تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ٢٧٢

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿٢٧٢﴾
هَذَا الْكَلَام مُتَّصِل بِذِكْرِ الصَّدَقَات , فَكَأَنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ جَوَاز الصَّدَقَة عَلَى الْمُشْرِكِينَ . رَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر مُرْسَلًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ عَلَى فُقَرَاء أَهْل الذِّمَّة , فَلَمَّا كَثُرَ فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَتَصَدَّقُوا إِلَّا عَلَى أَهْل دِينكُمْ ) . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة مُبِيحَة لِلصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ دِين الْإِسْلَام . وَذَكَرَ النَّقَّاش أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِصَدَقَاتٍ فَجَاءَهُ يَهُودِيّ فَقَالَ : أَعْطِنِي . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ لَك مِنْ صَدَقَة الْمُسْلِمِينَ شَيْء ) . فَذَهَبَ الْيَهُودِيّ غَيْر بَعِيد فَنَزَلَتْ : " لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ " فَدَعَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ , ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِآيَةِ الصَّدَقَات . وَرَوَى اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ الْأَنْصَار لَهُمْ قَرَابَات مِنْ بَنِي قُرَيْظَة وَالنَّضِير , وَكَانُوا لَا يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ رَغْبَة مِنْهُمْ فِي أَنْ يُسْلِمُوا إِذَا اِحْتَاجُوا , فَنَزَلَتْ الْآيَة بِسَبَبِ أُولَئِكَ . وَحَكَى بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ أَسْمَاء اِبْنَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَرَادَتْ أَنْ تَصِل جَدّهَا أَبَا قُحَافَة ثُمَّ اِمْتَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَافِرًا فَنَزَلَتْ الْآيَة فِي ذَلِكَ . وَحَكَى الطَّبَرِيّ أَنَّ مَقْصِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْعِ الصَّدَقَة إِنَّمَا كَانَ لِيُسْلِمُوا وَيَدْخُلُوا فِي الدِّين , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ " . وَقِيلَ : " وَعَلَيْك هُدَاهُمْ " لَيْسَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْل , فَيَكُون ظَاهِرًا فِي الصَّدَقَات وَصَرْفِهَا إِلَى الْكُفَّار , بَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ اِبْتِدَاء كَلَام .

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ الصَّدَقَة الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُمْ حَسَب مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآثَار هِيَ صَدَقَة التَّطَوُّع . وَأَمَّا الْمَفْرُوضَة فَلَا يُجْزِئ دَفْعهَا لِكَافِرٍ , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أُمِرْت أَنْ آخُذ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ ) . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ كُلّ مَنْ أَحْفَظ عَنْهُ , مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ الذِّمِّيّ لَا يُعْطَى مِنْ زَكَاة الْأَمْوَال شَيْئًا , ثُمَّ ذَكَرَ جَمَاعَة مِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُر خِلَافًا . وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ : رَخَّصَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَرَابَاتهمْ مِنْ صَدَقَة الْفَرِيضَة لِهَذِهِ الْآيَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا مَرْدُود بِالْإِجْمَاعِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تُصْرَف إِلَيْهِمْ زَكَاة الْفِطْر . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا ضَعِيف لَا أَصْل لَهُ . وَدَلِيلنَا أَنَّهَا صَدَقَة طُهْرَة وَاجِبَة فَلَا تُصْرَف إِلَى الْكَافِر كَصَدَقَةِ الْمَاشِيَة وَالْعَيْن , وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَال هَذَا الْيَوْم ) يَعْنِي يَوْم الْفِطْر .

قُلْت : وَذَلِكَ لِتَشَاغُلِهِمْ بِالْعِيدِ وَصَلَاة الْعِيد وَهَذَا لَا يَتَحَقَّق فِي الْمُشْرِكِينَ . وَقَدْ يَجُوز صَرْفهَا إِلَى غَيْر الْمُسْلِم فِي قَوْل مَنْ جَعْلهَا سُنَّة , وَهُوَ أَحَد الْقَوْلَيْنِ عِنْدنَا , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة عَلَى مَا ذَكَرْنَا , نَظَرًا إِلَى عُمُوم الْآيَة فِي الْبِرّ وَإِطْعَام الطَّعَام وَإِطْلَاق الصَّدَقَات . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا الْحُكْم مُتَصَوَّر لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْل ذِمَّتهمْ وَمَعَ الْمُسْتَرَقِّينَ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ .

قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَام عَلَى حُبّه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا " [ الْإِنْسَان : 8 ] وَالْأَسِير فِي دَار الْإِسْلَام لَا يَكُون إِلَّا مُشْرِكًا . وَقَالَ تَعَالَى : " لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ " [ الْمُمْتَحِنَة : 8 ] . فَظَوَاهِر هَذِهِ الْآيَات تَقْتَضِي جَوَاز صَرْف الصَّدَقَات إِلَيْهِمْ جُمْلَة , إِلَّا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ مِنْهَا الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِمُعَاذٍ : ( خُذْ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ ) وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . فَيُدْفَع إِلَيْهِمْ مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع إِذَا اِحْتَاجُوا , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَأَمَّا الْمُسْلِم الْعَاصِي فَلَا خِلَاف أَنَّ صَدَقَة الْفِطْر تُصْرَف إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا كَانَ يَتْرُك أَرْكَان الْإِسْلَام مِنْ الصَّلَاة وَالصِّيَام فَلَا تُدْفَع إِلَيْهِ الصَّدَقَة حَتَّى يَتُوب . وَسَائِر أَهْل الْمَعَاصِي تُصْرَف الصَّدَقَة إِلَى مُرْتَكِبِيهَا لِدُخُولِهِمْ فِي اِسْم الْمُسْلِمِينَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيّ وَسَارِق وَزَانِيَة وَتُقُبِّلَتْ صَدَقَته , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي آيَة " الصَّدَقَات " .


أَيْ يُرْشِد مَنْ يَشَاء . وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَطَوَائِف مِنْ الْمُعْتَزِلَة , كَمَا تَقَدَّمَ .



شَرْط وَجَوَابه . وَالْخَيْر فِي هَذِهِ الْآيَة الْمَال ; لِأَنَّهُ قَدْ اِقْتَرَنَ بِذِكْرِ الْإِنْفَاق فَهَذِهِ الْقَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ الْمَال , وَمَتَى لَمْ تَقْتَرِن بِمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ الْمَال فَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمَال , نَحْو قَوْله تَعَالَى : " خَيْر مُسْتَقَرًّا " [ الْفُرْقَان : 24 ] وَقَوْله " مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ " [ الزَّلْزَلَة : 7 ] . إِلَى غَيْر ذَلِكَ . وَهَذَا تَحَرُّز مِنْ قَوْل عِكْرِمَة : كُلّ خَيْر فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى فَهُوَ الْمَال . وَحُكِيَ أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء كَانَ يَصْنَع كَثِيرًا مِنْ الْمَعْرُوف ثُمَّ يَحْلِف أَنَّهُ مَا فَعَلَ مَعَ أَحَد خَيْرًا , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَقُول : إِنَّمَا فَعَلْت مَعَ نَفْسِي , وَيَتْلُو " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ " . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ النَّفَقَة الْمُعْتَدّ بِقَبُولِهَا إِنَّمَا هِيَ مَا كَانَ اِبْتِغَاء وَجْهه . و " اِبْتِغَاء " هُوَ عَلَى الْمَفْعُول لَهُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ شَهَادَة مِنْ اللَّه تَعَالَى لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُنْفِقُونَ اِبْتِغَاء وَجْهه , فَهَذَا خَرَجَ مَخْرَج التَّفْضِيل وَالثَّنَاء عَلَيْهِمْ . وَعَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل هُوَ اِشْتِرَاط عَلَيْهِمْ , وَيَتَنَاوَل الِاشْتِرَاط غَيْرهمْ مِنْ الْأُمَّة . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص : ( إِنَّك لَنْ تُنْفِق نَفَقَة تَبْتَغِي بِهَا وَجْه اللَّه تَعَالَى إِلَّا أُجِرْت بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَل فِي فِي اِمْرَأَتك ) .



" يُوَفَّ إِلَيْكُمْ " تَأْكِيد وَبَيَان لِقَوْلِهِ : " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ " وَأَنَّ ثَوَاب الْإِنْفَاق يُوَفَّى إِلَى الْمُنْفِقِينَ وَلَا يُبْخَسُونَ مِنْهُ شَيْئًا فَيَكُون ذَلِكَ الْبَخْس ظُلْمًا لَهُمْ .
أي: إنما عليك - أيها الرسول - البلاغ, وحث الناس على الخير, وزجرهم عن الشر, وأما الهداية, فبيد الله تعالى: ويخبر عن المؤمنين حقا, أنهم لا ينفقون إلا لطلب مرضاة ربهم, واحتساب ثوابه, لأن إيمانهم, يدعوهم إلى ذلك.
فهذا خير وتزكية للمؤمنين, ويتضمن التذكير لهم, بالإخلاص.
وكرر علمه - تعالى - بنفقاتهم, لإعلامهم أنه لا يضيع عنده, مثقال ذرة " وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " .
لست -أيها الرسول- مسئولا عن توفيق الكافرين للهداية، ولكن الله يشرح صدور مَن يشاء لدينه، ويوفقه له. وما تبذلوا من مال يَعُدْ عليكم نَفْعُه من الله، والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله. وما تنفقوا من مال -مخلصين لله- توفوا ثوابه، ولا تُنْقَصُوا شيئا من ذلك. وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به سبحانه.
وَلَمَّا مَنَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّصَدُّق عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِيُسْلِمُوا نَزَلَ "لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ" أَيْ النَّاس إلَى الدُّخُول فِي الْإِسْلَام إنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ "وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء" هِدَايَته إلَى الدُّخُول فِيهِ "وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر" مَال "فَلِأَنْفُسِكُمْ" لِأَنَّ ثَوَابه لَهَا "وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاء وَجْه اللَّه" أَيْ ثَوَابه لَا غَيْره مِنْ أَعْرَاض الدُّنْيَا خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي "وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إلَيْكُمْ" جَزَاؤُهُ "وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ" تُنْقِصُونَ مِنْهُ شَيْئًا وَالْجُمْلَتَانِ تَأْكِيد لِلْأُولَى
قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام بْن عَبْد الرَّحِيم أَنْبَأَنَا الْفِرْيَابِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ جَعْفَر بْن إِيَاس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَرْضَخُوا لِأَنْسَابِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَسَأَلُوا فَرَخَّصَ لَهُمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ " وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَة وَابْن الْمُبَارَك وَأَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ وَأَبُو دَاوُد الْحَضْرَمِيّ عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ بِهِ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن الْقَاسِم بْن عَطِيَّة حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن يَعْنِي الدَّشْتَكِيّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَشْعَث بْن إِسْحَاق عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَأْمُر بِأَنْ لَا يُتَصَدَّق إِلَّا عَلَى أَهْل الْإِسْلَام حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ " إِلَى آخِرهَا فَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ بَعْدهَا عَلَى كُلّ مَنْ سَأَلَك مِنْ كُلّ دِين وَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله تَعَالَى" لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ " الْآيَة حَدِيث أَسْمَاء بِنْت الصِّدِّيق فِي ذَلِكَ وَقَوْله " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ" كَقَوْلِهِ " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ " وَنَظَائِرهَا فِي الْقُرْآن كَثِيرَة وَقَوْله " وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه " قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : نَفَقَةُ الْمُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ وَلَا يُنْفِق الْمُؤْمِن إِذَا أَنْفَقَ إِلَّا اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : يَعْنِي إِذَا أَعْطَيْت لِوَجْهِ اللَّه فَلَا عَلَيْك مَا كَانَ عَمَله وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَحَاصِله أَنَّ الْمُتَصَدِّق إِذَا تَصَدَّقَ اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه فَقَدْ وَقَعَ أَجْره عَلَى اللَّه وَلَا عَلَيْهِ فِي نَفْس الْأَمْر لِمَنْ أَصَابَ الْبَرّ أَوْ فَاجِر أَوْ مُسْتَحِقّ أَوْ غَيْره وَهُوَ مُثَاب عَلَى قَصْده وَمُسْتَنَد هَذَا تَمَام الْآيَة " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ " وَالْحَدِيث الْمُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ رَجُل لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَة بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَد زَانِيَةٍ فَأَصْبَحَ النَّاس يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى زَانِيَة فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى زَانِيَة لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَة بِصَدَقَةٍ فَوَضَعَهَا فِي يَد غَنِيّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَة عَلَى غَنِيّ قَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى غَنِيّ لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَة بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ فَوَضَعَهَا فِي يَد سَارِق فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَة عَلَى سَارِق فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى زَانِيَة وَعَلَى غَنِيّ وَعَلَى سَارِق فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتك فَقَدْ قُبِلَتْ وَأَمَّا الزَّانِيَة فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ بِهَا عَنْ زِنًا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يَعْتَبِر فَيُنْفِق مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّه وَلَعَلَّ السَّارِق أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهَا عَنْ سَرِقَته .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاء وَجْه اللَّه وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : لَيْسَ عَلَيْك يَا مُحَمَّد هُدَى الْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِسْلَام , فَتَمْنَعهُمْ صَدَقَة التَّطَوُّع , وَلَا تُعْطِيهِمْ مِنْهَا لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام حَاجَة مِنْهُمْ إلَيْهَا , وَلَكِنَّ اللَّه هُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه إلَى الْإِسْلَام فَيُوَفِّقهُمْ لَهُ , فَلَا تَمْنَعهُمْ الصَّدَقَة . كَمَا : 4853 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَصَدَّق عَلَى الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاء وَجْه اللَّه } فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ . 4854 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . 4855 - حَدَّثَنَا ابْن



وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَرْضَخُوا لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَأَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَا : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِأَنْسِبَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } فَرَخَّصَ لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ أُنَاس مِنْ الْأَنْصَار لَهُمْ أَنْسِبَاء وَقَرَابَة مِنْ قُرَيْظَة وَالنَّضِير , وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ , وَيُرِيدُونَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ . .. } الْآيَة . 4856 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب نَبِيّ اللَّه قَالُوا : أَنَتَصَدَّقُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل دِيننَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ الْقُرْآن : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ } . 4857 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } قَالَ : كَانَ الرَّجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ بَيْنه وَبَيْن الرَّجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَرَابَة وَهُوَ مُحْتَاج فَلَا يَتَصَدَّق عَلَيْهِ يَقُول : لَيْسَ مِنْ أَهْل دِينِي , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ . .. } الْآيَة . 4858 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ } أَمَّا { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ } فَيَعْنِي الْمُشْرِكِينَ , وَأَمَّا النَّفَقَة فَبَيَّنَ أَهْلهَا . 4859 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ . .. 4860 - كَمَا حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } قَالَ : هُوَ مَرْدُود عَلَيْك , فَمَالَك وَلِهَذَا تُؤْذِيه وَتَمُنّ عَلَيْهِ , إنَّمَا نَفَقَتك لِنَفْسِك وَابْتِغَاء وَجْه اللَّه , وَاَللَّه يَجْزِيك .
مشاركة الموضوع