تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ٢٣١

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًۭا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿٢٣١﴾
مَعْنَى " بَلَغْنَ " قَارَبْنَ , بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْعُلَمَاء , وَلِأَنَّ الْمَعْنَى يُضْطَرّ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ بَعْد بُلُوغ الْأَجَل لَا خِيَار لَهُ فِي الْإِمْسَاك , وَهُوَ فِي الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا بِمَعْنَى التَّنَاهِي ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ , فَهُوَ حَقِيقَة فِي الثَّانِيَة مَجَاز فِي الْأُولَى .



الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الْقِيَام بِمَا يَجِب لَهَا مِنْ حَقّ عَلَى زَوْجهَا , وَلِذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّ مِنْ الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ أَنَّ الزَّوْج إِذَا لَمْ يَجِد مَا يُنْفِق عَلَى الزَّوْجَة أَنْ يُطَلِّقهَا , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل خَرَجَ عَنْ حَدّ الْمَعْرُوف , فَيُطَلِّق عَلَيْهِ الْحَاكِم مِنْ أَجْل الضَّرَر اللَّاحِق لَهَا مِنْ بَقَائِهَا عِنْد مَنْ لَا يَقْدِر عَلَى نَفَقَتهَا , وَالْجُوع لَا صَبْر عَلَيْهِ , وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْد وَيَحْيَى الْقَطَّان وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , وَقَالَهُ مِنْ الصَّحَابَة عُمَر وَعَلِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة , وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ سُنَّة . وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يُفَرَّق بَيْنهمَا , وَيَلْزَمهَا الصَّبْر عَلَيْهِ , وَتَتَعَلَّق النَّفَقَة بِذِمَّتِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِم , وَهَذَا قَوْل عَطَاء وَالزُّهْرِيّ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْرِيّ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إِلَى مَيْسَرَة " [ الْبَقَرَة : 280 ] وَقَالَ : " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ " [ النُّور : 32 ] الْآيَة , فَنَدَبَ تَعَالَى إِلَى إِنْكَاح الْفَقِير , فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْفَقْر سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ , وَهُوَ مَنْدُوب مَعَهُ إِلَى النِّكَاح . وَأَيْضًا فَإِنَّ النِّكَاح بَيْن الزَّوْجَيْنِ قَدْ اِنْعَقَدَ بِإِجْمَاعٍ فَلَا يُفَرَّق بَيْنهمَا إِلَّا بِإِجْمَاعٍ مِثْله , أَوْ بِسُنَّةٍ عَنْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مُعَارِض لَهَا . وَالْحُجَّة لِلْأَوَّلِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : ( تَقُول الْمَرْأَة إِمَّا أَنْ تُطْعِمنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقنِي ) فَهَذَا نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف . وَالْفُرْقَة بِالْإِعْسَارِ عِنْدنَا طَلْقَة رَجْعِيَّة خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْله : إِنَّهَا طَلْقَة بَائِنَة ; لِأَنَّ هَذِهِ فُرْقَة بَعْد الْبِنَاء لَمْ يُسْتَكْمَل بِهَا عَدَد الطَّلَاق وَلَا كَانَتْ لِعِوَضٍ وَلَا لِضَرَرٍ بِالزَّوْجِ فَكَانَتْ رَجْعِيَّة , أَصْله طَلَاق الْمُولِي .



يَعْنِي فَطَلِّقُوهُنَّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ .



رَوَى مَالِك عَنْ ثَوْر بْن زَيْد الدِّيلِيّ : أَنَّ الرَّجُل كَانَ يُطَلِّق اِمْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا وَلَا حَاجَة لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيد إِمْسَاكهَا , كَيْمَا يُطَوِّل بِذَلِكَ الْعِدَّة عَلَيْهَا وَلِيُضَارّهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه " يَعِظهُمْ اللَّه بِهِ . وَقَالَ الزَّجَّاج : " فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه " يَعْنِي عَرَّضَ نَفْسه لِلْعَذَابِ ; لِأَنَّ إِتْيَان مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ تَعَرُّض لِعَذَابِ اللَّه . وَهَذَا الْخَبَر مُوَافِق لِلْخَبَرِ الَّذِي نَزَلَ بِتَرْكِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ الطَّلَاق وَالِارْتِجَاع حَسَب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه عِنْد قَوْله تَعَالَى : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " . فَأَفَادَنَا هَذَانِ الْخَبَرَانِ أَنَّ نُزُول الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ كَانَ فِي مَعْنًى وَاحِد مُتَقَارِب وَذَلِكَ حَبْس الرَّجُل الْمَرْأَة وَمُرَاجَعَته لَهَا قَاصِدًا إِلَى الْإِضْرَار بِهَا , وَهَذَا ظَاهِر .



مَعْنَاهُ لَا تَتَّخِذُوا أَحْكَام اللَّه تَعَالَى فِي طَرِيق الْهُزْو بِالْهُزْوِ فَإِنَّهَا جِدّ كُلّهَا , فَمَنْ هَزَلَ فِيهَا لَزِمَتْهُ . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق فِي الْجَاهِلِيَّة وَيَقُول : إِنَّمَا طَلَّقْت وَأَنَا لَاعِب , وَكَانَ يُعْتِق وَيَنْكِح وَيَقُول : كُنْت لَاعِبًا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ طَلَّقَ أَوْ حَرَّرَ أَوْ نَكَحَ أَوْ أَنْكَحَ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَاعِب فَهُوَ جِدّ ) . رَوَاهُ مَعْمَر قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن يُونُس عَنْ عَمْرو عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ . وَفِي مُوَطَّإِ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس : إِنِّي طَلَّقْت اِمْرَأَتِي مِائَة مَرَّة فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( طُلِّقَتْ مِنْك بِثَلَاثٍ , وَسَبْع وَتِسْعُونَ اِتَّخَذْت بِهَا آيَات اللَّه هُزُوًا ) . وَخَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة الْقُرَشِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ : سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا طَلَّقَ الْبَتَّة فَغَضِبَ وَقَالَ : ( تَتَّخِذُونَ آيَات اللَّه هُزُوًا - أَوْ دِين اللَّه هُزُوًا وَلَعِبًا مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّة أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره ) . إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة هَذَا كُوفِيّ ضَعِيف الْحَدِيث . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَة : ( أَنَّ الرَّجُل كَانَ يُطَلِّق اِمْرَأَته ثُمَّ يَقُول : وَاَللَّه لَا أُوَرِّثك وَلَا أَدَعك . قَالَتْ : وَكَيْف ذَاكَ ؟ قَالَ : إِذَا كِدْت تَقْضِينَ عِدَّتك رَاجَعْتُك ) , فَنَزَلَتْ : " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْأَقْوَال كُلّهَا دَاخِلَة فِي مَعْنَى الْآيَة ; لِأَنَّهُ يُقَال لِمَنْ سَخِرَ مِنْ آيَات اللَّه : اِتَّخَذَهَا هُزُوًا . وَيُقَال ذَلِكَ لِمَنْ كَفَرَ بِهَا , وَيُقَال ذَلِكَ لِمَنْ طَرَحَهَا وَلَمْ يَأْخُذ بِهَا وَعَمِلَ بِغَيْرِهَا , فَعَلَى هَذَا تَدْخُل هَذِهِ الْأَقْوَال فِي الْآيَة . وَآيَات اللَّه : دَلَائِله وَأَمْره وَنَهْيه . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مَنْ طَلَّقَ هَازِلًا أَنَّ الطَّلَاق يَلْزَمهُ , وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْره عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( ثَلَاث جِدّهنَّ جِدّ وَهَزْلهنَّ جِدّ النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة ) . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن مَسْعُود وَأَبِي الدَّرْدَاء كُلّهمْ قَالُوا : ( ثَلَاث لَا لَعِب فِيهِنَّ وَاللَّاعِب فِيهِنَّ جَادّ : النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعَتَاق ) . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَتْرُكُوا أَوَامِر اللَّه فَتَكُونُوا مُقَصِّرِينَ لَاعِبِينَ . وَيَدْخُل فِي هَذِهِ الْآيَة الِاسْتِغْفَار مِنْ الذَّنْب قَوْلًا مَعَ الْإِصْرَار فِعْلًا , وَكَذَا كُلّ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَاعْلَمْهُ .



أَيْ بِالْإِسْلَامِ وَبَيَان الْأَحْكَام .


" وَالْحِكْمَة " هِيَ السُّنَّة الْمُبَيِّنَة عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَادَ اللَّه فِيمَا لَمْ يَنُصّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَاب .


أَيْ يُخَوِّفكُمْ .


أَيْ فِي مَا فَرَضَهُ عَلَيْكُمْ وَقِيلَ هُوَ أَمْر بِالتَّقْوَى عَلَى الْعُمُوم وَتَحْذِير مِنْ شِدَّة عِقَابه


أَيْ بِمَا خَلَقَ وَهُوَ خَالِق كُلّ شَيْء , فَوَجَبَ أَنْ يَكُون عَالِمًا بِكُلِّ شَيْء , وَقَدْ قَالَ : " أَلَا يَعْلَم مَنْ خَلَقَ " [ الْمُلْك : 14 ] فَهُوَ الْعَالِم وَالْعَلِيم بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَات بِعِلْمٍ قَدِيم أَزَلِيّ وَاحِد قَائِم بِذَاتِهِ , وَوَافَقَنَا الْمُعْتَزِلَة عَلَى الْعَالِمِيَّة دُون الْعِلْمِيَّة . وَقَالَتْ الْجَهْمِيَّة : عَالِم بِعِلْمٍ قَائِم لَا فِي مَحَلّ , تَعَالَى اللَّه عَنْ قَوْل أَهْل الزَّيْغ وَالضَّلَالَات , وَالرَّدّ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي كُتُب الدِّيَانَات . وَقَدْ وَصَفَ نَفْسه سُبْحَانه بِالْعِلْمِ فَقَالَ : " أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَة يَشْهَدُونَ " [ النِّسَاء : 166 ] , وَقَالَ : " فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّه " [ هُود : 14 ] , وَقَالَ : " فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ " [ الْأَعْرَاف : 7 ] , وَقَالَ : " وَمَا تَحْمِل مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَع إِلَّا بِعِلْمِهِ " [ فَاطِر : 11 ] , وَقَالَ : " وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب لَا يَعْلَمهَا إِلَّا هُوَ " [ الْأَنْعَام : 59 ] الْآيَة . وَسَنَدُلُّ عَلَى ثُبُوت عِلْمه وَسَائِر صِفَاته فِي هَذِهِ السُّورَة عِنْد قَوْله : " يُرِيد اللَّه بِكُمْ الْيُسْر وَلَا يُرِيد بِكُمْ الْعُسْر " [ الْبَقَرَة : 185 ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَقَالُون عَنْ نَافِع بِإِسْكَانِ الْهَاء مِنْ : هُو وَهِي , إِذَا كَانَ قَبْلهَا فَاء أَوْ وَاو أَوْ لَام أَوْ ثُمَّ , وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو عَمْرو إِلَّا مَعَ ثُمَّ . وَزَادَ أَبُو عَوْن عَنْ الْحَلْوَانِيّ عَنْ قَالُون إِسْكَان الْهَاء مِنْ " أَنْ يُمِلّ هُو " وَالْبَاقُونَ بِالتَّحْرِيكِ .
ثم قال تعالى: " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ " أي: طلاقا رجعيا بواحدة أو اثنتين.
" فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ " أي: قاربن انقضاء عدتهن.
" فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ " أي: إما أن تراجعوهن, ونيتكم القيام بحقوقهن, أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار, ولهذا قال: " وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا " أي: مضارة بهن " لِتَعْتَدُوا " في فعلكم هذا الحلال, إلى الحرام.
فالحلال: الإمساك بالمعروف, والحرام: المضارة.
" وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ " ولو كان الحق يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار.
" وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا " لما بين تعالى حدوده غاية التبيين, وكان المقصود, العلم بها والعمل, والوقوف معها, وعدم مجاوزتها, لأنه تعالى لم ينزلها عبثا, بل أنزلها بالحق والصدق والجد, نهى عن اتخاذها هزوا, أي: لعبا بها, وهو
التجرى عليها, وعدم الامتثال لواجبها.
مثل استعمال المضارة في الإمساك, أو الفراق, أو كثرة الطلاق, أو جمع الثلات.
والله - من رحمته - جعل له واحدة بعد واحدة, رفقا به وسعيا في مصلحته.
" وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " عموما باللسان, حمدا وثناء.
بالقلب, اعترافا, وإقرارا, وبالأركان, بصرفها في طاعة الله.
" وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ " أي: السنة اللذين بين لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها, وطرق الشر وحذركم إياها, وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه, وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.
وقيل: المراد بالحكمة: أسرار الشريعة, فالكتاب فيه, الحكم.
والحكمة فيها, بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه.
وكلا المعنيين صحيح.
ولهذا قال " يَعِظُكُمْ بِهِ " أي: بما أنزل عليكم, وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة, أسرار الشريعة, لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة, والترغيب, أو الترهيب, فالحكم به, يزول الجهل.
والحكمة مع الترغيب, يوجب الرغبة.
والحكمة مع الترهيب, يوجب الرهبة " وَاتَّقُوا اللَّهَ " في جميع أموركم " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " فلهذا بين لكم هذه الأحكام, التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان, فله الحمد والمنة.
وإذا طَلَّقتم النساء فقاربن انتهاء عدتهن، فراجعوهن، ونيتكم القيام بحقوقهن على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. واحذروا أن تكون مراجعتهن بقصد الإضرار بهن لأجل الاعتداء على حقوقهن. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه باستحقاقه العقوبة، ولا تتخذوا آيات الله وأحكامه لعبًا ولهوًا. واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وتفصيل الأحكام. واذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة، واشكروا له سبحانه على هذه النعم الجليلة، يُذكِّركم الله بهذا، ويخوفكم من المخالفة، فخافوا الله وراقبوه، واعلموا أن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، وسيجازي كلا بما يستحق.
"وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ" قَارَبْنَ انْقِضَاء عِدَّتهنَّ "فَأَمْسِكُوهُنَّ" بِأَنْ تُرَاجِعُوهُنَّ "بِمَعْرُوفٍ" مِنْ غَيْر ضَرَر "أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" اُتْرُكُوهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهنَّ "وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ" بِالرَّجْعَةِ "ضِرَارًا" مَفْعُول لِأَجْلِهِ "لِتَعْتَدُوا" عَلَيْهِنَّ بِالْإِلْجَاءِ إلَى الِافْتِدَاء وَالتَّطْلِيق . وَتَطْوِيل الْحَبْس "وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه" بِتَعْرِيضِهَا إلَى عَذَاب اللَّه "وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا" مَهْزُوءًا بِهَا بِمُخَالَفَتِهَا "وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ" بِالْإِسْلَامِ "وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَاب" الْقُرْآن "وَالْحِكْمَة" مَا فِيهِ مِنْ الْأَحْكَام "يَعِظكُمْ بِهِ" بِأَنْ تَشْكُرُوهَا بِالْعَمَلِ بِهِ "وَاتَّقُوا اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم" وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء
هَذَا أَمْر مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِلرِّجَالِ إِذَا طَلَّقَ أَحَدهمْ الْمَرْأَة طَلَاقًا لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَة أَنْ يُحْسِن فِي أَمْرهَا إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا مِقْدَار مَا يُمْكِنهُ فِيهِ رَجْعَتهَا فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكهَا أَيْ يَرْتَجِعهَا إِلَى عِصْمَة نِكَاحه بِمَعْرُوفٍ وَهُوَ أَنْ يَشْهَد عَلَى رَجْعَتهَا وَيَنْوِي عِشْرَتهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُسَرِّحهَا أَيْ يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا وَيُخْرِجهَا مِنْ مَنْزِله بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن مِنْ غَيْر شِقَاق وَلَا مُخَاصَمَة وَلَا تَقَابُح قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا" قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَمَسْرُوق وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالرَّبِيع وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَغَيْر وَاحِد : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق الْمَرْأَة فَإِذَا قَارَبَتْ اِنْقِضَاء الْعِدَّة رَاجَعَهَا ضِرَارًا لِئَلَّا تَذْهَب إِلَى غَيْره ثُمَّ يُطَلِّقهَا فَتَعْتَدّ فَإِذَا شَارَفَتْ عَلَى اِنْقِضَاء الْعِدَّة طَلَّقَ لِتَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّة فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ " وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه " أَيْ بِمُخَالَفَتِهِ أَمْر اللَّه تَعَالَى . وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " قَالَ اِبْن جَرِير : عِنْد هَذِهِ الْآيَة أَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْب أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بِنَّ مَنْصُور عَنْ عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي الْعَلَاء الْأَزْدِيّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَتَاهُ أَبُو مُوسَى فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَغَضِبْت عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ ؟ فَقَالَ " يَقُول أَحَدكُمْ قَدْ طَلَّقْت قَدْ رَاجَعْت لَيْسَ هَذَا طَلَاق الْمُسْلِمِينَ طَلِّقُوا الْمَرْأَة فِي قُبُل عِدَّتهَا " ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي خَالِد الدَّلَّال وَهُوَ يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَفِيهِ كَلَامٌ . وَقَالَ مَسْرُوق : هُوَ الَّذِي يُطَلِّق فِي غَيْر كُنْهه وَيُضَارّ اِمْرَأَته بِطَلَاقِهَا وَارْتِجَاعهَا لِتَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّة . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالرَّبِيع وَمُقَاتِل بْن حَيَّان : هُوَ الرَّجُل يُطَلِّق وَيَقُول : كُنْت لَاعِبًا أَوْ يُعْتِق أَوْ يَنْكِح وَيَقُول كُنْت لَاعِبًا فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " فَأَلْزَم اللَّه بِذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الصَّيْرَفِيّ حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن مُحَمَّد السِّمْسَار عَنْ إِسْمَاعِيل بْن يَحْيَى عَنْ سُفْيَان عَنْ لَيْث عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : طَلَّقَ رَجُل اِمْرَأَته وَهُوَ يَلْعَب لَا يُرِيد الطَّلَاق فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " فَأَلْزَمَهُ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّلَاق . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا عِصَام بْن رَوَّاد حَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا الْمُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن هُوَ الْبَصْرِيّ قَالَ كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق وَيَقُول : كُنْت لَاعِبًا وَيُعْتِق وَيَقُول : كُنْت لَاعِبًا وَيَنْكِح وَيَقُول : كُنْت لَاعِبًا فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " . وَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَكَحَ أَوْ أَنْكَحَ جَادًّا أَوْ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ عَلَيْهِ " . وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم عَنْ الْحَسَن مِثْله وَهَذَا مُرْسَل وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَوْقُوفًا عَلَيْهِ . وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن بْن أَيُّوب حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن أَبِي يَعْقُوب حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَلَمَة عَنْ الْحَسَن عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " . قَالَ : كَانَ الرَّجُل عَلَى عَهْد النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول لِلرَّجُلِ زَوْجَتك اِبْنَتِي ثُمَّ يَقُول : كُنْت لَاعِبًا وَيَقُول : قَدْ أَعْتَقْت وَيَقُول : كُنْت لَاعِبًا فَأَنْزَلَ اللَّه" وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " . فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ثَلَاث مَنْ قَالَهُنَّ لَاعِبًا أَوْ غَيْر لَاعِب فَهُنَّ جَائِزَات عَلَيْهِ الطَّلَاق وَالْعَتَاق وَالنِّكَاح " وَالْمَشْهُور فِي هَذَا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن حَبِيب بْن أَدْرَكَ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن مَاهَكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ثَلَاث جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن غَرِيب . وَقَوْله " وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ " أَيْ فِي إِرْسَاله الرَّسُول بِالْهُدَى وَالْبَيِّنَات إِلَيْكُمْ " وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة " أَيْ السُّنَّة " يَعِظُكُمْ بِهِ " أَيْ يَأْمُرُكُمْ وَيَنْهَاكُمْ وَيَتَوَعَّدكُمْ عَلَى اِرْتِكَاب الْمَحَارِم " وَاتَّقُوا اللَّه " أَيْ فِيمَا تَأْتُونَ وَفِيمَا تَذَرُونَ " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أُمُوركُمْ السِّرِّيَّة وَالْجَهْرِيَّة وَسَيُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلّهنَّ فَأَمْسَكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرَحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَإِذَا طَلَّقْتُمْ أَيّهَا الرِّجَال نِسَاءَكُمْ فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ , يَعْنِي مِيقَاتهنَّ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُنَّ مِنْ انْقِضَاء الْأَقْرَاء الثَّلَاثَة إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الْأَقْرَاء وَانْقِضَاء الْأَشْهُر , إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الشُّهُور , { فَأَمْسِكُوهُنَّ } يَقُول : فَرَاجِعُوهُنَّ إنْ أَرَدْتُمْ رَجْعَتهنَّ فِي الطَّلْقَة الَّتِي فِيهَا رَجْعَة , وَذَلِكَ إمَّا فِي التَّطْلِيقَة الْوَاحِدَة أَوْ التَّطْلِيقَتَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } 2 229 وَأَمَّا قَوْله : { بِمَعْرُوفٍ } فَإِنَّهُ عَنَى بِمَا أَذِنَ بِهِ مِنْ الرَّجْعَة مِنْ الْإِشْهَاد عَلَى الرَّجْعَة قَبْل انْقِضَاء الْعِدَّة دُون الرَّجْعَة بِالْوَطْءِ وَالْجِمَاع , لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوز لِلرَّجُلِ بَعْد الرَّجْعَة , وَعَلَى الصُّحْبَة مَعَ ذَلِكَ وَالْعِشْرَة بِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَبَيَّنَهُ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس . { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يَقُول : أَوْ خَلُّوهُنَّ يَقْضِينَ تَمَام عُدْتهنَّ وَيَنْقَضِي بَقِيَّة أَجَلهنَّ الَّذِي أَجَّلْته لَهُنَّ لِعِدَدِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ , يَقُول : بِإِيفَائِهِنَّ تَمَام حُقُوقهنَّ عَلَيْكُمْ عَلَى مَا أَلْزَمْتُكُمْ لَهُنَّ مِنْ مَهْر وَمُتْعَة وَنَفَقَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ حُقُوقهنَّ قَبْلكُمْ . { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } يَقُول : وَلَا تُرَاجِعُوهُنَّ إنْ رَاجَعْتُمُوهُنَّ فِي عِدَدهنَّ مُضَارَّة لَهُنَّ لِتُطَوِّلُوا عَلَيْهِنَّ مُدَّة انْقِضَاء عِدَدهنَّ , أَوْ لِتَأْخُذُوا مِنْهُنَّ بَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ بِطَلَبِهِنَّ الْخُلْع مِنْكُمْ لِمُضَارَّتِكُمْ إيَّاهُنَّ بِإِمْسَاكِكُمْ إيَّاهُنَّ , ومُراجَعَتكُمُوهنّ ضِرَارًا وَاعْتِدَاء . وَقَوْله : { لِتَعْتَدُوا } يَقُول : لِتَظْلِمُوهُنَّ بِمُجَاوَزَتِكُمْ فِي أَمْرهنَّ حُدُودِي الَّتِي بَيَّنْتهَا لَكُمْ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3874 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوق : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } قَالَ : يُطَلِّقهَا حَتَّى إذَا كَادَتْ تَنْقَضِي رَاجَعَهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , فَيَدَعهَا , حَتَّى إذَا كَادَتْ تَنْقَضِي عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَلَا يُرِيد إمْسَاكهَا , فَذَلِكَ الَّذِي يُضَارّ وَيَتَّخِذ آيَات اللَّه هُزُوًا . 3875 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : سُئِلَ الْحَسَن عَنْ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق الْمَرْأَة , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , ثُمَّ يُرَاجِعهَا يُضَارّهَا ; فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 3876 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } قَالَ نَهَى اللَّه عَنْ الضِّرَار ضِرَارًا أَنْ يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته , ثُمَّ يُرَاجِعهَا عِنْد آخَر يَوْم يَبْقَى مِنْ الْأَجَل حَتَّى يَفِي لَهَا تِسْعَة أَشْهُر لِيُضَارّهَا بِهِ . 3877 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : نَهَى عَنْ الضِّرَار , وَالضِّرَار فِي الطَّلَاق : أَنْ يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا . وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو . 3878 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا قِيلَ انْقِضَاء عِدَّتهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , يَفْعَل ذَلِكَ يُضَارّهَا وَيَعْضُلهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . 3879 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثُمَّ يَدَعهَا , حَتَّى إذَا مَا تَكَاد تَخْلُو عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , حَتَّى إذَا مَا كَادَ تَخْلُو عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَلَا حَاجَة لَهُ فِيهَا , إنَّمَا يُرِيد أَنْ يُضَارّهَا بِذَلِكَ , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِيهِ , وَقَالَ : { وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } 3880 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , عَنْ يُونُس , عَنْ ابْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُل الْمَرْأَة وَبَلَغَتْ أَجَلهَا فَلْيُرَاجِعْهَا بِمَعْرُوفٍ أَوْ لِيُسَرِّحهَا بِإِحْسَانٍ , وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعهَا ضِرَارًا , وَلَيْسَتْ لَهُ فِيهَا رَغْبَة إلَّا أَنْ يُضَارّهَا . 3881 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : هُوَ فِي الرَّجُل يَحْلِف بِطَلَاقِ امْرَأَته , فَإِذَا بَقِيَ مِنْ عِدَّتهَا شَيْء رَاجَعَهَا يُضَارّهَا بِذَلِكَ , وَيُطَوِّل عَلَيْهَا ; فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 3882 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا إسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس , عَنْ مَالِك بْن أَنَس , عَنْ ثَوْر بْن زَيْد الدَّيْلِيّ , أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُطَلِّق امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا , وَلَا حَاجَة لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيد إمْسَاكهَا , كَيْمَا يَطُول عَلَيْهَا بِذَلِكَ الْعِدَّة لِيُضَارّهَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } يُعَظِّم ذَلِكَ . 3883 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } : هُوَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته وَاحِدَة , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا ; لِيُضَارّهَا بِذَلِكَ لِتَخْتَلِع مِنْهُ . 3884 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا } قَالَ نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُدْعَى ثَابِت بْن يَسَار طَلَّقَ امْرَأَته حَتَّى إذَا انْقَضَتْ عِدَّتهَا إلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة رَاجَعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقهَا , فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهَا , حَتَّى مَضَتْ لَهَا تِسْعَة أَشْهُر مُضَارَّة يُضَارّهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } 3885 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الْعَزِيز يَسْأَل عَنْ طَلَاق الضِّرَار , فَقَالَ : يُطَلِّق ثُمَّ يُرَاجِع ثُمَّ يُطَلِّق , ثُمَّ يُرَاجِع , فَهَذَا الضِّرَار الَّذِي قَالَ اللَّه : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } 3886 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته تَطْلِيقَة , ثُمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَحِيض ثَلَاث حِيَض , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يَطْلِقهَا تَطْلِيقَة , ثُمَّ يُمْسِك عَنْهَا حَتَّى تَحِيض ثَلَاث حِيَض , ثُمَّ يُرَاجِعهَا لِتَعْتَدُوا ; قَالَ : لَا يُطَاوِل عَلَيْهِنَّ . وَأَصْل التَّسْرِيح



مِنْ سَرَحَ الْقَوْم , وَهُوَ مَا أُطْلِقَ مِنْ نَعَمهمْ لِلرِّعْيِ , يُقَال لِلْمَوَاشِي الْمُرْسَلَة لِلرَّعْيِ : هَذَا سَرْح الْقَوْم , يُرَاد بِهِ مَوَاشِيهمْ الْمُرْسَلَة لِلرَّعْيِ , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَالْأَنْعَام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَافِع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَال حِين تُرِيحُونَ وَحِين تَسْرَحُونَ } 16 5 : 6 يَعْنِي بِقَوْلِهِ حِين تَسْرَحُونَ : حِين تُرْسِلُونَهَا لِلرَّعْيِ فَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ إذَا خَلَاهَا زَوْجهَا فَأَبَانَهَا مِنْهُ : سَرَّحَهَا , تَمْثِيلًا لِذَلِكَ بِتَسْرِيحِ الْمُسَرِّح مَاشِيَته لِلرَّعْيِ وَتَشْبِيهًا بِهِ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَمِنْ يُرَاجِع امْرَأَته بَعْد طَلَاقه إيَّاهَا فِي الطَّلَاق الَّذِي لَهُ فِيهِ عَلَيْهَا الرَّجْعَة ضِرَارًا بِهَا لِيَعْتَدِيَ حَدّ اللَّه فِي أَمْرهَا , فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه , يَعْنِي فَأَكْسَبَهَا بِذَلِكَ إثْمًا , وَأَوْجَبَ لَهَا مِنْ اللَّه عُقُوبَة بِذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْم فِيمَا مَضَى , وَأَنَّهُ وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه وَفِعْل مَا لَيْسَ لِلْفَاعِلِ فِعْله الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَتَّخِذُوا أَعْلَام اللَّه وَفُصُوله بَيْن حَلَاله وَحَرَامه وَأَمْره وَنَهْيه فِي وَحْيه وَتَنْزِيله اسْتِهْزَاء وَلَعِبًا , فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِي تَنْزِيله وَآي كِتَابه مَا لَكُمْ مِنْ الرَّجْعَة عَلَى نِسَائِكُمْ فِي الطَّلَاق الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَة , وَمَا لَيْسَ لَكُمْ مِنْهَا , وَمَا الْوَجْه الْجَائِز لَكُمْ مِنْهَا وَمَا الَّذِي لَا يَجُوز , وَمَا الطَّلَاق الَّذِي لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَة وَمَا لَيْسَ لَكُمْ ذَلِكَ فِيهِ , وَكَيْفَ وُجُوه ذَلِكَ ; رَحْمَة مِنْهُ بِكُمْ وَنِعْمَة مِنْهُ عَلَيْكُمْ , لِيَجْعَل بِذَلِكَ لِبَعْضِكُمْ مِنْ مَكْرُوه إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ صَاحِبه مِمَّا هُوَ فِيهِ الْمَخْرَج وَالْمُخَلِّص بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاق , وَجَعَلَ مَا جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الرَّجْعَة سَبِيلًا لَكُمْ إلَى الْوُصُول إلَى مَا نَازَعَهُ إلَيْهِ وَدَعَاهُ إلَيْهِ هَوَاهُ بَعْد فِرَاقه إيَّاهُنَّ مِنْهُنَّ , لِتُدْرِكُوا بِذَلِكَ قَضَاء أَوْطَاركُمْ مِنْهُنَّ , إنْعَامًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ , لَا لِتَتَّخِذُوا مَا بَيَّنَتْ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي آي كِتَابِي وَتَنْزِيلِي تَفَضُّلًا مِنِّي بِبَيَانِهِ عَلَيْكُمْ , وَإِنْعَامًا وَرَحْمَة مِنِّي بِكُمْ لَعِبًا وَسُخْرِيًّا وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3887 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن سِيبَوَيْهِ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَيُّوب بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس , عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْن عُقْبَة , عَنْ ابْن شِهَاب , عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم , أَنَّ الْحَسَن حَدَّثَهُمْ : أَنَّ النَّاس كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَلِّق الرَّجُل أَوْ يُعْتِق , فَيُقَال : مَا صَنَعْت ؟ فَيَقُول : إنَّمَا كُنْت لَاعِبًا ; قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ طَلَّقَ لَاعِبًا أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ عَلَيْهِ " قَالَ الْحَسَن : وَفِيهِ نَزَلَتْ : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } 3888 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته , فَيَقُول : إنَّمَا طَلَّقْت لَاعِبًا , وَيَتَزَوَّج أَوْ يُعْتِق أَوْ يَتَصَدَّق فَيَقُول : إنَّمَا فَعَلْت لَاعِبًا , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } 3889 - حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبِ , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن مَنْصُور , عَنْ عَبْد السِّلَام بْن حَرْب , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي الْعِلَاء , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي مُوسَى : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَتَاهُ أَبُو مُوسَى , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه غَضِبْت عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ ! فَقَالَ : " يَقُول أَحَدكُمْ قَدْ طَلَّقْت قَدْ رَاجَعْت ! لَيْسَ هَذَا طَلَاق الْمُسْلِمِينَ , طَلِّقُوا الْمَرْأَة فِي قُبُل عِدَّتهَا " * حَدَّثَنَا أَبُو زَيْد , عَنْ ابْن شَبَّة , قَالَ : ثنا أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد السَّلَام بْن حَرْب , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي خَالِد , يَعْنِي الدَّالَانِيّ , عَنْ أَبِي الْعِلَاء الْأَوْدِيّ , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : " يَقُول أَحَدكُمْ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُك , قَدْ رَاجَعْتُك ! لَيْسَ هَذَا بِطَلَاقِ الْمُسْلِمِينَ , طَلِّقُوا الْمَرْأَة فِي قُبُل عِدَّتهَا "



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ , الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهِ , فَهَدَاكُمْ لَهُ , وَسَائِر نِعَمه الَّتِي خَصَّكُمْ بِهَا دُون غَيْركُمْ مِنْ سَائِر خَلْقه , فَاشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ , وَاذْكُرُوا أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ , مَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابه ذَلِكَ , الْقُرْآن الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاذْكُرُوا ذَلِكَ فَاعْمَلُوا بِهِ , وَاحْفَظُوا حُدُوده فِيهِ وَالْحِكْمَة : يَعْنِي : وَمَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْحِكْمَة وَهِيَ السُّنَن الَّتِي عَلَّمَكُمُوهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنَّهَا لَكُمْ وَقَدْ ذَكَرْت اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى الْحِكْمَة فِيمَا مَضَى قَبْل فِي قَوْله : { وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } 2 129 فَأَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعِظكُمْ بِهِ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { يَعِظكُمْ بِهِ } يَعِظكُمْ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ وَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله " بِهِ " عَائِدَة عَلَى الْكِتَاب { وَاتَّقُوا اللَّه } يَقُول : وَخَافُوا اللَّه فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي كِتَابه الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَيْكُمْ , وَفِيمَا أَنَزَلَهُ فَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوهُ وَتَتَعَدَّوْا حُدُوده , فَتَسْتَوْجِبُوا مَا لَا قِبَل لَكُمْ بِهِ مِنْ أَلِيم عِقَابه , وَنَكَال عَذَابه



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } وَقَوْله : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَقُول : وَاعْلَمُوا أَيّهَا النَّاس أَنَّ رَبّكُمْ الَّذِي حَدَّ لَكُمْ هَذِهِ الْحُدُود , وَشَرَعَ لَكُمْ هَذِهِ الشَّرَائِع , وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْفَرَائِض فِي كِتَابه وَفِي تَنْزِيله , عَلَى رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَنْتُمْ عَامِلُوهُ مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَحَسَن وَسَيِّئ , وَطَاعَة وَمَعْصِيَة , عَالِم لَا يَخْفِي عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِر ذَلِكَ وَخَفْيه وَسِرّه وَجَهْره شَيْء , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِالْإِحْسَانِ إحْسَانًا , وَبِالسَّيِّئِ سَيِّئًا , إلَّا أَنْ يَعْفُو وَيَصْفَح ; فَلَا تَتَعَرَّضُوا لِعِقَابِهِ , وَلَا تَظْلِمُوا أَنْفُسكُمْ
مشاركة الموضوع