وَقَوْله : ( الْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ ) دَلِيل عَلَى أَنَّهُمَا نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ كَمُخَالَفَةِ الْبُرّ لِلتَّمْرِ , وَلِأَنَّ صِفَاتهمَا مُخْتَلِفَة وَأَسْمَاؤُهُمَا مُخْتَلِفَة , وَلَا اِعْتِبَار بِالْمَنْبِتِ وَالْمَحْصِد إِذَا لَمْ يَعْتَبِرهُ الشَّرْع , بَلْ فَصَّلَ وَبَيَّنَ , وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الْحَدِيث .
الرَّابِعَة : كَانَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان يَذْهَب إِلَى أَنَّ النَّهْي وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينَار الْمَضْرُوب وَالدِّرْهَم الْمَضْرُوب لَا فِي التِّبْر مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْمَضْرُوبِ , وَلَا فِي الْمَصُوغ بِالْمَضْرُوبِ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْمَصُوغ خَاصَّة , حَتَّى وَقَعَ لَهُ مَعَ عُبَادَة مَا خَرَّجَهُ مُسْلِم وَغَيْره , قَالَ : غَزَوْنَا وَعَلَى النَّاس مُعَاوِيَة فَغَنِمْنَا غَنَائِم كَثِيرَة , فَكَانَ مِمَّا غَنِمْنَا آنِيَة مِنْ فِضَّة فَأَمَرَ مُعَاوِيَة رَجُلًا بِبَيْعِهَا فِي أُعْطِيَّات النَّاس , فَتَنَازَعَ النَّاس فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَة بْن الصَّامِت ذَلِكَ فَقَامَ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْع الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ مَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى , فَرَدَّ النَّاس مَا أَخَذُوا , فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَة فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : أَلَا مَا بَال رِجَال يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيث قَدْ كُنَّا نَشْهَدهُ وَنَصْحَبهُ فَلَمْ نَسْمَعهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَة بْن الصَّامِت فَأَعَادَ الْقِصَّة ثُمَّ قَالَ : لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَة - أَوْ قَالَ وَإِنْ رَغِمَ - مَا أُبَالِي أَلَّا أَصْحَبهُ فِي جُنْده فِي لَيْلَة سَوْدَاء . قَالَ حَمَّاد هَذَا أَوْ نَحْوه . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّمَا كَانَتْ لِأَبِي الدَّرْدَاء مَعَ مُعَاوِيَة . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَقَعَ ذَلِكَ لَهُمَا مَعَهُ , وَلَكِنَّ الْحَدِيث فِي الْعُرْف مَحْفُوظ لِعُبَادَة , وَهُوَ الْأَصْل الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاء فِي بَاب [ الرِّبَا ] . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ فِعْل مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ غَيْر جَائِز , وَغَيْر نَكِير أَنْ يَكُون مُعَاوِيَة خَفِيَ عَلَيْهِ مَا قَدْ عَلِمَهُ أَبُو الدَّرْدَاء وَعُبَادَة فَإِنَّهُمَا جَلِيلَانِ مِنْ فُقَهَاء الصَّحَابَة وَكِبَارهمْ , وَقَدْ خَفِيَ عَلَى أَبِي بَكْر وَعُمَر مَا وُجِدَ عِنْد غَيْرهمْ مِمَّنْ هُوَ دُونهمْ , فَمُعَاوِيَة أَحْرَى . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَذْهَبه كَمَذْهَبِ اِبْن عَبَّاس , فَقَدْ كَانَ وَهُوَ بَحْر فِي الْعِلْم لَا يَرَى الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ بَأْسًا حَتَّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ أَبُو سَعِيد . وَقِصَّة مُعَاوِيَة هَذِهِ مَعَ عُبَادَة كَانَتْ فِي وِلَايَة عُمَر . قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : إِنَّ عُبَادَة أَنْكَرَ شَيْئًا عَلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ : لَا أُسَاكِنك بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا وَدَخَلَ الْمَدِينَة . فَقَالَ لَهُ عُمَر : مَا أَقْدَمَك ؟ فَأَخْبَرَهُ . فَقَالَ : اِرْجِعْ إِلَى مَكَانك , فَقَبَّحَ اللَّه أَرْضًا لَسْت فِيهَا وَلَا أَمْثَالك ! وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَة " لَا إِمَارَة لَك عَلَيْهِ " .
الْخَامِسَة : رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدِّينَار بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْل بَيْنهمَا مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَة بِوَرِقٍ فَلْيَصْرِفْهَا بِذَهَبٍ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَة بِذَهَبٍ فَلْيَصْرِفْهَا بِوَرِقٍ هَاءَ وَهَاءَ ) . قَالَ الْعُلَمَاء فَقَوْله , عَلَيْهِ السَّلَام : ( الدِّينَار بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْل بَيْنهمَا ) إِشَارَة إِلَى جِنْس الْأَصْل الْمَضْرُوب , بِدَلِيلِ قَوْله : ( الْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَب بِالذَّهَبِ ) الْحَدِيث . وَالْفِضَّة الْبَيْضَاء وَالسَّوْدَاء وَالذَّهَب الْأَحْمَر وَالْأَصْفَر كُلّ ذَلِكَ لَا يَجُوز بَيْع بَعْضه بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاء بِسَوَاءٍ عَلَى كُلّ حَال , عَلَى هَذَا جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم عَلَى مَا بَيَّنَّا . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي الْفُلُوس فَأَلْحَقَهَا بِالدَّرَاهِمِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ ثَمَنًا لِلْأَشْيَاءِ , وَمَنَعَ مِنْ إِلْحَاقهَا مَرَّة مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لَيْسَتْ ثَمَنًا فِي كُلّ بَلَد وَإِنَّمَا يَخْتَصّ بِهَا بَلَد دُون بَلَد .
السَّادِسَة : لَا اِعْتِبَار بِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِير مِنْ أَصْحَاب مَالِك وَبَعْضهمْ يَرْوِيه عَنْ مَالِك فِي التَّاجِر يَحْفِزهُ الْخُرُوج وَبِهِ حَاجَة إِلَى دَرَاهِم مَضْرُوبَة أَوْ دَنَانِير مَضْرُوبَة , فَيَأْتِي دَار الضَّرْب بِفِضَّتِهِ أَوْ ذَهَبه فَيَقُول لِلضَّرَّابِ , خُذْ فِضَّتِي هَذِهِ أَوْ ذَهَبِي وَخُذْ قَدْر عَمَل يَدك وَادْفَعْ إِلَيَّ دَنَانِير مَضْرُوبَة فِي ذَهَبِي أَوْ دَرَاهِم مَضْرُوبَة فِي فِضَّتِي هَذِهِ لِأَنِّي مَحْفُوز لِلْخُرُوجِ وَأَخَاف أَنْ يَفُوتنِي مَنْ أَخْرُج مَعَهُ , أَنَّ ذَلِكَ جَائِز لِلضَّرُورَةِ , وَأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ بَعْض النَّاس . وَحَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي قَبَسه عَنْ مَالِك فِي غَيْر التَّاجِر , وَإِنَّ مَالِكًا خَفَّفَ فِي ذَلِكَ , فَيَكُون فِي الصُّورَة قَدْ بَاعَ فِضَّته الَّتِي زِنَتهَا مِائَة وَخَمْسَة دَرَاهِم أَجْره بِمِائَةٍ وَهَذَا مَحْض الرِّبَا . وَاَلَّذِي أَوْجَبَ جَوَاز ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ : اِضْرِبْ لِي هَذِهِ وَقَاطَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ , فَلَمَّا ضَرَبَهَا قَبَضَهَا مِنْهُ وَأَعْطَاهُ أُجْرَتهَا , فَاَلَّذِي فَعَلَ مَالِك أَوَّلًا هُوَ الَّذِي يَكُون آخِرًا , وَمَالِك إِنَّمَا نَظَرَ إِلَى الْمَال فَرَكَّبَ عَلَيْهِ حُكْم الْحَال , وَأَبَاهُ سَائِر الْفُقَهَاء . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالْحُجَّة فِيهِ لِمَالِكٍ بَيِّنَة . قَالَ أَبُو عُمَر رَحِمَهُ اللَّه : وَهَذَا هُوَ عَيْن الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( مَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ) . وَقَدْ رَدَّ اِبْن وَهْب هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى مَالِك وَأَنْكَرَهَا . وَزَعَمَ الْأَبْهَرِيّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب الرِّفْق لِطَلَبِ التِّجَارَة وَلِئَلَّا يَفُوت السُّوق , وَلَيْسَ الرِّبَا إِلَّا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِي مِمَّنْ يَقْصِد إِلَى ذَلِكَ وَيَبْتَغِيه . وَنَسِيَ الْأَبْهَرِيّ أَصْله فِي قَطْع الذَّرَائِع , وَقَوْله , فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِنَسِيئَةٍ وَهُوَ لَا نِيَّة لَهُ فِي شِرَائِهِ ثُمَّ يَجِدهُ فِي السُّوق يُبَاع : إِنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ اِبْتِيَاعه مِنْهُ بِدُونِ مَا بَاعَهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِد إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَبْتَغِهِ , وَمِثْله كَثِير , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الرِّبَا إِلَّا عَلَى مَنْ قَصَدَهُ مَا حُرِّمَ إِلَّا عَلَى الْفُقَهَاء . وَقَدْ قَالَ عُمَر : لَا يَتَّجِر فِي سُوقنَا إِلَّا مَنْ فَقِهَ وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا . وَهَذَا بَيِّن لِمَنْ رُزِقَ الْإِنْصَاف وَأُلْهِمَ رُشْده .
قُلْت : وَقَدْ بَالَغَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه فِي مَنْع الزِّيَادَة حَتَّى جَعَلَ الْمُتَوَهَّم كَالْمُتَحَقِّقِ , فَمَنَعَ دِينَارًا وَدِرْهَمًا بِدِينَارٍ وَدِرْهَم سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَحَسْمًا لِلتَّوَهُّمَاتِ , إِذْ لَوْلَا تَوَهُّم الزِّيَادَة لَمَا تَبَادَلَا . وَقَدْ عُلِّلَ مَنْع ذَلِكَ بِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَة عِنْد التَّوْزِيع , فَإِنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ ذَهَب وَفِضَّة بِذَهَبٍ . وَأَوْضَح مِنْ هَذَا مَنْعه التَّفَاضُل الْمَعْنَوِيّ , وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ دِينَارًا مِنْ الذَّهَب الْعَالِي وَدِينَارًا مِنْ الذَّهَب الدُّون فِي مُقَابَلَة الْعَالِي وَأَلْفَى الدُّون , وَهَذَا مِنْ دَقِيق نَظَره رَحِمَهُ اللَّه , فَدَلَّ أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَة عَنْهُ مُنْكَرَة وَلَا تَصِحّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
السَّابِعَة : قَالَ الْخَطَّابِيّ : التِّبْر قَطْع الذَّهَب وَالْفِضَّة قَبْل أَنْ تُضْرَب وَتُطْبَع دَرَاهِم أَوْ دَنَانِير , وَاحِدَتهَا تِبْرَة . وَالْعَيْن : الْمَضْرُوب مِنْ الدَّرَاهِم أَوْ الدَّنَانِير . وَقَدْ حَرَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاع مِثْقَال ذَهَب عَيْن بِمِثْقَالٍ وَشَيْء مِنْ تِبْر غَيْر مَضْرُوب . وَكَذَلِكَ حَرَّمَ التَّفَاوُت بَيْن الْمَضْرُوب مِنْ الْفِضَّة وَغَيْر الْمَضْرُوب مِنْهَا , وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : ( تِبْرهَا وَعَيْنهَا سَوَاء ) .
الثَّامِنَة : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ التَّمْر بِالتَّمْرِ وَلَا يَجُوز إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْع التَّمْرَة الْوَاحِدَة بِالتَّمْرَتَيْنِ , وَالْحَبَّة الْوَاحِدَة مِنْ الْقَمْح بِحَبَّتَيْنِ , فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَالثَّوْرِيّ , وَهُوَ قِيَاس قَوْل مَالِك وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ مَا جَرَى الرِّبَا فِيهِ بِالتَّفَاضُلِ فِي كَثِيره دَخَلَ قَلِيله فِي ذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا . اِحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ مُسْتَهْلِك التَّمْرَة وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا تَجِب عَلَيْهِ الْقِيمَة , قَالَ : لِأَنَّهُ لَا مَكِيل وَلَا مَوْزُون فَجَازَ فِيهِ التَّفَاضُل .
التَّاسِعَة : اِعْلَمْ رَحِمَك اللَّه أَنَّ مَسَائِل هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَفُرُوعه مُنْتَشِرَة , وَاَلَّذِي يَرْبِط لَك ذَلِكَ أَنْ تَنْظُر إِلَى مَا اِعْتَبَرَهُ كُلّ وَاحِد مِنْ الْعُلَمَاء فِي عِلَّة الرِّبَا , فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : عِلَّة ذَلِكَ كَوْنه مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جِنْسًا , فَكُلّ مَا يَدْخُلهُ الْكَيْل أَوْ الْوَزْن عِنْده مِنْ جِنْس وَاحِد , فَإِنَّ بَيْع بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا أَوْ نَسِيئًا لَا يَجُوز , فَمَنَعَ بَيْع التُّرَاب بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ; لِأَنَّهُ يَدْخُلهُ الْكَيْل , وَأَجَازَ الْخُبْز قُرْصًا بِقُرْصَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل عِنْده فِي الْكَيْل الَّذِي هُوَ أَصْله , فَخَرَجَ مِنْ الْجِنْس الَّذِي يَدْخُلهُ الرِّبَا إِلَى مَا عَدَاهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْعِلَّة كَوْنه مَطْعُومًا جِنْسًا . هَذَا قَوْله فِي الْجَدِيد , فَلَا يَجُوز عِنْده بَيْع الدَّقِيق بِالْخُبْزِ وَلَا بَيْع الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ مُتَفَاضِلًا وَلَا نَسِيئًا , وَسَوَاء أَكَانَ الْخُبْز خَمِيرًا أَوْ فَطِيرًا . وَلَا يَجُوز عِنْده بَيْضَة بِبَيْضَتَيْنِ , وَلَا رُمَّانَة بِرُمَّانَتَيْنِ , وَلَا بِطِّيخَة بِبِطِّيخَتَيْنِ لَا يَدًا بِيَدٍ وَلَا نَسِيئَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلّه طَعَام مَأْكُول . وَقَالَ فِي الْقَدِيم : كَوْنه مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا . وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَات أَصْحَابنَا الْمَالِكِيَّة فِي ذَلِكَ , وَأَحْسَن مَا فِي ذَلِكَ كَوْنه مُقْتَاتًا مُدَّخَرًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا جِنْسًا , كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِير وَالتَّمْر وَالْمِلْح الْمَنْصُوص عَلَيْهَا , وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَالْأَرُزِّ وَالذُّرَة وَالدُّخْن وَالسِّمْسِم , وَالْقَطَانِيّ كَالْفُولِ وَالْعَدَس وَاللُّوبْيَاء وَالْحِمَّص , وَكَذَلِكَ اللُّحُوم وَالْأَلْبَان وَالْخُلُول وَالزُّيُوت , وَالثِّمَار كَالْعِنَبِ وَالزَّبِيب وَالزَّيْتُون , وَاخْتُلِفَ فِي التِّين , وَيَلْحَق بِهَا الْعَسَل وَالسُّكَّر . فَهَذَا كُلّه يَدْخُلهُ الرِّبَا مِنْ جِهَة النَّسَاء . وَجَائِز فِيهِ التَّفَاضُل لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) . وَلَا رِبَا فِي رُطَب الْفَوَاكِه الَّتِي لَا تَبْقَى كَالتُّفَّاحِ وَالْبِطِّيخ وَالرُّمَّان وَالْكُمَّثْرَى وَالْقِثَّاء وَالْخِيَار وَالْبَاذِنْجَان وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْخَضْرَاوَات . قَالَ مَالِك : لَا يَجُوز بَيْع الْبِيض بِالْبِيضِ مُتَفَاضِلًا , لِأَنَّهُ مِمَّا يُدَّخَر , وَيَجُوز عِنْده مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم : جَائِز بَيْضَة بِبَيْضَتَيْنِ وَأَكْثَر ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُدَّخَر , وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيّ .
الْعَاشِرَة : اِخْتَلَفَ النُّحَاة فِي لَفْظ " الرِّبَا " فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : هُوَ مِنْ ذَوَات الْوَاو ; لِأَنَّك تَقُول فِي تَثْنِيَته : رِبَوَان , قَالَهُ سِيبَوَيْهِ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يُكْتَب بِالْيَاءِ , وَتَثْنِيَته بِالْيَاءِ , لِأَجْلِ الْكَسْرَة الَّتِي فِي أَوَّله . قَالَ الزَّجَّاج : مَا رَأَيْت خَطَأ أَقْبَح مِنْ هَذَا وَلَا أَشْنَع لَا يَكْفِيهِمْ الْخَطَأ فِي الْخَطّ حَتَّى يُخْطِئُوا فِي التَّثْنِيَة وَهُمْ يَقْرَءُونَ : " وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَال النَّاس " [ الرُّوم : 39 ] قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : كُتِبَ " الرِّبَا " فِي الْمُصْحَف بِالْوَاوِ فَرْقًا بَيْنه وَبَيْن الزِّنَا , وَكَانَ الرِّبَا أَوْلَى مِنْهُ بِالْوَاوِ , لِأَنَّهُ مِنْ رَبَا يَرْبُو .
فِيهَا عَشْر مَسَائِل :
الْأُولَى : يَأْكُلُونَ يَأْخُذُونَ , فَعَبَّرَ عَنْ الْأَخْذ بِالْأَكْلِ ; لِأَنَّ الْأَخْذ إِنَّمَا يُرَاد لِلْأَكْلِ . وَالرِّبَا فِي اللُّغَة الزِّيَادَة مُطْلَقًا , يُقَال : رَبَا الشَّيْء يَرْبُو إِذَا زَادَ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( فَلَا وَاَللَّه مَا أَخَذْنَا مِنْ لُقْمَة إِلَّا رَبَا مِنْ تَحْتهَا ) يَعْنِي الطَّعَام الَّذِي دَعَا فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ , خَرَّجَ الْحَدِيث مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه . وَقِيَاس كِتَابَته بِالْيَاءِ لِلْكَسْرَةِ فِي أَوَّله , وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْقُرْآن بِالْوَاوِ . ثُمَّ إِنَّ الشَّرْع قَدْ تَصَرَّفَ فِي هَذَا الْإِطْلَاق فَقَصَرَهُ عَلَى بَعْض مَوَارِده , فَمَرَّة أَطْلَقَهُ عَلَى كَسْب الْحَرَام , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي الْيَهُود : " وَأَخْذهمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ " [ النِّسَاء : 161 ] . وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الرِّبَا الشَّرْعِيّ الَّذِي حُكِمَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَال الْحَرَام , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ " [ الْمَائِدَة : 42 ] يَعْنِي بِهِ الْمَال الْحَرَام مِنْ الرِّشَا , وَمَا اِسْتَحَلُّوهُ مِنْ أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ حَيْثُ قَالُوا : " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل " [ آل عِمْرَان : 75 ] . وَعَلَى هَذَا فَيَدْخُل فِيهِ النَّهْي عَنْ كُلّ مَال حَرَام بِأَيِّ وَجْه اُكْتُسِبَ . وَالرِّبَا الَّذِي عَلَيْهِ عُرْف الشَّرْع شَيْئَانِ : تَحْرِيم النَّسَاء , وَالتَّفَاضُل فِي الْعُقُود وَفِي الْمَطْعُومَات عَلَى مَا نُبَيِّنهُ . وَغَالِبه مَا كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُ , مِنْ قَوْلهَا لِلْغَرِيمِ : أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي ؟ فَكَانَ الْغَرِيم يَزِيد فِي عَدَد الْمَال وَيَصْبِر الطَّالِب عَلَيْهِ . وَهَذَا كُلّه مُحَرَّم بِاتِّفَاقِ الْأُمَّة .
الثَّانِيَة : أَكْثَر الْبُيُوع الْمَمْنُوعَة إِنَّمَا تَجِد مَنْعهَا لِمَعْنَى زِيَادَة إِمَّا فِي عَيْن مَال , وَإِمَّا فِي مَنْفَعَة لِأَحَدِهِمَا مِنْ تَأْخِير وَنَحْوه . وَمِنْ الْبُيُوع مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الزِّيَادَة , كَبَيْعِ الثَّمَرَة قَبْل بُدُوّ صَلَاحهَا , وَكَالْبَيْعِ سَاعَة النِّدَاء يَوْم الْجُمُعَة , فَإِنْ قِيلَ لِفَاعِلِهَا , آكِل الرِّبَا فَتَجَوُّز وَتَشْبِيه .
الثَّالِثَة : رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اِسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى الْآخِذ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاء ) . , وَفِي حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت : ( فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) . وَرَوَى أَبُو داود عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الذَّهَب بِالذَّهَبِ تِبْرهَا وَعَيْنهَا وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ تِبْرهَا وَعَيْنهَا وَالْبُرّ بِالْبُرِّ مُدْي بِمُدْيٍ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ مُدْي بِمُدْيٍ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ مُدْي بِمُدْيٍ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ مُدْي بِمُدْيٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَلَا بَأْس بِبَيْع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّة أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَة فَلَا وَلَا بَأْس بِبَيْعِ الْبُرّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِير أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَة فَلَا ) . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الْقَوْل بِمُقْتَضَى هَذِهِ السُّنَّة وَعَلَيْهَا جَمَاعَة فُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي الْبُرّ وَالشَّعِير فَإِنَّ مَالِكًا جَعَلَهُمَا صِنْفًا وَاحِدًا , فَلَا يَجُوز مِنْهُمَا اِثْنَانِ بِوَاحِدٍ , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُعْظَم عُلَمَاء الْمَدِينَة وَالشَّام , وَأَضَافَ مَالِك إِلَيْهِمَا السُّلْت . وَقَالَ اللَّيْث : السُّلْت وَالدُّخْن وَالذُّرَة صِنْف وَاحِد , وَقَالَهُ اِبْن وَهْب .
قُلْت : وَإِذَا ثَبَتَتْ السُّنَّة فَلَا قَوْل مَعَهَا . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) . وَقَوْله : ( الْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ ) دَلِيل عَلَى أَنَّهُمَا نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ كَمُخَالَفَةِ الْبُرّ لِلتَّمْرِ , وَلِأَنَّ صِفَاتهمَا مُخْتَلِفَة وَأَسْمَاؤُهُمَا مُخْتَلِفَة , وَلَا اِعْتِبَار بِالْمَنْبِتِ وَالْمَحْصِد إِذَا لَمْ يَعْتَبِرهُ الشَّرْع , بَلْ فَصَّلَ وَبَيَّنَ , وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الْحَدِيث .
الرَّابِعَة : كَانَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان يَذْهَب إِلَى أَنَّ النَّهْي وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينَار الْمَضْرُوب وَالدِّرْهَم الْمَضْرُوب لَا فِي التِّبْر مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْمَضْرُوبِ , وَلَا فِي الْمَصُوغ بِالْمَضْرُوبِ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْمَصُوغ خَاصَّة , حَتَّى وَقَعَ لَهُ مَعَ عُبَادَة مَا خَرَّجَهُ مُسْلِم وَغَيْره , قَالَ : غَزَوْنَا وَعَلَى النَّاس مُعَاوِيَة فَغَنِمْنَا غَنَائِم كَثِيرَة , فَكَانَ مِمَّا غَنِمْنَا آنِيَة مِنْ فِضَّة فَأَمَرَ مُعَاوِيَة رَجُلًا بِبَيْعِهَا فِي أُعْطِيَّات النَّاس , فَتَنَازَعَ النَّاس فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَة بْن الصَّامِت ذَلِكَ فَقَامَ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْع الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ مَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى , فَرَدَّ النَّاس مَا أَخَذُوا , فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَة فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : أَلَا مَا بَال رِجَال يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيث قَدْ كُنَّا نَشْهَدهُ وَنَصْحَبهُ فَلَمْ نَسْمَعهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَة بْن الصَّامِت فَأَعَادَ الْقِصَّة ثُمَّ قَالَ : لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَة - أَوْ قَالَ وَإِنْ رَغِمَ - مَا أُبَالِي أَلَّا أَصْحَبهُ فِي جُنْده فِي لَيْلَة سَوْدَاء . قَالَ حَمَّاد هَذَا أَوْ نَحْوه . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّمَا كَانَتْ لِأَبِي الدَّرْدَاء مَعَ مُعَاوِيَة . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَقَعَ ذَلِكَ لَهُمَا مَعَهُ , وَلَكِنَّ الْحَدِيث فِي الْعُرْف مَحْفُوظ لِعُبَادَة , وَهُوَ الْأَصْل الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاء فِي بَاب [ الرِّبَا ] . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ فِعْل مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ غَيْر جَائِز , وَغَيْر نَكِير أَنْ يَكُون مُعَاوِيَة خَفِيَ عَلَيْهِ مَا قَدْ عَلِمَهُ أَبُو الدَّرْدَاء وَعُبَادَة فَإِنَّهُمَا جَلِيلَانِ مِنْ فُقَهَاء الصَّحَابَة وَكِبَارهمْ , وَقَدْ خَفِيَ عَلَى أَبِي بَكْر وَعُمَر مَا وُجِدَ عِنْد غَيْرهمْ مِمَّنْ هُوَ دُونهمْ , فَمُعَاوِيَة أَحْرَى . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَذْهَبه كَمَذْهَبِ اِبْن عَبَّاس , فَقَدْ كَانَ وَهُوَ بَحْر فِي الْعِلْم لَا يَرَى الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ بَأْسًا حَتَّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ أَبُو سَعِيد . وَقِصَّة مُعَاوِيَة هَذِهِ مَعَ عُبَادَة كَانَتْ فِي وِلَايَة عُمَر . قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : إِنَّ عُبَادَة أَنْكَرَ شَيْئًا عَلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ : لَا أُسَاكِنك بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا وَدَخَلَ الْمَدِينَة . فَقَالَ لَهُ عُمَر : مَا أَقْدَمَك ؟ فَأَخْبَرَهُ . فَقَالَ : اِرْجِعْ إِلَى مَكَانك , فَقَبَّحَ اللَّه أَرْضًا لَسْت فِيهَا وَلَا أَمْثَالك ! وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَة " لَا إِمَارَة لَك عَلَيْهِ " .
الْخَامِسَة : رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدِّينَار بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْل بَيْنهمَا مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَة بِوَرِقٍ فَلْيَصْرِفْهَا بِذَهَبٍ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَة بِذَهَبٍ فَلْيَصْرِفْهَا بِوَرِقٍ هَاءَ وَهَاءَ ) . قَالَ الْعُلَمَاء فَقَوْله , عَلَيْهِ السَّلَام : ( الدِّينَار بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْل بَيْنهمَا ) إِشَارَة إِلَى جِنْس الْأَصْل الْمَضْرُوب , بِدَلِيلِ قَوْله : ( الْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَب بِالذَّهَبِ ) الْحَدِيث . وَالْفِضَّة الْبَيْضَاء وَالسَّوْدَاء وَالذَّهَب الْأَحْمَر وَالْأَصْفَر كُلّ ذَلِكَ لَا يَجُوز بَيْع بَعْضه بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاء بِسَوَاءٍ عَلَى كُلّ حَال , عَلَى هَذَا جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم عَلَى مَا بَيَّنَّا . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي الْفُلُوس فَأَلْحَقَهَا بِالدَّرَاهِمِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ ثَمَنًا لِلْأَشْيَاءِ , وَمَنَعَ مِنْ إِلْحَاقهَا مَرَّة مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لَيْسَتْ ثَمَنًا فِي كُلّ بَلَد وَإِنَّمَا يَخْتَصّ بِهَا بَلَد دُون بَلَد .
السَّادِسَة : لَا اِعْتِبَار بِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِير مِنْ أَصْحَاب مَالِك وَبَعْضهمْ يَرْوِيه عَنْ مَالِك فِي التَّاجِر يَحْفِزهُ الْخُرُوج وَبِهِ حَاجَة إِلَى دَرَاهِم مَضْرُوبَة أَوْ دَنَانِير مَضْرُوبَة , فَيَأْتِي دَار الضَّرْب بِفِضَّتِهِ أَوْ ذَهَبه فَيَقُول لِلضَّرَّابِ , خُذْ فِضَّتِي هَذِهِ أَوْ ذَهَبِي وَخُذْ قَدْر عَمَل يَدك وَادْفَعْ إِلَيَّ دَنَانِير مَضْرُوبَة فِي ذَهَبِي أَوْ دَرَاهِم مَضْرُوبَة فِي فِضَّتِي هَذِهِ لِأَنِّي مَحْفُوز لِلْخُرُوجِ وَأَخَاف أَنْ يَفُوتنِي مَنْ أَخْرُج مَعَهُ , أَنَّ ذَلِكَ جَائِز لِلضَّرُورَةِ , وَأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ بَعْض النَّاس . وَحَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي قَبَسه عَنْ مَالِك فِي غَيْر التَّاجِر , وَإِنَّ مَالِكًا خَفَّفَ فِي ذَلِكَ , فَيَكُون فِي الصُّورَة قَدْ بَاعَ فِضَّته الَّتِي زِنَتهَا مِائَة وَخَمْسَة دَرَاهِم أَجْره بِمِائَةٍ وَهَذَا مَحْض الرِّبَا . وَاَلَّذِي أَوْجَبَ جَوَاز ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ : اِضْرِبْ لِي هَذِهِ وَقَاطَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ , فَلَمَّا ضَرَبَهَا قَبَضَهَا مِنْهُ وَأَعْطَاهُ أُجْرَتهَا , فَاَلَّذِي فَعَلَ مَالِك أَوَّلًا هُوَ الَّذِي يَكُون آخِرًا , وَمَالِك إِنَّمَا نَظَرَ إِلَى الْمَال فَرَكَّبَ عَلَيْهِ حُكْم الْحَال , وَأَبَاهُ سَائِر الْفُقَهَاء . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالْحُجَّة فِيهِ لِمَالِكٍ بَيِّنَة . قَالَ أَبُو عُمَر رَحِمَهُ اللَّه : وَهَذَا هُوَ عَيْن الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( مَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ) . وَقَدْ رَدَّ اِبْن وَهْب هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى مَالِك وَأَنْكَرَهَا . وَزَعَمَ الْأَبْهَرِيّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب الرِّفْق لِطَلَبِ التِّجَارَة وَلِئَلَّا يَفُوت السُّوق , وَلَيْسَ الرِّبَا إِلَّا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِي مِمَّنْ يَقْصِد إِلَى ذَلِكَ وَيَبْتَغِيه . وَنَسِيَ الْأَبْهَرِيّ أَصْله فِي قَطْع الذَّرَائِع , وَقَوْله , فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِنَسِيئَةٍ وَهُوَ لَا نِيَّة لَهُ فِي شِرَائِهِ ثُمَّ يَجِدهُ فِي السُّوق يُبَاع : إِنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ اِبْتِيَاعه مِنْهُ بِدُونِ مَا بَاعَهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِد إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَبْتَغِهِ , وَمِثْله كَثِير , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الرِّبَا إِلَّا عَلَى مَنْ قَصَدَهُ مَا حُرِّمَ إِلَّا عَلَى الْفُقَهَاء . وَقَدْ قَالَ عُمَر : لَا يَتَّجِر فِي سُوقنَا إِلَّا مَنْ فَقِهَ وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا . وَهَذَا بَيِّن لِمَنْ رُزِقَ الْإِنْصَاف وَأُلْهِمَ رُشْده .
قُلْت : وَقَدْ بَالَغَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه فِي مَنْع الزِّيَادَة حَتَّى جَعَلَ الْمُتَوَهَّم كَالْمُتَحَقِّقِ , فَمَنَعَ دِينَارًا وَدِرْهَمًا بِدِينَارٍ وَدِرْهَم سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَحَسْمًا لِلتَّوَهُّمَاتِ , إِذْ لَوْلَا تَوَهُّم الزِّيَادَة لَمَا تَبَادَلَا . وَقَدْ عُلِّلَ مَنْع ذَلِكَ بِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَة عِنْد التَّوْزِيع , فَإِنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ ذَهَب وَفِضَّة بِذَهَبٍ . وَأَوْضَح مِنْ هَذَا مَنْعه التَّفَاضُل الْمَعْنَوِيّ , وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ دِينَارًا مِنْ الذَّهَب الْعَالِي وَدِينَارًا مِنْ الذَّهَب الدُّون فِي مُقَابَلَة الْعَالِي وَأَلْفَى الدُّون , وَهَذَا مِنْ دَقِيق نَظَره رَحِمَهُ اللَّه , فَدَلَّ أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَة عَنْهُ مُنْكَرَة وَلَا تَصِحّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
السَّابِعَة : قَالَ الْخَطَّابِيّ : التِّبْر قَطْع الذَّهَب وَالْفِضَّة قَبْل أَنْ تُضْرَب وَتُطْبَع دَرَاهِم أَوْ دَنَانِير , وَاحِدَتهَا تِبْرَة . وَالْعَيْن : الْمَضْرُوب مِنْ الدَّرَاهِم أَوْ الدَّنَانِير . وَقَدْ حَرَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاع مِثْقَال ذَهَب عَيْن بِمِثْقَالٍ وَشَيْء مِنْ تِبْر غَيْر مَضْرُوب . وَكَذَلِكَ حَرَّمَ التَّفَاوُت بَيْن الْمَضْرُوب مِنْ الْفِضَّة وَغَيْر الْمَضْرُوب مِنْهَا , وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : ( تِبْرهَا وَعَيْنهَا سَوَاء ) .
الثَّامِنَة : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ التَّمْر بِالتَّمْرِ وَلَا يَجُوز إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْع التَّمْرَة الْوَاحِدَة بِالتَّمْرَتَيْنِ , وَالْحَبَّة الْوَاحِدَة مِنْ الْقَمْح بِحَبَّتَيْنِ , فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَالثَّوْرِيّ , وَهُوَ قِيَاس قَوْل مَالِك وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ مَا جَرَى الرِّبَا فِيهِ بِالتَّفَاضُلِ فِي كَثِيره دَخَلَ قَلِيله فِي ذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا . اِحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ مُسْتَهْلِك التَّمْرَة وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا تَجِب عَلَيْهِ الْقِيمَة , قَالَ : لِأَنَّهُ لَا مَكِيل وَلَا مَوْزُون فَجَازَ فِيهِ التَّفَاضُل .
التَّاسِعَة : اِعْلَمْ رَحِمَك اللَّه أَنَّ مَسَائِل هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَفُرُوعه مُنْتَشِرَة , وَاَلَّذِي يَرْبِط لَك ذَلِكَ أَنْ تَنْظُر إِلَى مَا اِعْتَبَرَهُ كُلّ وَاحِد مِنْ الْعُلَمَاء فِي عِلَّة الرِّبَا , فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : عِلَّة ذَلِكَ كَوْنه مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جِنْسًا , فَكُلّ مَا يَدْخُلهُ الْكَيْل أَوْ الْوَزْن عِنْده مِنْ جِنْس وَاحِد , فَإِنَّ بَيْع بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا أَوْ نَسِيئًا لَا يَجُوز , فَمَنَعَ بَيْع التُّرَاب بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ; لِأَنَّهُ يَدْخُلهُ الْكَيْل , وَأَجَازَ الْخُبْز قُرْصًا بِقُرْصَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل عِنْده فِي الْكَيْل الَّذِي هُوَ أَصْله , فَخَرَجَ مِنْ الْجِنْس الَّذِي يَدْخُلهُ الرِّبَا إِلَى مَا عَدَاهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْعِلَّة كَوْنه مَطْعُومًا جِنْسًا . هَذَا قَوْله فِي الْجَدِيد , فَلَا يَجُوز عِنْده بَيْع الدَّقِيق بِالْخُبْزِ وَلَا بَيْع الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ مُتَفَاضِلًا وَلَا نَسِيئًا , وَسَوَاء أَكَانَ الْخُبْز خَمِيرًا أَوْ فَطِيرًا . وَلَا يَجُوز عِنْده بَيْضَة بِبَيْضَتَيْنِ , وَلَا رُمَّانَة بِرُمَّانَتَيْنِ , وَلَا بِطِّيخَة بِبِطِّيخَتَيْنِ لَا يَدًا بِيَدٍ وَلَا نَسِيئَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلّه طَعَام مَأْكُول . وَقَالَ فِي الْقَدِيم : كَوْنه مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا . وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَات أَصْحَابنَا الْمَالِكِيَّة فِي ذَلِكَ , وَأَحْسَن مَا فِي ذَلِكَ كَوْنه مُقْتَاتًا مُدَّخَرًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا جِنْسًا , كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِير وَالتَّمْر وَالْمِلْح الْمَنْصُوص عَلَيْهَا , وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَالْأَرُزِّ وَالذُّرَة وَالدُّخْن وَالسِّمْسِم , وَالْقَطَانِيّ كَالْفُولِ وَالْعَدَس وَاللُّوبْيَاء وَالْحِمَّص , وَكَذَلِكَ اللُّحُوم وَالْأَلْبَان وَالْخُلُول وَالزُّيُوت , وَالثِّمَار كَالْعِنَبِ وَالزَّبِيب وَالزَّيْتُون , وَاخْتُلِفَ فِي التِّين , وَيَلْحَق بِهَا الْعَسَل وَالسُّكَّر . فَهَذَا كُلّه يَدْخُلهُ الرِّبَا مِنْ جِهَة النَّسَاء . وَجَائِز فِيهِ التَّفَاضُل لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) . وَلَا رِبَا فِي رُطَب الْفَوَاكِه الَّتِي لَا تَبْقَى كَالتُّفَّاحِ وَالْبِطِّيخ وَالرُّمَّان وَالْكُمَّثْرَى وَالْقِثَّاء وَالْخِيَار وَالْبَاذِنْجَان وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْخَضْرَاوَات . قَالَ مَالِك : لَا يَجُوز بَيْع الْبِيض بِالْبِيضِ مُتَفَاضِلًا , لِأَنَّهُ مِمَّا يُدَّخَر , وَيَجُوز عِنْده مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم : جَائِز بَيْضَة بِبَيْضَتَيْنِ وَأَكْثَر ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُدَّخَر , وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيّ .
الْعَاشِرَة : اِخْتَلَفَ النُّحَاة فِي لَفْظ " الرِّبَا " فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : هُوَ مِنْ ذَوَات الْوَاو ; لِأَنَّك تَقُول فِي تَثْنِيَته : رِبَوَان , قَالَهُ سِيبَوَيْهِ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يُكْتَب بِالْيَاءِ , وَتَثْنِيَته بِالْيَاءِ , لِأَجْلِ الْكَسْرَة الَّتِي فِي أَوَّله . قَالَ الزَّجَّاج : مَا رَأَيْت خَطَأ أَقْبَح مِنْ هَذَا وَلَا أَشْنَع لَا يَكْفِيهِمْ الْخَطَأ فِي الْخَطّ حَتَّى يُخْطِئُوا فِي التَّثْنِيَة وَهُمْ يَقْرَءُونَ : " وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَال النَّاس " [ الرُّوم : 39 ] قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : كُتِبَ " الرِّبَا " فِي الْمُصْحَف بِالْوَاوِ فَرْقًا بَيْنه وَبَيْن الزِّنَا , وَكَانَ الرِّبَا أَوْلَى مِنْهُ بِالْوَاوِ , لِأَنَّهُ مِنْ رَبَا يَرْبُو .
مَعْنَاهُ عِنْد جَمِيع الْمُتَأَوِّلِينَ فِي الْكُفَّار , وَلَهُمْ قِيلَ : " فَلَهُ مَا سَلَفَ " وَلَا يُقَال ذَلِكَ لِمُؤْمِنٍ عَاصٍ بَلْ يُنْقَض بَيْعه , وَيُرَدّ فِعْله وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا , فَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدّ ) . لَكِنْ قَدْ يَأْخُذ الْعُصَاة فِي الرِّبَا بِطَرَفٍ مِنْ وَعِيد هَذِهِ الْآيَة .
أَيْ إِنَّمَا الزِّيَادَة عِنْد حُلُول الْأَجَل آخِرًا كَمَثَلِ أَصْل الثَّمَن فِي أَوَّل الْعَقْد , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ لَا تَعْرِف رِبًا إِلَّا ذَلِكَ , فَكَانَتْ إِذَا حَلَّ دَيْنهَا قَالَتْ لِلْغَرِيمِ : إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ , أَيْ تَزِيد فِي الدَّيْن . فَحَرَّمَ اللَّه سُبْحَانه ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلهمْ بِقَوْلِهِ الْحَقّ : " وَأَحَلَّ اللَّه الْبَيْع وَحَرَّمَ الرِّبَا " [ الْبَقَرَة : 275 ] وَأَوْضَحَ أَنَّ الْأَجَل إِذَا حَلَّ وَلَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يُؤَدِّي أُنْظِرَ إِلَى الْمَيْسَرَة . وَهَذَا الرِّبَا هُوَ الَّذِي نَسَخَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ يَوْم عَرَفَة لَمَّا قَالَ : ( أَلَا إِنَّ كُلّ رِبًا مَوْضُوع وَإِنَّ أَوَّل رِبًا أَضَعهُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلَب فَإِنَّهُ مَوْضُوع كُلّه ) . فَبَدَأَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَمِّهِ وَأَخَصّ النَّاس بِهِ . وَهَذَا مِنْ سُنَن الْعَدْل لِلْإِمَامِ أَنْ يُفِيض الْعَدْل عَلَى نَفْسه وَخَاصَّته فَيَسْتَفِيض حِينَئِذٍ فِي النَّاس .
هَذَا مِنْ عُمُوم الْقُرْآن , وَالْأَلِف وَاللَّام لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَهْدِ إِذْ لَمْ يَتَقَدَّم بَيْع مَذْكُور يَرْجِع إِلَيْهِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَالْعَصْر إِنَّ الْإِنْسَان لَفِي خُسْر " [ الْعَصْر 1 , 2 ] ثُمَّ اِسْتَثْنَى " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " [ الْعَصْر : 3 ] . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْبَيْع عَامّ فَهُوَ مُخَصَّص بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الرِّبَا وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ وَمُنِعَ الْعَقْد عَلَيْهِ , كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَة وَحَبَل الْحَبَلَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ثَابِت فِي السُّنَّة وَإِجْمَاع الْأُمَّة النَّهْي عَنْهُ . وَنَظِيره " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " [ التَّوْبَة : 5 ] وَسَائِر الظَّوَاهِر الَّتِي تَقْتَضِي الْعُمُومَات وَيَدْخُلهَا التَّخْصِيص وَهَذَا مَذْهَب أَكْثَر الْفُقَهَاء . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مِنْ مُجْمَل الْقُرْآن الَّذِي فَسَّرَ بِالْمُحَلَّلِ مِنْ الْبَيْع وَبِالْمُحَرَّمِ فَلَا يُمْكِن أَنْ يُسْتَعْمَل فِي إِحْلَال الْبَيْع وَتَحْرِيمه إِلَّا أَنْ يَقْتَرِن بِهِ بَيَان مِنْ سُنَّة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنْ دَلَّ عَلَى إِبَاحَة الْبُيُوع فِي الْجُمْلَة دُون التَّفْصِيل . وَهَذَا فَرْق مَا بَيْن الْعُمُوم وَالْمُجْمَل . , فَالْعُمُوم يَدُلّ عَلَى إِبَاحَة الْبُيُوع فِي الْجُمْلَة , وَالتَّفْصِيل مَا لَمْ يُخَصّ بِدَلِيلٍ . وَالْمُجْمَل لَا يَدُلّ عَلَى إِبَاحَتهَا فِي التَّفْصِيل حَتَّى يَقْتَرِن بِهِ بَيَان . وَالْأَوَّل أَصَحّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
الْبَيْع فِي اللُّغَة مَصْدَر بَاعَ كَذَا بِكَذَا , أَيْ دَفَعَ عِوَضًا وَأَخَذَ مُعَوَّضًا . وَهُوَ يَقْتَضِي بَائِعًا وَهُوَ الْمَالِك أَوْ مَنْ يُنَزَّل مَنْزِلَته , وَمُبْتَاعًا وَهُوَ الَّذِي يَبْذُل الثَّمَن , وَمَبِيعًا وَهُوَ الْمَثْمُون وَهُوَ الَّذِي يُبْذَل فِي مُقَابَلَته الثَّمَن . وَعَلَى هَذَا فَأَرْكَان الْبَيْع أَرْبَعَة : الْبَائِع وَالْمُبْتَاع وَالثَّمَن وَالْمُثَمَّن . ثُمَّ الْمُعَاوَضَة عِنْد الْعَرَب تَخْتَلِف بِحَسَبِ اِخْتِلَاف مَا يُضَاف إِلَيْهِ , فَإِنْ كَانَ أَحَد الْمُعَوَّضِينَ فِي مُقَابَلَة الرَّقَبَة سُمِّيَ بَيْعًا , وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَة مَنْفَعَة رَقَبَة فَإِنْ كَانَتْ مَنْفَعَة بُضْع سُمِّيَ نِكَاحًا , وَإِنْ كَانَتْ مَنْفَعَة غَيْرهَا سُمِّيَ إِجَارَة , وَإِنْ كَانَ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَهُوَ بَيْع النَّقْد وَهُوَ الصَّرْف , وَإِنْ كَانَ بِدَيْنٍ مُؤَجَّل فَهُوَ السَّلَم , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي آيَة الدَّيْن . وَقَدْ مَضَى حُكْم الصَّرْف , وَيَأْتِي حُكْم الْإِجَارَة فِي " الْقَصَص " وَحُكْم الْمَهْر فِي النِّكَاح فِي [ النِّسَاء ] كُلّ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
الْبَيْع قَبُول وَإِيجَاب يَقَع بِاللَّفْظِ الْمُسْتَقْبَل وَالْمَاضِي , فَالْمَاضِي فِيهِ حَقِيقَة وَالْمُسْتَقْبَل كِنَايَة , وَيَقَع بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة الْمَفْهُوم مِنْهَا نَقْل الْمِلْك . فَسَوَاء قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَة بِعَشَرَةٍ فَقَالَ : اِشْتَرَيْتهَا , أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي : اِشْتَرَيْتهَا وَقَالَ الْبَائِع : بِعْتُكهَا , أَوْ قَالَ الْبَائِع : أَنَا أَبِيعك بِعَشَرَةٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي : أَنَا أَشْتَرِي أَوْ قَدْ اِشْتَرَيْت , وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : خُذْهَا بِعَشَرَةٍ أَوْ أَعْطَيْتُكهَا أَوْ دُونَكَهَا أَوْ بُورِكَ لَك فِيهَا بِعَشَرَةٍ أَوْ سَلَّمْتهَا إِلَيْك - وَهُمَا يُرِيدَانِ الْبَيْع - فَذَلِكَ كُلّه بَيْع لَازِم . وَلَوْ قَالَ الْبَائِع : بِعْتُك بِعَشَرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ قَبْل أَنْ يَقْبَل الْمُشْتَرِي فَقَدْ قَالَ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِع حَتَّى يَسْمَع قَبُول الْمُشْتَرِي أَوْ رَدّه ; لِأَنَّهُ قَدْ بَذَلَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسه وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهَا , وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ لَهُ ; لِأَنَّ الْعَقْد لَمْ يَتِمّ عَلَيْهِ . وَلَوْ قَالَ الْبَائِع : كُنْت لَاعِبًا , فَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْهُ , فَقَالَ مَرَّة : يَلْزَمهُ الْبَيْع وَلَا يُلْتَفَت إِلَى قَوْله وَقَالَ مَرَّة : يُنْظَر إِلَى قِيمَة السِّلْعَة . فَإِنْ كَانَ الثَّمَن يُشْبِه قِيمَتهَا فَالْبَيْع لَازِم , وَإِنْ كَانَ مُتَفَاوِتًا كَعَبْدٍ بِدِرْهَمٍ وَدَار بِدِينَارٍ , عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْبَيْع , وَإِنَّمَا كَانَ هَازِلًا فَلَمْ يَلْزَمهُ .
الْأَلِف وَاللَّام هُنَا لِلْعَهْدِ , وَهُوَ مَا كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ , ثُمَّ تَتَنَاوَل مَا حَرَّمَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَى عَنْهُ مِنْ الْبَيْع الَّذِي يَدْخُلهُ الرِّبَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْبُيُوع الْمَنْهِيّ عَنْهَا .
عَقْد الرِّبَا مَفْسُوخ لَا يَجُوز بِحَالٍ , لِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : جَاءَ بِلَال بِتَمْرٍ بَرْنِيّ فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ أَيْنَ هَذَا ) ؟ فَقَالَ بِلَال : مِنْ تَمْر كَانَ عِنْدنَا رَدِيء , فَبِعْت مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد ذَلِكَ : ( أَوْهِ عَيْن الرِّبَا لَا تَفْعَل وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْر فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَر ثُمَّ اِشْتَرِ بِهِ ) وَفِي رِوَايَة ( هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ ثُمَّ بِيعُوا تَمْرنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَقَوْله ( أَوْهِ عَيْن الرِّبَا ) أَيْ هُوَ الرِّبَا الْمُحَرَّم نَفْسه لَا مَا يُشْبِههُ . وَقَوْله : ( فَرُدُّوهُ ) يَدُلّ عَلَى وُجُوب فَسْخ صَفْقَة الرِّبَا وَأَنَّهَا لَا تَصِحّ بِوَجْهٍ , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة حَيْثُ يَقُول : إِنَّ بَيْع الرِّبَا جَائِز بِأَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَيْع , مَمْنُوع بِوَصْفِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ رِبًا , فَيَسْقُط الرِّبَا وَيَصِحّ الْبَيْع . وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذُكِرَ لَمَا فَسَخَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الصَّفْقَة , وَلَأَمَرَهُ بِرَدِّ الزِّيَادَة عَلَى الصَّاع وَلَصَحَّحَ الصَّفْقَة فِي مُقَابَلَة الصَّاع .
كُلّ مَا كَانَ مِنْ حَرَام بَيِّن فَفُسِخَ فَعَلَى الْمُبْتَاع رَدّ السِّلْعَة بِعَيْنِهَا . فَإِنْ تَلِفَتْ بِيَدِهِ رَدَّ الْقِيمَة فِيمَا لَهُ الْقِيمَة , وَذَلِكَ كَالْعَقَارِ وَالْعُرُوض وَالْحَيَوَان , وَالْمِثْل فِيمَا لَهُ مِثْل مِنْ مَوْزُون أَوْ مَكِيل مِنْ طَعَام أَوْ عَرَض . قَالَ مَالِك : يُرَدّ الْحَرَام الْبَيِّن فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ , وَمَا كَانَ مِمَّا كَرِهَ النَّاس رُدَّ إِلَّا أَنْ يَفُوت فَيُتْرَك .
قَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق رَحِمَهُمَا اللَّه : حَرَّمَ اللَّه الرِّبَا لِيَتَقَارَض النَّاس . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قَرْض مَرَّتَيْنِ يَعْدِل صَدَقَة مَرَّة ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّار , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى . وَقَالَ بَعْض النَّاس : حَرَّمَهُ اللَّه لِأَنَّهُ مَتْلَفَة لِلْأَمْوَالِ مَهْلَكَة لِلنَّاسِ . وَسَقَطَتْ عَلَامَة التَّأْنِيث فِي قَوْله تَعَالَى : " فَمَنْ جَاءَهُ " لِأَنَّ تَأْنِيث " الْمَوْعِظَة " غَيْر حَقِيقِيّ وَهُوَ بِمَعْنَى وَعْظ . وَقَرَأَ الْحَسَن " فَمَنْ جَاءَتْهُ " بِإِثْبَاتِ الْعَلَامَة .
هَذِهِ الْآيَة تَلَتْهَا عَائِشَة لَمَّا أُخْبِرَتْ بِفِعْلِ زَيْد بْن أَرْقَم . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ الْعَالِيَة بِنْت أَنْفَع قَالَتْ : خَرَجْت أَنَا وَأُمّ مُحِبَّة إِلَى مَكَّة فَدَخَلْنَا عَلَى عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا , فَقَالَتْ لَنَا : مِمَّنْ أَنْتُنَّ ؟ قُلْنَا مِنْ أَهْل الْكُوفَة , قَالَتْ : فَكَأَنَّهَا أَعْرَضَتْ عَنَّا , فَقَالَتْ لَهَا أُمّ مُحِبَّة : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ ! كَانَتْ لِي جَارِيَة وَإِنِّي بِعْتهَا مِنْ زَيْد بْن أَرْقَم الْأَنْصَارِيّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم إِلَى عَطَائِهِ وَإِنَّهُ أَرَادَ بَيْعهَا فَابْتَعْتهَا مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَم نَقْدًا . قَالَتْ : فَأَقْبَلَتْ عَلَيْنَا فَقَالَتْ : بِئْسَمَا شَرَيْت وَمَا اِشْتَرَيْت ! فَأَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَاده مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ يَتُوب . فَقَالَتْ لَهَا : أَرَأَيْت إِنْ لَمْ آخُذ مِنْهُ إِلَّا رَأْس مَالِي ؟ قَالَتْ : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبّه فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ " . الْعَالِيَة هِيَ زَوْج أَبِي إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ الْكُوفِيّ السَّبِيعِيّ أُمّ يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق . وَهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مَالِك مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْهُ فِي بُيُوع الْآجَال , فَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا يُؤَدِّي إِلَى الْوُقُوع فِي الْمَحْظُور مُنِعَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِره بَيْعًا جَائِزًا . وَخَالَفَ مَالِكًا فِي هَذَا الْأَصْل جُمْهُور الْفُقَهَاء وَقَالُوا : الْأَحْكَام مَبْنِيَّة عَلَى الظَّاهِر لَا عَلَى الظُّنُون . وَدَلِيلنَا الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرَائِع , فَإِنْ سَلِمَ وَإِلَّا اِسْتَدْلَلْنَا عَلَى صِحَّته . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَهَذَا الْحَدِيث نَصّ وَلَا تَقُول عَائِشَة ( أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَاده إِلَّا أَنْ يَتُوب ) إِلَّا بِتَوْقِيفٍ , إِذْ مِثْله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ فَإِنَّ إِبْطَال الْأَعْمَال لَا يُتَوَصَّل إِلَى مَعْرِفَتهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن وَبَيْنهمَا أُمُور مُشْتَبِهَات لَا يَعْلَمهُنَّ كَثِير مِنْ النَّاس فَمَنْ اِتَّقَى الشُّبُهَات اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضه وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَات وَقَعَ فِي الْحَرَام كَالرَّاعِي يَرْعَى , حَوْل الْحِمَى يُوشِك أَنْ يُوقِع فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِك حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّه مَحَارِمه ) . وَجْه دَلَالَته أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْإِقْدَام عَلَى الْمُتَشَابِهَات مَخَافَة الْوُقُوع فِي الْمُحَرَّمَات وَذَلِكَ سَدّ لِلذَّرِيعَةِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ الْكَبَائِر شَتْم الرَّجُل وَالِدَيْهِ ) قَالُوا : وَكَيْف يَشْتُم الرَّجُل وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : ( يَسُبّ أَبَا الرَّجُل فَيَسُبّ أَبَاهُ وَيَسُبّ أُمّه فَيَسُبّ أُمّه ) . فَجَعَلَ التَّعْرِيض لِسَبِّ الْآبَاء كَسَبِّ الْآبَاء . وَلَعَنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُود إِذَا أَكَلُوا ثَمَن مَا نُهُوا عَنْ أَكْله . وَقَالَ أَبُو بَكْر فِي كِتَابه : لَا يُجْمَع بَيْن مُتَفَرِّق وَلَا يُفَرَّق بَيْن مُجْتَمِع خَشْيَة الصَّدَقَة . وَنَهَى اِبْن عَبَّاس عَنْ دَرَاهِم بِدَرَاهِم بَيْنهمَا جَرِيرَة . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى مَنْع الْجَمْع بَيْن بَيْع وَسَلَف , وَعَلَى تَحْرِيم قَلِيل الْخَمْر وَإِنْ كَانَ لَا يُسْكِر , وَعَلَى تَحْرِيم الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عِنِّينًا , وَعَلَى تَحْرِيم النَّظَر إِلَى وَجْه الْمَرْأَة الشَّابَّة إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُر وَيُعْلَم عَلَى الْقَطْع وَالثَّبَات أَنَّ الشَّرْع حَكَمَ فِيهَا بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّهَا ذَرَائِع الْمُحَرَّمَات . وَالرِّبَا أَحَقّ مَا حُمِيَتْ مَرَاتِعه وَسُدَّتْ طَرَائِقه , وَمَنْ أَبَاحَ هَذِهِ الْأَسْبَاب فَلْيُبِحْ حَفْر الْبِئْر وَنَصْب الْحِبَالَات لِهَلَاكِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات , وَذَلِكَ لَا يَقُولهُ أَحَد . وَأَيْضًا فَقَدْ اِتَّفَقْنَا عَلَى مَنْع مَنْ بَاعَ بِالْعِينَةِ إِذَا عُرِفَ بِذَلِكَ وَكَانَتْ عَادَته , وَهِيَ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَاب . وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلصَّوَابِ .
رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَاب الْبَقَر وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَاد سَلَّطَ اللَّه عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينكُمْ ) . فِي إِسْنَاده أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْخُرَاسَانِيّ . لَيْسَ بِمَشْهُورٍ . وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيّ الْعِينَة فَقَالَ : هِيَ أَنْ يَبِيع مِنْ رَجُل سِلْعَة بِثَمَنٍ مَعْلُوم إِلَى أَجَل مُسَمًّى , ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِأَقَلّ مِنْ الثَّمَن الَّذِي بَاعَهَا بِهِ . قَالَ : فَإِنْ اِشْتَرَى بِحَضْرَةِ طَالِب الْعِينَة سِلْعَة مِنْ آخَر بِثَمَنٍ مَعْلُوم وَقَبَضَهَا ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ طَالِب الْعِينَة بِثَمَنٍ أَكْثَر مِمَّا اِشْتَرَاهُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى , ثُمَّ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِع الْأَوَّل بِالنَّقْدِ بِأَقَلّ مِنْ الثَّمَن , فَهَذِهِ أَيْضًا عِينَة , وَهِيَ أَهْوَن مِنْ الْأُولَى , وَهُوَ جَائِز عِنْد بَعْضهمْ . وَسُمِّيَتْ عِينَة لِحُضُورِ النَّقْد لِصَاحِبِ الْعِينَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَيْن هُوَ الْمَال الْحَاضِر وَالْمُشْتَرِي إِنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِيَبِيعَهَا بِعَيْنٍ حَاضِر يَصِل إِلَيْهِ مِنْ فَوْره .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَمَنْ بَاعَ سِلْعَة بِثَمَنٍ إِلَى أَجَل ثُمَّ اِبْتَاعَهَا بِثَمَنٍ مِنْ جِنْس الثَّمَن الَّذِي بَاعَهَا بِهِ , فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِنَقْدٍ , أَوْ إِلَى أَجَل دُون الْأَجَل الَّذِي بَاعَهَا إِلَيْهِ , أَوْ إِلَى أَبْعَد مِنْهُ , بِمِثْلِ الثَّمَن أَوْ بِأَقَلّ مِنْهُ أَوْ بِأَكْثَر , فَهَذِهِ ثَلَاث مَسَائِل : وَأَمَّا الْأُولَى وَالثَّانِيَة فَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الثَّمَن أَوْ أَكْثَر جَازَ , وَلَا يَجُوز بِأَقَلّ عَلَى مُقْتَضَى حَدِيث عَائِشَة ; لِأَنَّهُ أَعْطَى سِتّمِائَةٍ لِيَأْخُذ ثَمَانمِائَةٍ وَالسِّلْعَة لَغْو , وَهَذَا هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ . وَأَمَّا الثَّالِثَة إِلَى أَبْعَد مِنْ الْأَجَل , فَإِنْ كَانَ اِشْتَرَاهَا وَحْدهَا أَوْ زِيَادَة فَيَجُوز بِمِثْلِ الثَّمَن أَوْ أَقَلّ مِنْهُ , وَلَا يَجُوز بِأَكْثَر , فَإِنْ اِشْتَرَى بَعْضهَا فَلَا يَجُوز عَلَى كُلّ حَال لَا بِمِثْلِ الثَّمَن وَلَا بِأَقَلّ وَلَا بِأَكْثَر . وَمَسَائِل هَذَا الْبَاب حَصَرَهَا عُلَمَاؤُنَا فِي سَبْع وَعِشْرِينَ مَسْأَلَة , وَمَدَارهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَاعْلَمْ .
أَيْ مِنْ أَمْر الرِّبَا لَا تِبَاعَة عَلَيْهِ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة , قَالَهُ السُّدِّيّ وَغَيْره . وَهَذَا حُكْم مِنْ اللَّه تَعَالَى لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ كُفَّار قُرَيْش وَثَقِيف وَمَنْ كَانَ يَتَّجِر هُنَالِكَ . وَسَلَفَ : مَعْنَاهُ تَقَدَّمَ فِي الزَّمَن وَانْقَضَى .
فِيهِ أَرْبَع تَأْوِيلَات : أَحَدهَا أَنَّ الضَّمِير عَائِد إِلَى الرِّبَا , بِمَعْنَى وَأَمْر الرِّبَا إِلَى اللَّه فِي إِمْرَار تَحْرِيمه أَوْ غَيْر ذَلِكَ . وَالْآخَر أَنْ يَكُون الضَّمِير عَائِدًا عَلَى " مَا سَلَفَ " أَيْ أَمْره إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي الْعَفْو عَنْهُ وَإِسْقَاط التَّبِعَة فِيهِ . وَالثَّالِث أَنْ يَكُون الضَّمِير عَائِدًا عَلَى ذِي الرِّبَا , بِمَعْنَى أَمْره إِلَى اللَّه فِي أَنْ يُثْبِتهُ عَلَى الِانْتِهَاء أَوْ يُعِيدهُ إِلَى الْمَعْصِيَة فِي الرِّبَا . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس , قَالَ : وَهَذَا قَوْل حَسَن بَيِّن , أَيْ وَأَمْره إِلَى اللَّه فِي الْمُسْتَقْبَل إِنْ شَاءَ ثَبَّتَهُ عَلَى التَّحْرِيم وَإِنْ شَاءَ أَبَاحَهُ . وَالرَّابِع أَنْ يَعُود الضَّمِير عَلَى الْمُنْتَهَى , وَلَكِنْ بِمَعْنَى التَّأْنِيس لَهُ وَبَسْط أَمَله فِي الْخَيْر , كَمَا تَقُول : وَأَمْره إِلَى طَاعَة وَخَيْر , وَكَمَا تَقُول : وَأَمْره فِي نُمُوّ وَإِقْبَال إِلَى اللَّه تَعَالَى وَإِلَى طَاعَته .
يَعْنِي إِلَى فِعْل الرِّبَا حَتَّى يَمُوت , قَالَهُ سُفْيَان . وَقَالَ غَيْره : مَنْ عَادَ فَقَالَ إِنَّمَا الْبَيْع مِثْل الرِّبَا فَقَدْ كَفَرَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : إِنْ قَدَّرْنَا الْآيَة فِي كَافِر فَالْخُلُود خُلُود تَأْبِيد حَقِيقِيّ , وَإِنْ لَحَظْنَاهَا فِي مُسْلِم عَاصٍ فَهَذَا خُلُود مُسْتَعَار عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَة , كَمَا تَقُول الْعَرَب : مُلْك خَالِد , عِبَارَة عَنْ دَوَام مَا لَا يَبْقَى عَلَى التَّأْبِيد الْحَقِيقِيّ .