تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ٢٢٢

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾
ذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ السُّدِّيّ أَنَّ السَّائِل ثَابِت بْن الدَّحْدَاح - وَقِيلَ : أُسَيْد بْن حُضَيْر وَعَبَّاد بْن بِشْر , وَهُوَ قَوْل الْأَكْثَرِينَ . وَسَبَب السُّؤَال فِيمَا قَالَ قَتَادَة وَغَيْره : أَنَّ الْعَرَب فِي الْمَدِينَة وَمَا وَالَاهَا كَانُوا قَدْ اِسْتَنُّوا بِسُنَّةِ بَنِي إِسْرَائِيل فِي تَجَنُّب مُؤَاكَلَة الْحَائِض وَمُسَاكَنَتهَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ مُجَاهِد : كَانُوا يَتَجَنَّبُونَ النِّسَاء فِي الْحَيْض , وَيَأْتُونَهُنَّ فِي أَدْبَارهنَّ مُدَّة زَمَن الْحَيْض , فَنَزَلَتْ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس : أَنَّ الْيَهُود كَانُوا إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَة فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوت , فَسَأَلَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض " إِلَى آخِر الْآيَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا النِّكَاح ) فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُود , فَقَالُوا : مَا يُرِيد هَذَا الرَّجُل أَنْ يَدَع مِنْ أَمْرنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ , فَجَاءَ أُسَيْد بْن حُضَيْر وَعَبَّاد بْن بِشْر فَقَالَا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ الْيَهُود تَقُول كَذَا وَكَذَا , أَفَلَا نُجَامِعهُنَّ ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا , فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّة مِنْ لَبَنٍ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلَ فِي آثَارهمَا فَسَقَاهُمَا , فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَتْ الْيَهُود وَالْمَجُوس تَجْتَنِب الْحَائِض , وَكَانَتْ النَّصَارَى يُجَامِعُونَ الْحَيْض , فَأَمَرَ اللَّه بِالْقَصْدِ بَيْن هَذَيْنِ . " عَنْ الْمَحِيض " الْمَحِيض : الْحَيْض وَهُوَ مَصْدَر , يُقَال : حَاضَتْ الْمَرْأَة حَيْضًا وَمَحَاضًا وَمَحِيضًا , فَهِيَ حَائِض , وَحَائِضَة أَيْضًا , عَنْ الْفَرَّاء وَأَنْشَدَ : كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْرَ طَاهِر وَنِسَاء حُيَّض وَحَوَائِض . وَالْحَيْضَة : الْمَرَّة الْوَاحِدَة . وَالْحِيضَة ( بِالْكَسْرِ ) الِاسْم , وَالْجَمْع الْحِيَض . وَالْحِيضَة أَيْضًا : الْخِرْقَة الَّتِي تَسْتَثْفِر بِهَا الْمَرْأَة . قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : لَيْتَنِي كُنْت حِيضَة مُلْقَاة . وَكَذَلِكَ الْمَحِيضَة , وَالْجَمْع الْمَحَائِض . وَقِيلَ : الْمَحِيض عِبَارَة عَنْ الزَّمَان وَالْمَكَان , وَعَنْ الْحَيْض نَفْسه , وَأَصْله فِي الزَّمَان وَالْمَكَان مَجَاز فِي الْحَيْض . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الْمَحِيض اِسْم لِلْحَيْضِ , وَمِثْله قَوْل رُؤْبَة فِي الْعَيْش : إِلَيْك أَشْكُو شِدَّة الْمَعِيش وَمُرّ أَعْوَام نَتَفْنَ رِيشِي وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ السَّيَلَان وَالِانْفِجَار , يُقَال : حَاضَ السَّيْل وَفَاضَ , وَحَاضَتْ الشَّجَرَة أَيْ سَالَتْ رُطُوبَتهَا , وَمِنْهُ الْحَيْض أَيْ الْحَوْض ; لِأَنَّ الْمَاء يَحِيض إِلَيْهِ أَيْ يَسِيل , وَالْعَرَب تُدْخِل الْوَاو عَلَى الْيَاء وَالْيَاء عَلَى الْوَاو ; لِأَنَّهُمَا مِنْ حَيِّز وَاحِد . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الْمَحِيض وَالْحَيْض اِجْتِمَاع الدَّم إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِع , وَبِهِ سُمِّيَ الْحَوْض لِاجْتِمَاعِ الْمَاء فِيهِ , يُقَال : حَاضَتْ الْمَرْأَة وَتَحَيَّضَتْ , وَدَرَسَتْ وَعَرَكَتْ , وَطَمِثَتْ , تَحِيض حَيْضًا وَمَحَاضًا وَمَحِيضًا إِذَا سَالَ الدَّم مِنْهَا فِي أَوْقَات مَعْلُومَة . فَإِذَا سَالَ فِي غَيْر أَيَّام مَعْلُومَة , وَمِنْ غَيْر عِرْق الْمَحِيض قُلْت : اُسْتُحِيضَتْ , فَهِيَ مُسْتَحَاضَة . اِبْن الْعَرَبِيّ . وَلَهَا ثَمَانِيَة أَسْمَاء : الْأَوَّل : حَائِض . الثَّانِي : عَارِك . الثَّالِث : فَارِك . الرَّابِع : طَامِس . الْخَامِس : دَارِس . السَّادِس : كَابِر . السَّابِع : ضَاحِك . الثَّامِن : طَامِث . قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى : " فَضَحِكَتْ " يَعْنِي حَاضَتْ . وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ " [ يُوسُف : 31 ] يَعْنِي حِضْنَ . وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثَة أَحْكَام فِي رُؤْيَتهَا الدَّم الظَّاهِر السَّائِل مِنْ فَرْجهَا , فَمِنْ ذَلِكَ الْحَيْض الْمَعْرُوف , وَدَمه أَسْوَد خَاثِر تَعْلُوهُ حُمْرَة , تُتْرَك لَهُ الصَّلَاة وَالصَّوْم , لَا خِلَاف فِي ذَلِكَ . وَقَدْ يَتَّصِل وَيَنْقَطِع , فَإِنْ اِتَّصَلَ فَالْحُكْم ثَابِت لَهُ , وَإِنْ اِنْقَطَعَ فَرَأَتْ الدَّم يَوْمًا وَالطُّهْر يَوْمًا , أَوْ رَأَتْ الدَّم يَوْمَيْنِ وَالطُّهْر يَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمًا فَإِنَّهَا تَتْرُك الصَّلَاة فِي أَيَّام الدَّم , وَتَغْتَسِل عِنْد اِنْقِطَاعه وَتُصَلِّي , ثُمَّ تُلَفِّق أَيَّام الدَّم وَتُلْغِي أَيَّام الطُّهْر الْمُتَخَلِّلَة لَهَا , وَلَا تَحْتَسِب بِهَا طُهْرًا فِي عِدَّة وَلَا اِسْتِبْرَاء . وَالْحَيْض خِلْقَة فِي النِّسَاء , وَطَبْع مُعْتَاد مَعْرُوف مِنْهُنَّ . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْر إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاء فَقَالَ : ( يَا مَعْشَر النِّسَاء تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار - فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ - تُكْثِرْنَ اللَّعْن وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَات عَقْل وَدِين أَذْهَب لِلُبِّ الرَّجُل الْحَازِم مِنْ إِحْدَاكُنَّ - قُلْنَ : وَمَا نُقْصَان عَقْلنَا وَدِيننَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مِثْل نِصْف شَهَادَة الرَّجُل ؟ قُلْنَ : بَلَى , قَالَ : فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَان عَقْلهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ؟ قُلْنَ : بَلَى يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَان دِينهَا ) . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْحَائِض تَقْضِي الصَّوْم وَلَا تَقْضِي الصَّلَاة , لِحَدِيثِ مُعَاذَة قَالَتْ : سَأَلْت عَائِشَة فَقُلْت : مَا بَال الْحَائِض تَقْضِي الصَّوْم وَلَا تَقْضِي الصَّلَاة ؟ قَالَتْ : أَحَرُورِيَّة أَنْتَ ؟ قُلْت : لَسْت بِحَرُورِيَّة , وَلَكِنِّي أَسْأَل . قَالَتْ : كَانَ يُصِيبنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَر بِقَضَاءِ الصَّوْم وَلَا نُؤْمَر بِقَضَاءِ الصَّلَاة , خَرَّجَهُ مُسْلِم . فَإِذَا اِنْقَطَعَ عَنْهَا كَانَ طُهْرهَا مِنْهُ الْغُسْل , عَلَى مَا يَأْتِي .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مِقْدَار الْحَيْض , فَقَالَ فُقَهَاء الْمَدِينَة : إِنَّ الْحَيْض لَا يَكُون أَكْثَر مِنْ خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , وَجَائِز أَنْ يَكُون خَمْسَة عَشَر يَوْمًا فَمَا دُون , وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَة عَشَر يَوْمًا لَا يَكُون حَيْضًا وَإِنَّمَا هُوَ اِسْتِحَاضَة , هَذَا مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَا وَقْت لِقَلِيلِ الْحَيْض وَلَا لِكَثِيرِهِ إِلَّا مَا يُوجَد فِي النِّسَاء , فَكَأَنَّهُ تَرَكَ قَوْله الْأَوَّل وَرَجَعَ إِلَى عَادَة النِّسَاء . وَقَالَ مُحَمَّد بْن سَلَمَة : أَقَلّ الطُّهْر خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , وَهُوَ اِخْتِيَار أَكْثَر الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَالثَّوْرِيّ , وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ جَعَلَ عِدَّة ذَوَات الْأَقْرَاء ثَلَاث حِيَض , وَجَعَلَ عِدَّة مَنْ لَا تَحِيض مِنْ كِبَر أَوْ صِغَر ثَلَاثَة أَشْهُر , فَكَانَ كُلّ قُرْء عِوَضًا مِنْ شَهْر , وَالشَّهْر يَجْمَع الطُّهْر وَالْحَيْض . فَإِذَا قَلَّ الْحَيْض كَثُرَ الطُّهْر , وَإِذَا كَثُرَ الْحَيْض قَلَّ الطُّهْر , فَلَمَّا كَانَ أَكْثَر الْحَيْض خَمْسَة عَشَر يَوْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُون بِإِزَائِهِ أَقَلّ الطُّهْر خَمْسَة عَشَر يَوْمًا لِيَكْمُل فِي الشَّهْر الْوَاحِد حَيْض وَطُهْر , وَهُوَ الْمُتَعَارَف فِي الْأَغْلَب مِنْ خِلْقَة النِّسَاء وَجِبِلَّتهنَّ مَعَ دَلَائِل الْقُرْآن وَالسُّنَّة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : أَقَلّ الْحَيْض يَوْم وَلَيْلَة , وَأَكْثَره خَمْسَة عَشَر يَوْمًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْل قَوْل مَالِك : إِنَّ ذَلِكَ مَرْدُود إِلَى عُرْف النِّسَاء . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : أَقَلّ الْحَيْض ثَلَاثَة أَيَّام , وَأَكْثَره عَشَرَة . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَا نَقَصَ عِنْد هَؤُلَاءِ عَنْ ثَلَاثَة أَيَّام فَهُوَ اِسْتِحَاضَة , لَا يَمْنَع مِنْ الصَّلَاة إِلَّا عِنْد أَوَّل ظُهُوره ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَم مَبْلَغ مُدَّته . ثُمَّ عَلَى الْمَرْأَة قَضَاء صَلَاة تِلْكَ الْأَوْقَات , وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَة أَيَّام عِنْد الْكُوفِيِّينَ . وَعِنْد الْحِجَازِيِّينَ مَا زَادَ عَلَى خَمْسَة عَشَر يَوْمًا فَهُوَ اِسْتِحَاضَة . وَمَا كَانَ أَقَلّ مِنْ يَوْم وَلَيْلَة عِنْد الشَّافِعِيّ فَهُوَ اِسْتِحَاضَة , وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيّ وَالطَّبَرِيّ . وَمِمَّنْ قَالَ أَقَلّ الْحَيْض يَوْم وَلَيْلَة وَأَكْثَره خَمْسَة عَشَر يَوْمًا عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَأَبُو ثَوْر وَأَحْمَد بْن حَنْبَل . قَالَ الْأَوْزَاعِيّ : وَعِنْدنَا اِمْرَأَة تَحِيض غَدْوَة وَتَطْهُر عَشِيَّة وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَاب - مِنْ أَكْثَر الْحَيْض وَأَقَلّه وَأَقَلّ الطُّهْر , وَفَى الِاسْتِظْهَار , وَالْحُجَّة فِي ذَلِكَ - فِي " الْمُقْتَبَس فِي شَرْح مُوَطَّأ مَالِك بْن أَنَس " فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا مُبْتَدَأَة فَإِنَّهَا تَجْلِس أَوَّل مَا تَرَى الدَّم فِي قَوْل الشَّافِعِيّ خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُعِيد صَلَاة أَرْبَعَة عَشَر يَوْمًا . وَقَالَ مَالِك : لَا تَقْضِي الصَّلَاة وَيُمْسِك عَنْهَا زَوْجهَا . عَلِيّ بْن زِيَاد عَنْهُ : تَجْلِس قَدْر لِدَاتهَا , وَهَذَا قَوْل عَطَاء وَالثَّوْرِيّ وَغَيْرهمَا . اِبْن حَنْبَل : تَجْلِس يَوْمًا وَلَيْلَة , ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجهَا . أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف : تَدَع الصَّلَاة عَشْرًا , ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي عِشْرِينَ يَوْمًا , ثُمَّ تَتْرُك الصَّلَاة بَعْد الْعِشْرِينَ عَشْرًا , فَيَكُون هَذَا حَالهَا حَيْثُ يَنْقَطِع الدَّم عَنْهَا . أَمَّا الَّتِي لَهَا أَيَّام مَعْلُومَة فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِر عَلَى أَيَّامهَا الْمَعْلُومَة بِثَلَاثَةِ أَيَّام , عَنْ مَالِك : مَا لَمْ تُجَاوِز خَمْسَة عَشَر يَوْمًا . الشَّافِعِيّ : تَغْتَسِل إِذَا اِنْقَضَتْ أَيَّامهَا بِغَيْرِ اِسْتِظْهَار . وَالثَّانِي مِنْ الدِّمَاء : دَم النِّفَاس عِنْد الْوِلَادَة , وَلَهُ أَيْضًا عِنْد الْعُلَمَاء حَدّ مَعْلُوم اِخْتَلَفُوا فِيهِ , فَقِيلَ : شَهْرَانِ , وَهُوَ قَوْل مَالِك . وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ يَوْمًا , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ . وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . وَطُهْرهَا عِنْد اِنْقِطَاعه . وَالْغُسْل مِنْهُ كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَة . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْوَهَّاب : وَدَم الْحَيْض وَالنِّفَاس يَمْنَعَانِ أَحَد عَشَر شَيْئًا : وَهِيَ وُجُوب الصَّلَاة وَصِحَّة فِعْلهَا وَفِعْل الصَّوْم دُون وُجُوبه - وَفَائِدَة الْفَرْق لُزُوم الْقَضَاء لِلصَّوْمِ وَنَفْيه فِي الصَّلَاة - وَالْجِمَاع فِي الْفَرْج وَمَا دُونه وَالْعِدَّة وَالطَّلَاق , وَالطَّوَاف وَمَسّ الْمُصْحَف وَدُخُول الْمَسْجِد وَالِاعْتِكَاف فِيهِ , وَفِي قِرَاءَة الْقُرْآن رِوَايَتَانِ . وَالثَّالِث مِنْ الدِّمَاء : دَم لَيْسَ بِعَادَةٍ وَلَا طَبْع مِنْهُنَّ وَلَا خِلْقَة , وَإِنَّمَا هُوَ عِرْق اِنْقَطَعَ , سَائِله دَم أَحْمَر لَا اِنْقِطَاع لَهُ إِلَّا عِنْد الْبُرْء مِنْهُ , فَهَذَا حُكْمه أَنْ تَكُون الْمَرْأَة مِنْهُ طَاهِرَة لَا يَمْنَعهَا مِنْ صَلَاة وَلَا صَوْم بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْعُلَمَاء وَاتِّفَاق مِنْ الْآثَار الْمَرْفُوعَة إِذَا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ دَم عِرْق لَا دَم حَيْض . رَوَى مَالِك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَتْ فَاطِمَة بِنْت أَبِي حُبَيْش : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي لَا أَطْهُر ! أَفَأَدَع الصَّلَاة ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْق وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ إِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَة فَدَعِي الصَّلَاة فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّم وَصَلِّي ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَعَ صِحَّته وَقِلَّة أَلْفَاظه مَا يُفَسِّر لَك أَحْكَام الْحَائِض وَالْمُسْتَحَاضَة , وَهُوَ أَصَحّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب , وَهُوَ يَرُدّ مَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر وَمَكْحُول أَنَّ الْحَائِض تَغْتَسِل وَتَتَوَضَّأ عِنْد كُلّ وَقْت صَلَاة , وَتَسْتَقْبِل الْقِبْلَة ذَاكِرَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ جَالِسَة . وَفِيهِ أَنَّ الْحَائِض لَا تُصَلِّي , وَهُوَ إِجْمَاع مِنْ كَافَّة الْعُلَمَاء إِلَّا طَوَائِف مِنْ الْخَوَارِج يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِض الصَّلَاة . وَفِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَة لَا يَلْزَمهَا غَيْر ذَلِكَ الْغُسْل الَّذِي تَغْتَسِل مِنْ حَيْضهَا , وَلَوْ لَزِمَهَا غَيْره لَأَمَرَهَا بِهِ , وَفِيهِ رَدّ لِقَوْلِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ عَلَيْهَا لِكُلِّ صَلَاة . وَلِقَوْلِ مَنْ رَأَى عَلَيْهَا أَنْ تَجْمَع بَيْن صَلَاتَيْ النَّهَار بِغُسْلٍ وَاحِد , وَصَلَاتَيْ اللَّيْل بِغُسْلٍ وَاحِد وَتَغْتَسِل لِلصُّبْحِ . وَلِقَوْلِ مَنْ قَالَ : تَغْتَسِل مِنْ طُهْر إِلَى طُهْر . وَلِقَوْلِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مِنْ طُهْر إِلَى طُهْر ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . وَفِيهِ رَدّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِالِاسْتِظْهَارِ , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا إِذَا عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَتهَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَذَهَبَتْ أَنْ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي , وَلَمْ يَأْمُرهَا أَنْ تَتْرُك الصَّلَاة ثَلَاثَة أَيَّام لِانْتِظَارِ حَيْض يَجِيء أَوْ لَا يَجِيء , وَالِاحْتِيَاط إِنَّمَا يَكُون فِي عَمَل الصَّلَاة لَا فِي تَرْكهَا .


أَيْ هُوَ شَيْء تَتَأَذَّى بِهِ الْمَرْأَة وَغَيْرهَا أَيْ بِرَائِحَةِ دَم الْحَيْض . وَالْأَذَى كِنَايَة عَنْ الْقَذَر عَلَى الْجُمْلَة . وَيُطْلَق عَلَى الْقَوْل الْمَكْرُوه , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى " [ الْبَقَرَة : 264 ] أَيْ بِمَا تَسْمَعهُ مِنْ الْمَكْرُوه . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَدَعْ أَذَاهُمْ " [ الْأَحْزَاب : 48 ] أَيْ دَعْ أَذَى الْمُنَافِقِينَ لَا تُجَازِهِمْ إِلَّا أَنْ تُؤْمَر فِيهِمْ , وَفِي الْحَدِيث : ( وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى ) يَعْنِي ب " الْأَذَى " الشَّعْر الَّذِي يَكُون عَلَى رَأْس الصَّبِيّ حِين يُولَد , يُحْلَق عَنْهُ يَوْم أُسْبُوعه , وَهِيَ الْعَقِيقَة . وَفِي حَدِيث الْإِيمَان : ( وَأَدْنَاهَا إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ) أَيْ تَنْحِيَته , يَعْنِي الشَّوْك وَالْحَجَر , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الْمَارّ . وَقَوْله تَعَالَى : " وَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَر " [ النِّسَاء : 102 ] وَسَيَأْتِي .

اِسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ وَطْء الْمُسْتَحَاضَة بِسَيَلَانِ دَم الِاسْتِحَاضَة , فَقَالُوا : كُلّ دَم فَهُوَ أَذًى , يَجِب غَسْله مِنْ الثَّوْب وَالْبَدَن , فَلَا فَرْق فِي الْمُبَاشَرَة بَيْن دَم الْحَيْض وَالِاسْتِحَاضَة لِأَنَّهُ كُلّه رِجْس . وَأَمَّا الصَّلَاة فَرُخْصَة وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّة كَمَا يُصَلَّى بِسَلَسِ الْبَوْل , هَذَا قَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة وَعَامِر الشَّعْبِيّ وَابْن سِيرِينَ وَالزُّهْرِيّ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الْحَسَن , وَهُوَ قَوْل عَائِشَة : لَا يَأْتِيهَا زَوْجهَا , وَبِهِ قَالَ اِبْن عُلَيَّة وَالْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَكَانَ مِنْ أَعْلَى أَصْحَاب مَالِك , وَأَبُو مُصْعَب , وَبِهِ كَانَ يُفْتَى . وَقَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : الْمُسْتَحَاضَة تَصُوم وَتُصَلِّي وَتَطُوف وَتَقْرَأ , وَيَأْتِيهَا زَوْجهَا . قَالَ مَالِك : أَمْر أَهْل الْفِقْه وَالْعِلْم عَلَى هَذَا , وَإِنْ كَانَ دَمهَا كَثِيرًا , رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن وَهْب . وَكَانَ أَحْمَد يَقُول : أَحَبّ إِلَيَّ أَلَّا يَطَأهَا إِلَّا أَنْ يَطُول ذَلِكَ بِهَا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْمُسْتَحَاضَة : ( لَا بَأْس أَنْ يُصِيبهَا زَوْجهَا وَإِنْ كَانَ الدَّم يَسِيل عَلَى عَقِبَيْهَا ) . وَقَالَ مَالِك : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْق وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ) . فَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَيْضَة فَمَا يَمْنَعهُ أَنْ يُصِيبهَا وَهِيَ تُصَلِّي ! قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمَّا حَكَمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي دَم الْمُسْتَحَاضَة بِأَنَّهُ لَا يَمْنَع الصَّلَاة وَتُعُبِّدَ فِيهِ بِعِبَادَةٍ غَيْر عِبَادَة الْحَائِض وَجَبَ أَلَّا يُحْكَم لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حُكْم الْحَيْض إِلَّا فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ غَسْله كَسَائِرِ الدِّمَاء .


أَيْ فِي زَمَن الْحَيْض , إِنْ حَمَلْت الْمَحِيض عَلَى الْمَصْدَر , أَوْ فِي مَحَلّ الْحَيْض إِنْ حَمَلْته عَلَى الِاسْم . وَمَقْصُود هَذَا النَّهْي تَرْك الْمُجَامَعَة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مُبَاشَرَة الْحَائِض وَمَا يُسْتَبَاح مِنْهَا , فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ ( أَنَّهُ يَجِب أَنْ يَعْتَزِل الرَّجُل فِرَاش زَوْجَته إِذَا حَاضَتْ ) . وَهَذَا قَوْل شَاذّ خَارِج عَنْ قَوْل الْعُلَمَاء . وَإِنْ كَانَ عُمُوم الْآيَة يَقْتَضِيه فَالسُّنَّة الثَّابِتَة بِخِلَافِهِ , وَقَدْ وَقَفَتْ عَلَى اِبْن عَبَّاس خَالَته مَيْمُونَة وَقَالَتْ لَهُ : أَرَاغِب أَنْتَ عَنْ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ! وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَجَمَاعَة عَظِيمَة مِنْ الْعُلَمَاء : لَهُ مِنْهَا مَا فَوْق الْإِزَار , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِلسَّائِلِ حِين سَأَلَهُ : مَا يَحِلّ لِي مِنْ اِمْرَأَتِي وَهِيَ حَائِض ؟ فَقَالَ - : ( لِتَشُدّ عَلَيْهَا إِزَارهَا ثُمَّ شَأْنك بِأَعْلَاهَا ) وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِعَائِشَة حِين حَاضَتْ : ( شُدِّي عَلَى نَفْسك إِزَارك ثُمَّ عُودِي إِلَى مَضْجَعك ) . وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ : يَجْتَنِب مَوْضِع الدَّم , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا النِّكَاح ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَهُوَ قَوْل دَاوُد , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ . وَرَوَى أَبُو مَعْشَر عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ مَسْرُوق قَالَ : سَأَلْت عَائِشَة مَا يَحِلّ لِي مِنْ اِمْرَأَتِي وَهِيَ حَائِض ؟ فَقَالَتْ : كُلّ شَيْء إِلَّا الْفَرْج . قَالَ الْعُلَمَاء : مُبَاشَرَة الْحَائِض وَهِيَ مُتَّزِرَة عَلَى الِاحْتِيَاط وَالْقَطْع لِلذَّرِيعَةِ , وَلِأَنَّهُ لَوْ أَبَاحَ فَخِذَيْهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ ذَرِيعَة إِلَى مَوْضِع الدَّم الْمُحَرَّم بِإِجْمَاعٍ فَأَمَرَ بِذَلِكَ اِحْتِيَاطًا , وَالْمُحَرَّم نَفْسه مَوْضِع الدَّم , فَتَتَّفِق بِذَلِكَ مَعَانِي الْآثَار , وَلَا تَضَادّ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يَأْتِي اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض مَاذَا عَلَيْهِ , فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : يَسْتَغْفِر اللَّه وَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْل رَبِيعَة وَيَحْيَى بْن سَعِيد , وَبِهِ قَالَ دَاوُد . وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : يَتَصَدَّق بِنِصْفِ دِينَار . وَقَالَ أَحْمَد : مَا أَحْسَن حَدِيث عَبْد الْحَمِيد عَنْ مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتَصَدَّق بِدِينَارٍ أَوْ نِصْف دِينَار ) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ : هَكَذَا الرِّوَايَة الصَّحِيحَة , قَالَ : دِينَار أَوْ نِصْف دِينَار , وَاسْتَحَبَّهُ الطَّبَرِيّ . فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ بِبَغْدَاد . وَقَالَتْ فِرْقَة مِنْ أَهْل الْحَدِيث : إِنْ وَطِئَ فِي الدَّم فَعَلَيْهِ دِينَار , وَإِنْ وَطِئَ فِي اِنْقِطَاعه فَنِصْف دِينَار . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : مَنْ وَطِئَ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض تَصَدَّقَ بِخُمُسَيّ دِينَار , وَالطُّرُق لِهَذَا كُلّه فِي " سُنَن أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ " وَغَيْرهمَا . وَفِي كِتَاب التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَر فَدِينَار وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَر فَنِصْف دِينَار ) . قَالَ أَبُو عُمَر : حُجَّة مَنْ لَمْ يُوجِب عَلَيْهِ كَفَّارَة إِلَّا الِاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة اِضْطِرَاب هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَنَّ مِثْله لَا تَقُوم بِهِ حُجَّة , وَأَنَّ الذِّمَّة عَلَى الْبَرَاءَة , وَلَا يَجِب أَنْ يَثْبُت فِيهَا شَيْء لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْره إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مَدْفَع فِيهِ وَلَا مَطْعَن عَلَيْهِ , وَذَلِكَ مَعْدُوم فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة .


قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : سَمِعْت الشَّاشِيّ فِي مَجْلِس النَّظَر يَقُول : إِذَا قِيلَ لَا تَقْرَب ( بِفَتْحِ الرَّاء ) كَانَ مَعْنَاهُ : لَا تَلَبَّسْ بِالْفِعْلِ , وَإِنْ كَانَ بِضَمِّ الرَّاء كَانَ مَعْنَاهُ : لَا تَدْنُ مِنْهُ . وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير وَابْن عَامِر وَعَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص عَنْهُ " يَطْهُرْنَ " بِسُكُونِ الطَّاء وَضَمّ الْهَاء . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر وَالْمُفَضَّل " يَطَّهَّرْنَ " بِتَشْدِيدِ الطَّاء وَالْهَاء وَفَتْحهمَا . وَفِي مُصْحَف أُبَيّ وَعَبْد اللَّه " يَتَطَهَّرْنَ " . وَفِي مُصْحَف أَنَس بْن مَالِك " وَلَا تَقْرَبُوا النِّسَاء فِي مَحِيضهنَّ وَاعْتَزِلُوهُنَّ حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ " . وَرَجَّحَ الطَّبَرِيّ قِرَاءَة تَشْدِيد الطَّاء , وَقَالَ : هِيَ بِمَعْنَى يَغْتَسِلْنَ , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى الرَّجُل أَنْ يَقْرَب اِمْرَأَته بَعْد اِنْقِطَاع الدَّم حَتَّى تَطْهُر . قَالَ : وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الطُّهْر مَا هُوَ , فَقَالَ قَوْم : هُوَ الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ . وَقَالَ قَوْم : هُوَ وُضُوء كَوُضُوءِ الصَّلَاة . وَقَالَ قَوْم : هُوَ غَسْل الْفَرْج , وَذَلِكَ يُحِلّهَا لِزَوْجِهَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِل مِنْ الْحَيْضَة , وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ قِرَاءَة تَخْفِيف الطَّاء , إِذْ هُوَ ثُلَاثِيّ مُضَادّ لِطَمِثَ وَهُوَ ثُلَاثِيّ .

يَعْنِي بِالْمَاءِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِك وَجُمْهُور الْعُلَمَاء , وَأَنَّ الطُّهْر الَّذِي يَحِلّ بِهِ جِمَاع الْحَائِض الَّذِي يَذْهَب عَنْهَا الدَّم هُوَ تَطَهُّرهَا بِالْمَاءِ كَطُهْرِ الْجُنُب , وَلَا يُجْزِئ مِنْ ذَلِكَ تَيَمُّم وَلَا غَيْره , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالطَّبَرِيّ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة وَأَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهمْ . وَقَالَ يَحْيَى بْن بُكَيْر وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : إِذَا طَهُرَتْ الْحَائِض وَتَيَمَّمَتْ - حَيْثُ لَا مَاء حَلَّتْ لِزَوْجِهَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِل . وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَطَاوُس : اِنْقِطَاع الدَّم يُحِلّهَا لِزَوْجِهَا . وَلَكِنْ بِأَنْ تَتَوَضَّأ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد : إِنْ اِنْقَطَعَ دَمهَا بَعْد مُضِيّ عَشَرَة أَيَّام جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأهَا قَبْل الْغُسْل , وَإِنْ كَانَ اِنْقِطَاعه قَبْل الْعَشَرَة لَمْ يَجُزْ حَتَّى تَغْتَسِل أَوْ يَدْخُل عَلَيْهَا وَقْت الصَّلَاة . وَهَذَا تَحَكُّم لَا وَجْه لَهُ , وَقَدْ حَكَمُوا لِلْحَائِضِ بَعْد اِنْقِطَاع دَمهَا بِحُكْمِ الْحَبْس فِي الْعِدَّة وَقَالُوا لِزَوْجِهَا : عَلَيْهَا الرَّجْعَة مَا لَمْ تَغْتَسِل مِنْ الْحَيْضَة الثَّالِثَة , فَعَلَى قِيَاس قَوْلهمْ هَذَا لَا يَجِب أَنْ تُوطَأ حَتَّى تَغْتَسِل , مَعَ مُوَافَقَة أَهْل الْمَدِينَة . وَدَلِيلنَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانه عَلَّقَ الْحُكْم فِيهَا عَلَى شَرْطَيْنِ : أَحَدهمَا : اِنْقِطَاع الدَّم , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى يَطْهُرْنَ " . وَالثَّانِي : الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ " أَيْ يَفْعَلْنَ الْغُسْل بِالْمَاءِ , وَهَذَا مِثْل قَوْله تَعَالَى : " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح " [ النِّسَاء : 6 ] الْآيَة , فَعَلَّقَ الْحُكْم وَهُوَ جَوَاز دَفْع الْمَال عَلَى شَرْطَيْنِ : أَحَدهمَا : بُلُوغ الْمُكَلَّف النِّكَاح . وَالثَّانِي : إِينَاس الرُّشْد , وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَة : " فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " [ الْبَقَرَة : 230 ] ثُمَّ جَاءَتْ السُّنَّة بِاشْتِرَاطِ الْعُسَيْلَة , فَوَقَفَ التَّحْلِيل عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا , وَهُوَ اِنْعِقَاد النِّكَاح وَوُجُود الْوَطْء . اِحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَة فَقَالَ : إِنَّ مَعْنَى الْآيَة , الْغَايَة فِي الشَّرْط هُوَ الْمَذْكُور فِي الْغَايَة قَبْلهَا , فَيَكُون قَوْله : " حَتَّى يَطْهُرْنَ " مُخَفَّفًا هُوَ بِمَعْنَى قَوْله : " يَطَّهَّرْنَ " مُشَدَّدًا بِعَيْنِهِ , وَلَكِنَّهُ جَمَعَ بَيْن اللُّغَتَيْنِ فِي الْآيَة , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فِيهِ رِجَال يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاَللَّه يُحِبّ الْمُطَّهِرِينَ " [ التَّوْبَة : 108 ] . قَالَ الْكُمَيْت : وَمَا كَانَتْ الْأَنْصَار فِيهَا أَذِلَّة وَلَا غُيَّبًا فِيهَا إِذَا النَّاس غُيَّب وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالْآيَتَيْنِ فَيَجِب أَنْ يُعْمَل بِهِمَا . وَنَحْنُ نَحْمِل كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عَلَى مَعْنًى , فَنَحْمِل الْمُخَفَّفَة عَلَى مَا إِذَا اِنْقَطَعَ دَمهَا لِلْأَقَلِّ , فَإِنَّا لَا نُجَوِّز وَطْأَهَا حَتَّى تَغْتَسِل ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن عَوْده : وَنَحْمِل الْقِرَاءَة الْأُخْرَى عَلَى مَا إِذَا اِنْقَطَعَ دَمهَا لِلْأَكْثَرِ فَيَجُوز وَطْؤُهَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِل . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا أَقْوَى مَا لَهُمْ , فَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل : أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ كَلَام الْفُصَحَاء , وَلَا أَلْسُن الْبُلَغَاء , فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّكْرَار فِي التَّعْدَاد , وَإِذَا أَمْكَنَ حُمِلَ اللَّفْظ عَلَى فَائِدَة مُجَرَّدَة لَمْ يُحْمَل عَلَى التَّكْرَار فِي كَلَام النَّاس , فَكَيْف فِي كَلَام الْعَلِيم الْحَكِيم ! وَعَنْ الثَّانِي : أَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مَحْمُولَة عَلَى مَعْنًى دُون مَعْنَى الْأُخْرَى , فَيَلْزَمهُمْ إِذَا اِنْقَطَعَ الدَّم أَلَّا يُحْكَم لَهَا بِحُكْمِ الْحَيْض قَبْل أَنْ تَغْتَسِل فِي الرَّجْعَة , وَهُمْ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ , فَهِيَ إِذًا حَائِض , وَالْحَائِض لَا يَجُوز وَطْؤُهَا اِتِّفَاقًا . وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا قَالُوهُ يَقْتَضِي إِبَاحَة الْوَطْء عِنْد اِنْقِطَاع الدَّم لِلْأَكْثَرِ وَمَا قُلْنَاهُ يَقْتَضِي الْحَظْر , وَإِذَا تَعَارَضَ مَا يَقْتَضِي الْحَظْر وَمَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَة وَيُغَلَّب بَاعِثَاهُمَا غُلِّبَ بَاعِث الْحَظْر , كَمَا قَالَ عَلِيّ وَعُثْمَان فِي الْجَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِين , أَحَلَّتْهُمَا آيَة وَحَرَّمَتْهُمَا أُخْرَى , وَالتَّحْرِيم أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْكِتَابِيَّة هَلْ تُجْبَر عَلَى الِاغْتِسَال أَمْ لَا , فَقَالَ مَالِك فِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم : نَعَمْ , لِيَحِلّ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ " يَقُول بِالْمَاءِ , وَلَمْ يَخُصّ مُسْلِمَة مِنْ غَيْرهَا . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك أَنَّهَا لَا تُجْبَر عَلَى الِاغْتِسَال مِنْ الْمَحِيض , لِأَنَّهَا غَيْر مُعْتَقِدَة لِذَلِكَ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا يَحِلّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّه فِي أَرْحَامهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " [ الْبَقَرَة : 228 ] وَهُوَ الْحَيْض وَالْحَمْل , وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنَات , وَقَالَ : " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين " [ الْبَقَرَة : 256 ] وَبِهَذَا كَانَ يَقُول مَحْمُود بْن عَبْد الْحَكَم . وَصِفَة غُسْل الْحَائِض صِفَة غُسْلهَا مِنْ الْجَنَابَة , وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَقْض شَعْرهَا فِي ذَلِكَ , لِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي أَشُدّ ضَفْر رَأْسِي أَفَأَنْقُضهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَة ؟ قَالَ : ( لَا إِنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسك ثَلَاث حَثَيَات ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاء فَتَطْهُرِينَ ) وَفِي رِوَايَة : أَفَأَنْقُضهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَة ؟ فَقَالَ : ( لَا ) زَادَ أَبُو دَاوُد : ( وَاغْمِزِي قُرُونك عِنْد كُلّ حَفْنَةٍ ) .


أَيْ فَجَامِعُوهُنَّ . وَهُوَ أَمْر إِبَاحَة , وَكَنَّى بِالْإِتْيَانِ عَنْ الْوَطْء , وَهَذَا الْأَمْر يُقَوِّي مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّطَهُّرِ الْغُسْل بِالْمَاءِ ; لِأَنَّ صِيغَة الْأَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى لَا تَقَع إِلَّا عَلَى الْوَجْه الْأَكْمَل . وَاَللَّه أَعْلَم . و " مِنْ " بِمَعْنَى فِي , أَيْ فِي حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ الْقُبُل , وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى : " أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الْأَرْض " [ فَاطِر : 40 ] أَيْ فِي الْأَرْض , : وَقَوْله : " إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْم الْجُمُعَة " [ الْجُمُعَة : 9 ] أَيْ فِي يَوْم الْجُمُعَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى , أَيْ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أُذِنَ لَكُمْ فِيهِ , أَيْ مِنْ غَيْر صَوْم وَإِحْرَام وَاعْتِكَاف , قَالَهُ الْأَصَمّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو رَزِين : ( مِنْ قِبَل الطُّهْر لَا مِنْ قِبَل الْحَيْض ) , وَقَالَهُ الضَّحَّاك . وَقَالَ مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة : الْمَعْنَى مِنْ قِبَل الْحَلَال لَا مِنْ قِبَل الزِّنَى .


اخْتُلِفَ فِيهِ , فَقِيلَ : التَّوَّابُونَ مِنْ الذُّنُوب وَالشِّرْك . وَالْمُتَطَهِّرُونَ أَيْ بِالْمَاءِ مِنْ الْجَنَابَة وَالْأَحْدَاث , قَالَهُ عَطَاء وَغَيْره . وَقَالَ مُجَاهِد : مِنْ الذُّنُوب , وَعَنْهُ أَيْضًا : مِنْ إِتْيَان النِّسَاء فِي أَدْبَارهنَّ . اِبْن عَطِيَّة : كَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ قَوْم لُوط : " أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ " [ الْأَعْرَاف : 82 ] . وَقِيلَ : الْمُتَطَهِّرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف قَدَّمَ بِالذِّكْرِ الَّذِي أَذْنَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْنِب , قِيلَ : قَدَّمَهُ لِئَلَّا يَقْنَط التَّائِب مِنْ الرَّحْمَة وَلَا يُعْجَب الْمُتَطَهِّر بِنَفْسِهِ , كَمَا ذَكَرَ فِي آيَة أُخْرَى : " فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد وَمِنْهُمْ سَابِق بِالْخَيْرَاتِ " [ الْمَلَائِكَة : 32 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
ثم قال تعالى " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ " الآيات: يخبر تعالى, عن سؤالهم عن المحيض, وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض, كما كانت قبل ذلك, أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟.
فأخبر تعالى أن الحيض أذى, وإذا كان أذى, فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده, ولهذا قال: " فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ " .
أي: مكان الحيض, وهو الوطء في الفرج خاصة, فهذا هو المحرم إجماعا.
وتخصيص الاعتزال في المحيض, يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها, في غير الوطء في الفرج, جائز.
لكن قوله " وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ " يدل على ترك المباشرة فيما قرب من الفرج, وذلك فيما بين السرة والركبة, فينبغي تركه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض, أمرها أن تتزر, فيباشرها.
وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحيض " حَتَّى يَطْهُرْنَ " أي: ينقطع دمهن, فإذا انقطع الدم, زال المنع الموجود وقت جريانه, الذي كان لحله شرطان, انقطاع الدم, والاغتسال منه.
فلما انقطع الدم, زال الشرط الأول وبقي الثاني, فلهذا قال: " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ " أي: اغتسلن " فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " أي: في القبل لا في الدبر, لأنه محل الحرث.
وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض, وأن انقطاع الدم, شرط لصحته.
ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده, وصيانة عن الأذى قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ " أي: من ذنوبهم على الدوام " وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " أي: المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.
ففيه مشروعية الطهارة مطلقا, لأن الله تعالى يحب المتصف بها, ولهذا كانت الطهارة مطلقا, شرطا لصحة الصلاة والطواف, وجواز مس المصحف.
ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة, والصفات القبيحة, والأفعال الخسيسة.
ويسألونك عن الحيض- وهو الدم الذي يسيل من أرحام النساء جِبِلَّة في أوقات مخصوصة-، قل لهم -أيها النبي-: هو أذى مستقذر يضر من يَقْرَبُه، فاجتنبوا جماع النساء مدة الحيض حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع الدم، واغتسلن، فجامعوهن في الموضع الذي أحلَّه الله لكم، وهو القبل لا الدبر. إن الله يحب عباده المكثرين من الاستغفار والتوبة، ويحب عباده المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار.
"وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض" أَيْ الْحَيْض أَوْ مَكَانه مَاذَا يَفْعَل بِالنِّسَاءِ فِيهِ "قُلْ هُوَ أَذًى" قَذَر أَوْ مَحَلّه "فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء" اُتْرُكُوا وَطْأَهُنَّ "فِي الْمَحِيض" أَيْ وَقْته أَوْ مَكَانه "وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ" بِالْجِمَاعِ "حَتَّى يَطْهُرْنَ" بِسُكُونِ الطَّاء وَتَشْدِيدهَا وَالْهَاء وَفِيهِ إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الطَّاء أَيْ يَغْتَسِلْنَ بَعْد انْقِطَاعه "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ" بِالْجِمَاعِ "مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه" بِتَجَنُّبِهِ فِي الْحَيْض وَهُوَ الْقُبُل وَلَا تَعْدُوهُ إلَى غَيْره "إنَّ اللَّه يُحِبّ" يُثِيب وَيُكْرِم "التَّوَّابِينَ" مِنْ الذُّنُوب "وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ" مِنْ الْأَقْذَار
قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ الْيَهُود كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُوَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوت فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ " حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَة . فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا النِّكَاح " فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُود فَقَالُوا : مَا يُرِيد هَذَا الرَّجُل أَنْ يَدَع مِنْ أَمْرنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ أُسَيْد بْن حُضَيْر وَعَبَّاد بْن بِشْر . فَقَالَا يَا رَسُول اللَّه : إِنَّ الْيَهُود قَالَتْ كَذَا وَكَذَا أَفَلَا نُجَامِعهُنَّ ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْه رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّة مِنْ لَبَن إِلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ فِي آثَارهمَا فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِد عَلَيْهِمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد بْن سَلَمَة فَقَوْله " فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض " يَعْنِي الْفَرْج لِقَوْلِهِ " اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا النِّكَاح " وَلِهَذَا ذَهَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء أَوْ أَكْثَرهمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوز مُبَاشَرَة الْحَائِض فِيمَا عَدَا الْفَرْج . قَالَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِض شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجهَا ثَوْبًا . وَقَالَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا حَدَّثَنَا الشَّعْبِيّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه يَعْنِي اِبْن عُمَر بْن غَانِم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن يَعْنِي اِبْن زِيَاد عَنْ عُمَارَة بْن غُرَاب أَنَّ عَمَّة لَهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَأَلْت عَائِشَة قَالَتْ : إِحْدَانَا تَحِيض وَلَيْسَ لَهَا وَلِزَوْجِهَا فِرَاش إِلَّا فِرَاش وَاحِد قَالَتْ : أُخْبِرُك بِمَا صَنَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ فَمَضَى إِلَى مَسْجِده قَالَ أَبُو دَاوُد : تَعْنِي مَسْجِد بَيْتهَا فَمَا اِنْصَرَفَ حَتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَأَوْجَعَهُ الْبَرْد فَقَالَ : " اُدْنِي مِنِّي " فَقُلْت : إِنِّي حَائِض فَقَالَ : وَإِنْ " اِكْشِفِي عَنْ فَخِذَيْك " فَكَشَفْت فَخِذَيَّ فَوَضَعَ خَدّه وَصَدْره عَلَى فَخِذِي وَحَنَيْت عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ وَنَامَ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب حَدَّثَنَا أَيُّوب عَنْ كِتَاب أَبِي قِلَابَة أَنَّ مَسْرُوقًا رَكِبَ إِلَى عَائِشَة فَقَالَ : السَّلَام عَلَى النَّبِيّ وَعَلَى أَهْله فَقَالَتْ عَائِشَة : مَرْحَبًا مَرْحَبًا فَأَذِنُوا لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ : إِنِّي أُرِيد أَنْ أَسْأَلك عَنْ شَيْء وَأَنَا أَسْتَحِي فَقَالَتْ إِنَّمَا أَنَا أُمّك وَأَنْتَ اِبْنِي فَقَالَ : مَا لِلرَّجُلِ مِنْ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض فَقَالَتْ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا فَرْجهَا . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ حُمَيْد بْن مَسْعَدَة عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ عُيَيْنَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن جَوْشَن عَنْ مَرْوَان الْأَصْفَر عَنْ مَسْرُوق . قَالَ قُلْت لِعَائِشَة مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ اِمْرَأَته إِذَا كَانَتْ حَائِضًا ؟ قَالَتْ : كُلّ شَيْء إِلَّا الْجِمَاع . وَهَذَا قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة وَرَوَى اِبْن جَرِير أَيْضًا عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ اِبْن أَبِي زَائِدَة عَنْ حَجَّاج عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان عَنْ عَائِشَة قَالَتْ لَهُ : مَا فَوْق الْإِزَار . " قُلْت " وَيَحِلّ مُضَاجَعَتهَا وَمُوَاكَلَتهَا بِلَا خِلَاف قَالَتْ عَائِشَة : كَانَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرنِي فَأَغْسِل رَأْسه وَأَنَا حَائِض وَكَانَ يَتَّكِئ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِض فَيَقْرَأ الْقُرْآن وَفِي الصَّحِيح عَنْهَا قَالَتْ : كُنْت أَتَعَرَّقُ الْعَرْق وَأَنَا حَائِض فَأُعْطِيه النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ فَمَه فِي الْمَوْضِع الَّذِي وَضَعْت فَمِي فِيهِ وَأَشْرَب الشَّرَاب فَأُنَاوِلهُ فَيَضَع فَمه فِي الْمَوْضِع الَّذِي كُنْت أَشْرَب مِنْهُ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ جَابِر بْن صُبْح سَمِعْت خَلَّاسًا الْهَجَرِيّ قَالَ : سَمِعْت عَائِشَة تَقُول كُنْت أَنَا وَرَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيت فِي الشِّعَار الْوَاحِد وَأَنَا حَائِض طَامِث فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْء غَسَلَ مَكَانه لَمْ يَعْدُهُ وَإِنْ أَصَابَهُ يَعْنِي ثَوْبه شَيْء غَسَلَ مَكَانه لَمْ يَعْدُهُ وَصَلَّى فِيهِ فَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَبْد الْجَبَّار حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز يَعْنِي اِبْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي الْيَمَان عَنْ أُمّ ذَرَّة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : كُنْت إِذَا حِضْت نَزَلْت عَنْ الْمِثَال عَلَى الْحَصِير فَلَمْ تَقْرَب رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَدْنُ مِنْهُ حَتَّى تَطْهُر فَهُوَ مَحْمُول عَلَى التَّنَزُّه وَالِاحْتِيَاط وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا تَحِلّ لَهُ مُبَاشَرَتُهَا فِيمَا عَدَا مَا تَحْت الْإِزَار كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِر اِمْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاِتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِض وَهَذَا لَفْظ الْبُخَارِيّ وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَة نَحْوه . وَرَوَى الْإِمَام أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث الْعَلَاء عَنْ حَرَام بْن حَكِيم عَنْ عَمّه عَبْد اللَّه بْن سَعْد الْأَنْصَارِيّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا يَحِلّ لِي مِنْ اِمْرَأَتِي وَهِيَ حَائِض ؟ قَالَ : " مَا فَوْق الْإِزَار " وَلِأَبِي دَاوُد أَيْضًا عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا يَحِلّ لِي مِنْ اِمْرَأَتِي وَهِيَ حَائِض قَالَ : " مَا فَوْق الْإِزَار وَالتَّعَفُّف عَنْ ذَلِكَ أَفْضَل " وَهُوَ رِوَايَة عَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَشُرَيْح فَهَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا شَابَهَهَا حُجَّة مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَحِلّ مَا فَوْق الْإِزَار مِنْهَا وَهُوَ أَحَد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه الَّذِي رَجَّحَهُ كَثِير مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرهمْ وَمَأْخَذُهُمْ أَنَّهُ حَرِيمُ الْفَرْج فَهُوَ حَرَام لِئَلَّا يَتَوَصَّل إِلَى تَعَاطِي مَا حَرَّمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيمه وَهُوَ الْمُبَاشَرَة فِي الْفَرْج ثُمَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَثِمَ فَيَسْتَغْفِر اللَّه وَيَتُوب إِلَيْهِ وَهَلْ يَلْزَمهُ مَعَ ذَلِكَ كَفَّارَة أَمْ لَا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ " أَحَدهمَا " نَعَمْ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَأَهْل السُّنَن عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي يَأْتِي اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض يَتَصَدَّق بِدِينَارٍ أَوْ نِصْف دِينَار وَفِي لَفْظ التِّرْمِذِيّ " إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَر فَدِينَار وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَر فَنِصْف دِينَار " وَلِلْإِمَامِ أَحْمَد أَيْضًا عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي الْحَائِض نِصَاب دِينَار فَإِنْ أَصَابَهَا وَقَدْ أَدْبَرَ الدَّم عَنْهَا وَلَمْ تَغْتَسِل فَنِصْف دِينَار " وَالْقَوْل الثَّانِي " وَهُوَ الصَّحِيح الْجَدِيد مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَقَوْل الْجُمْهُور أَنَّهُ لَا شَيْء فِي ذَلِكَ بَلْ يَسْتَغْفِر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحّ عِنْدهمْ رَفْع هَذَا الْحَدِيث فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا كَمَا تَقَدَّمَ وَمَوْقُوفًا وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد كَثِير مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث فَقَوْله تَعَالَى " وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ" تَفْسِير لِقَوْلِهِ " فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض " وَنَهْيٌ عَنْ قُرْبَانهنَّ بِالْجِمَاعِ مَا دَامَ الْحَيْض مَوْجُودًا وَمَفْهُومه حِلّه إِذَا اِنْقَطَعَ قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حَنْبَل فِيمَا أَمْلَاهُ فِي الطَّاعَة وَقَوْله " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ " الْآيَة . الطُّهْر يَدُلّ عَلَى أَنْ يَقْرَبهَا فَلَمَّا قَالَتْ مَيْمُونَة وَعَائِشَة كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا حَاضَتْ اِتَّزَرَتْ وَدَخَلَتْ مَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِعَاره دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْجِمَاع . وَقَوْله " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه " فِيهِ نَدْب وَإِرْشَاد إِلَى غِشْيَانهنَّ بَعْد الِاغْتِسَال وَذَهَبَ اِبْن حَزْم إِلَى وُجُوب الْجِمَاع بَعْد كُلّ حَيْضَة لِقَوْلِهِ " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه " وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُسْتَنَد لِأَنَّ هَذَا أَمْر بَعْد الْحَظْر وَفِيهِ أَقْوَال لِعُلَمَاء الْأُصُول مِنْهُمْ مَنْ يَقُول إِنَّهُ عَلَى الْوُجُوب كَالْمُطْلَقِ وَهَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إِلَى جَوَاب اِبْن حَزْم وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ وَيَجْعَلُونَ تَقَدُّم النَّهْي عَلَيْهِ قَرِينَة صَارِفَة لَهُ عَنْ الْوُجُوب وَفِيهِ نَظَر وَاَلَّذِي يَنْهَض عَلَيْهِ الدَّلِيل أَنَّهُ يَرُدّ عَلَيْهِ الْحُكْم إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْر قَبْل النَّهْي فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَوَاجِب كَقَوْلِهِ " فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " أَوْ مُبَاحًا فَمُبَاح كَقَوْلِهِ" وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا " " فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ " وَعَلَى هَذَا الْقَوْل تَجْتَمِع الْأَدِلَّة وَقَدْ حَكَاهُ الْغَزَالِيّ وَغَيْره فَاخْتَارَهُ بَعْض أَئِمَّة الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الصَّحِيح وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا اِنْقَطَعَ حَيْضهَا لَا تَحِلّ حَتَّى تَغْتَسِل بِالْمَاءِ أَوْ تَتَيَمَّم إِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِشَرْطِهِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه يَقُول فِيمَا إِذَا اِنْقَطَعَ دَمهَا لِأَكْثَر الْحَيْض وَهُوَ عَشَرَة أَيَّام عِنْده إِنَّهَا تَحِلّ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاع وَلَا تَفْتَقِر إِلَى غُسْل وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس " حَتَّى يَطْهُرْنَ " أَيْ مِنْ الدَّم " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ" أَيْ بِالْمَاءِ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَاللَّيْث بْن سَعْد وَغَيْرهمْ . وَقَوْله " مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد يَعْنِي الْفَرْج قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس" فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه " يَقُول فِي الْفَرْج وَلَا تَعْدُوهُ إِلَى غَيْره فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ اِعْتَدَى وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة " مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه " أَيْ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ وَفِيهِ دَلَالَة حِينَئِذٍ عَلَى تَحْرِيم الْوَطْء فِي الدُّبُر كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَقَالَ أَبُو رَزِين وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد " فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه " يَعْنِي طَاهِرَات غَيْر حَيْض وَلِهَذَا قَالَ " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ" أَيْ مِنْ الذَّنْب وَإِنْ تَكَرَّرَ غِشْيَانه " وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ" أَيْ الْمُتَنَزِّهِينَ عَنْ الْأَقْذَار وَالْأَذَى وَهُوَ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ إِتْيَان الْحَائِض أَوْ فِي غَيْر الْمَأْتَى .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض } وَيَسْأَلك يَا مُحَمَّد أَصْحَابك عَنْ الْحَيْض وَقِيلَ " الْمَحِيض " لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْفِعْل مَاضِيه بِفَتْحِ عَيْن الْفِعْل وَكَسْرهَا فِي الِاسْتِقْبَال , مِثْل قَوْل الْقَائِل : ضَرَبَ يَضْرِب , وَحَبَسَ يَحْبِس , وَنَزَلَ يَنْزِل , فَإِنَّ الْعَرَب تَبْنِي مَصْدَره عَلَى الْمَفْعَل وَالِاسْم عَلَى الْمَفْعِل مِثْل الْمَضْرَب وَالْمَضْرِب مِنْ ضَرَبْت , وَنَزَلْت مَنْزِلًا وَمَنْزَلًا . وَمَسْمُوع فِي ذَوَات الْيَاء وَالْأَلِف الْمَعِيش وَالْمَعَاش وَالْمَعِيب وَالْمَعَاب , كَمَا قَالَ رُؤْيَة فِي الْمَعِيش : إلَيْك أَشْكُو شِدَّة الْمَعِيش وَمَرَّ أَعْوَام نَتَفْنَ رِيشِي وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْم سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا عَنْ الْحَيْض , لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْل بَيَان اللَّه لَهُمْ مَا يَتَبَيَّنُونَ مِنْ أَمْره , لَا يُسَاكِنُونَ حَائِضًا فِي بَيْت , وَلَا يُؤَاكِلُونَهُنَّ فِي إنَاء , وَلَا يُشَارِبُونَهُنَّ , فَعَرَّفَهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ فِي أَيَّام حَيْض نِسَائِهِمْ أَنْ يَجْتَنِبُوا جِمَاعهنَّ فَقَطْ دُون مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مُضَاجَعَتهنَّ وَمُؤَاكَلَتهنَّ وَمُشَارَبَتهنَّ . كَمَا : 3385 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ



قَتَادَة قَوْله : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض } حَتَّى بَلَغَ : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } فَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا تُسَاكِنهُمْ حَائِض فِي بَيْت , وَلَا تُؤَاكِلهُمْ فِي إنَاء , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي ذَلِكَ , فَحَرَّمَ فَرْجهَا مَا دَامَتْ حَائِضًا , وَأَحَلَّ مَا سِوَى ذَلِكَ : أَنْ تُصْبِغ لَك رَأَسَك , وَتُؤَاكِلك مِنْ طَعَامك , وَأَنْ تُضَاجِعك فِي فِرَاشك إذَا كَانَ عَلَيْهَا إزَار مُحْتَجِزَة بِهِ دُونك . 3386 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَيَّام حَيْضهنَّ يَجْتَنِبُونَ إتْيَانهنَّ فِي مَخْرَج الدَّم وَيَأْتُونَهُنَّ فِي أَدْبَارهنَّ . فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ أَنْ يَقْرَبُوهُنَّ فِي أَيَّام حَيْضهنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ , ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ إذَا تَطَهَّرْنَ مِنْ حَيْضهنَّ فِي إتْيَانهنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِاعْتِزَالِهِنَّ , وَحَرَّمَ إتْيَانهنَّ فِي أَدْبَارهنَّ بِكُلِّ حَال . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3387 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , قَالَ : ثني مُجَاهِد , قَالَ : كَانُوا يَجْتَنِبُونَ النِّسَاء فِي الْمَحِيض , وَيَأْتُونَهُنَّ فِي أَدْبَارهنَّ , فَسَأَلُوا النَّبِيّ عَنْ ذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض } إلَى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } فِي الْفَرْج وَلَا تَعْدُوهُ . وَقِيلَ : إنَّ السَّائِل الَّذِي سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ ثَابِت بْن الدَّحْدَاح الْأَنْصَارِيّ . 3388 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ .



الْقَوْل فِي



تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ أَذًى } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : قُلْ لِمَنْ سَأَلَك مِنْ أَصْحَابك يَا مُحَمَّد عَنْ الْمَحِيض هُوَ أَذًى . وَالْأَذَى : هُوَ مَا يُؤْذَى بِهِ مِنْ مَكْرُوه فِيهِ , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع يُسْمَى أَذًى لِنَتْنِ رِيحه وَقَذَره وَنَجَاسَته , وَهُوَ جَامِع لِمَعَانٍ شَتَّى مِنْ خِلَال الْأَذَى غَيْر وَاحِدَة . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى تَقَارُب مَعَانِي بَعْض مَا قَالُوا فِيهِ مِنْ بَعْض , فَقَالَ بَعْضهمْ قَوْله : { قُلْ هُوَ أَذًى } قُلْ هُوَ قَذَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3389 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { قُلْ هُوَ أَذًى } قَالَ : أَمَّا أَذًى : فَقَذَر . 3390 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { قُلْ هُوَ أَذًى } قَالَ : قُلْ هُوَ أَذًى , قَالَ : قَذَر . وَقَالَ آخَرُونَ : قُلْ هُوَ دَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3391 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض قُلْ هُوَ أَذًى } قَالَ : الْأَذَى : الدَّم .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض } فَاعْتَزِلُوا جِمَاع النِّسَاء وَنِكَاحهنَّ فِي مَحِيضهنَّ . كَمَا : 3392 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض } يَقُول : اعْتَزِلُوا نِكَاح فُرُوجهنَّ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الَّذِي يَجِب عَلَى الرَّجُل اعْتِزَاله مِنْ الْحَائِض , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْوَاجِب عَلَى الرَّجُل اعْتِزَال جَمِيع بَدَنهَا أَنْ يُبَاشِرهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3393 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن مَسْعَدَةَ , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : قُلْت لِعُبَيْدَة : مَا يَحِلّ لِي مِنْ امْرَأَتِي إذَا كَانَتْ حَائِضًا ؟ قَالَ : الْفِرَاش وَاحِد , وَاللِّحَاف شَتَّى . 3394 - حَدَّثَنِي تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , عَنْ نَدْبَة , مَوْلَاة آل عَبَّاس قَالَتْ : بَعَثَتْنِي مَيْمُونَة ابْنَة الْحَارِث , أَوْ حَفْصَة ابْنَة عُمَر , إلَى امْرَأَة عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس , وَكَانَتْ بَيْنهمَا قَرَابَة مِنْ قِبَل النِّسَاء , فَوَجَدَتْ فِرَاشهَا مُعْتَزِلًا فِرَاشه , فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ الْهِجْرَان , فَسَأَلَتْهَا عَنْ اعْتِزَال فِرَاشه فِرَاشهَا , فَقَالَتْ : إنِّي طَامِث , وَإِذَا طَمَثْت اعْتَزَلَ فِرَاشِي . فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ



بِذَلِكَ مَيْمُونَة أَوْ حَفْصَة , فَرَدَّتْنِي إلَى ابْن عَبَّاس , تَقُول لَك أُمّك : أَرَغِبْت عَنْ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَوَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَام مَعَ الْمَرْأَة مِنْ نِسَائِهِ , وَإِنَّهَا لَحَائِض , وَمَا بَيْنه وَبَيْنهَا إلَّا ثَوْب مَا يُجَاوِز الرُّكْبَتَيْنِ . 3395 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَيُّوب وَابْن عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَتْ لِعُبَيْدَة : مَا لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَته إذَا كَانَتْ حَائِضًا ؟ قَالَ : الْفِرَاش وَاحِد , وَاللِّحَاف شَتَّى , فَإِنْ لَمْ يَجِد إلَّا أَنْ يَرِد عَلَيْهَا مِنْ ثَوْبه رُدَّ عَلَيْهَا مِنْهُ . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَمَرَ بِاعْتِزَالِ النِّسَاء فِي حَال حَيْضهنَّ , وَلَمْ يَخْصُصْنَ مِنْهُنَّ شَيْئًا دُون شَيْء , وَذَلِكَ عَامّ عَلَى جَمِيع أَجْسَادهنَّ وَاجِب اعْتِزَال كُلّ شَيْء مِنْ أَبْدَانهنَّ فِي حَيْضهنَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِاعْتِزَالِهِ مِنْهُنَّ مَوْضِع الْأَذَى , وَذَلِكَ مَوْضِع مَخْرَج الدَّم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3396 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَةَ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : حَدَّثَنِي عُيَيْنَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن جَوْشَن , قَالَ : ثنا مَرْوَان الْأَصْغَر , عَنْ مَسْرُوق بْن الْأَجْدَع , قَالَ : قُلْت لِعَائِشَة : مَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَته إذَا كَانَتْ حَائِضًا ؟ قَالَتْ : كُلّ شَيْء إلَّا الْجِمَاع . 3397 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , وَحَدَّثَنَا ابْن بَشَّار قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : وَأَيْنَ كَانَ ذُو الْفِرَاشَيْنِ وَذُو اللِّحَافَيْنِ ؟ 3398 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد , عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قُلْت لِعَائِشَة : مَا يَحْرُم عَلَى الرَّجُل مِنْ امْرَأَته إذَا كَانَتْ حَائِضًا ؟ قَالَتْ . فَرْجهَا . 3399 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ كِتَاب أَبِي قِلَابَةَ : أَنَّ مَسْرُوقًا رَكِبَ إلَى عَائِشَة , فَقَالَ : السَّلَام عَلَى النَّبِيّ وَعَلَى أَهْل بَيْته فَقَالَتْ عَائِشَة : أَبُو عَائِشَة مَرْحَبًا ! فَأَذِنُوا لَهُ , فَدَخَلَ فَقَالَ : إنِّي أُرِيد أَنْ أَسْأَلك عَنْ شَيْء وَأَنَا أَسْتَحْيِي فَقَالَتْ : إنَّمَا أَنَا أُمّك وَأَنْت ابْنِي . فَقَالَ , مَا لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَته وَهِيَ حَائِض ؟ قَالَتْ لَهُ : كُلّ شَيْء إلَّا فَرْجهَا . 3400 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان , عَنْ عَائِشَة قَالَتْ لَهُ : مَا فَوْق الْإِزَار . 3401 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب , عَنْ نَافِع : أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ فِي مُضَاجَعَة الْحَائِض : لَا بَأْس بِذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهَا إزَار . 3402 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي مَعْشَر قَالَ : سَأَلْت عَائِشَة : مَا لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَته إذَا كَانَتْ حَائِضًا ؟ فَقَالَتْ : كُلّ شَيْء إلَّا الْفَرْج . 3430 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ مُحَمَّد بْن إبْرَاهِيم بْن الْحَادِث قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : إذَا جَعَلْت الْحَائِض عَلَى فَرْجهَا ثَوْبًا أَوْ مَا يَكُفّ الْأَذَى , فَلَا بَأْس أَنْ يُبَاشِر جِلْدهَا زَوْجهَا . 3404 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن إدْرِيس , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ : مَا لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَته إذَا كَانَتْ حَائِضًا ؟ قَالَ : مَا فَوْق الْإِزَار . 3405 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هَاشِم بْن الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن فُضَيْل , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : اتَّقِ مِنْ الدَّم مِثْل مَوْضِع النَّعْل . 3406 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ أُمّ سَلَمَة : قَالَتْ فِي مُضَاجَعَة الْحَائِض : لَا بَأْس بِذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى فَرْجهَا خِرْقَة . 3407 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَته كُلّ شَيْء مَا خَلَا الْفَرْج ( يَعْنِي وَهِيَ حَائِض ) قَالَ : يَبِيتَانِ فِي لِحَاف وَاحِد , يَعْنِي الْحَائِض إذَا كَانَ عَلَى الْفَرْج ثَوْب . 3408 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ عَنْ عَوْف عَنْ الْحَسَن , قَالَ : يَبِيتَانِ فِي لِحَاف وَاحِد - يَعْنِي الْحَائِض - إذَا كَانَ عَلَى الْفَرْج ثَوْب . 3409 - حَدَّثَنَا تَمِيم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْحَاق , عَنْ شَرِيك , عَنْ لَيْث , قَالَ : تَذَاكَرْنَا عِنْد مُجَاهِد الرَّجُل يُلَاعِب امْرَأَته وَهِيَ حَائِض , قَالَ : اطْعَنْ بِذَكَرِك حَيْثُمَا شِئْت فِيمَا بَيْن الْفَخِذَيْنِ وَالْأَلْيَتَيْنِ وَالسُّرَّة , مَا لَمْ يَكُنْ فِي الدُّبُر أَوْ الْحَيْض . 3409 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , قَالَ : يُبَاشِر الرَّجُل امْرَأَته وَهِيَ حَائِض ؟ قَالَ : إذَا كَفَّتْ الْأَذَى . 3411 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَةَ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثني عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : كُلّ شَيْء مِنْ الْحَائِض لَك حَلَال غَيْر مَجْرَى الدَّم . وَعِلَّة قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة , قِيَام الْحُجَّة بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُبَاشِر نِسَاءَهُ وَهُنَّ حُيَّض , وَلَوْ كَانَ الْوَاجِب اعْتِزَال جَمِيعهنَّ لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلِمَ أَنَّ مُرَاد اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض } هُوَ اعْتِزَال بَعْض جَسَدهَا دُون بَعْض . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَجَبَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ هُوَ الْجِمَاع الْمُجْمَع عَلَى تَحْرِيمه عَلَى الزَّوْج فِي قُبُلهَا دُون مَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَاف مِنْ جِمَاعهَا فِي سَائِر بَدَنهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِاعْتِزَالِهِ مِنْهُنَّ فِي حَال حَيْضهنَّ مَا بَيْن السُّرَّة إلَى الرُّكْبَة , وَمَا فَوْق ذَلِكَ وَدُونه مِنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3412 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ ابْن عَوْن , عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ شُرَيْح , قَالَ لَهُ : مَا فَوْق السُّرَّة , وَذَكَرَ الْحَائِض . 3413 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب قَالَا : ثنا ابْن إدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَنْ الْحَائِض : مَا لِزَوْجِهَا مِنْهَا ؟ فَقَالَ : مَا فَوْق الْإِزَار . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَيُّوب وَابْن عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : قَالَ شُرَيْح : لَهُ مَا فَوْق سُرَّتهَا . 3414 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ وَاقِد بْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ : سُئِلَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : مَا لِلرَّجُلِ مِنْ الْحَائِض ؟ قَالَ : مَا فَوْق الْإِزَار . وَعِلَّة مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَة صِحَّة الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا : 3415 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ وَحَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْص , قَالَ : ثنا الشَّيْبَانِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد بْن الْهَادّ , قَالَ : سَمِعْت مَيْمُونَة , تَقُول : " وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِر امْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِض أَمَرَهَا فَاِتَّزَرَتْ " . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد , عَنْ مَيْمُونَة : " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبَاشِرهَا وَهِيَ حَائِض فَوْق الْإِزَار " . 3416 - حَدَّثَنِي سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إبْرَاهِيم , عَنْ الْأَسْوَد , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا فَاِتَّزَرَتْ بِإِزَارٍ ثُمَّ يُبَاشِرهَا . * - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيَّ , عَنْ الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَأْتَزِر ثُمَّ يُبَاشِرهَا . وَنَظَائِر ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي يَطُول بِاسْتِيعَابِ ذِكْر جَمِيعهَا الْكِتَاب قَالُوا : فَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ فَجَائِز , وَهُوَ مُبَاشَرَة الْحَائِض مَا دُون الْإِزَار وَفَوْقه , وَذَلِكَ دُون الرُّكْبَة وَفَوْق السُّرَّة , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ جَسَد الْحَائِض فَوَاجِب اعْتِزَاله لِعُمُومِ الْآيَة . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَته الْحَائِض مَا فَوْق الْمُؤْتَزَر وَدُونه لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّة لَهُمْ .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } اخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } بِضَمِّ الْهَاء وَتَخْفِيفهَا , وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الْهَاء وَفَتْحهَا . وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِتَخْفِيفِ الْهَاء وَضَمّهَا فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَاهُ إلَى : وَلَا تَقْرَبُوا النِّسَاء فِي حَال حَيْضهنَّ حَتَّى يَنْقَطِع عَنْهُنَّ دَم الْحَيْض وَيَطْهُرْنَ . وَقَالَ بِهَذَا التَّأْوِيل جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3417 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن مَهْدِيّ وَمُؤَمِّل , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } قَالَ : انْقِطَاع الدَّم . 3418 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ سُفْيَان أَوْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } حَتَّى يَنْقَطِع الدَّم عَنْهُنَّ . 3419 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه الْعَتَكِيّ , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ }



قَالَ : حَتَّى يَنْقَطِع الدَّم . وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِتَشْدِيدِ الْهَاء وَفَتْحهَا , فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ : حَتَّى يَغْتَسِلْنَ بِالْمَاءِ وَشَدَّدُوا الطَّاء لِأَنَّهُمْ قَالُوا : مَعْنَى الْكَلِمَة : حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الطَّاء لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " حَتَّى يَطَّهَّرْنَ " بِتَشْدِيدِهَا وَفَتْحهَا , بِمَعْنَى : حَتَّى يَغْتَسِلْنَ , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى الرَّجُل أَنْ يَقْرَب امْرَأَته بَعْد انْقِطَاع دَم حَيْضهَا حَتَّى تَطْهُر . وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي التَّطَهُّر الَّذِي عَنَاهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , فَأَحَلَّ لَهُ جِمَاعهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ , وَلَا يَحِلّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبهَا حَتَّى تَغْسِل جَمِيع بَدَنهَا . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الْوُضُوء لِلصَّلَاةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ غَسْل الْفَرْج , فَإِذَا غَسَلَتْ فَرْجهَا فَذَلِكَ تَطَهُّرهَا الَّذِي يَحِلّ بِهِ لِزَوْجِهَا غِشْيَانهَا . فَإِذَا كَانَ إجْمَاع مِنْ الْجَمِيع أَنَّهَا لَا تَحِلّ لِزَوْجِهَا بِانْقِطَاعِ الدَّم حَتَّى تَطْهُر , كَانَ بَيِّنًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ أَنْفَاهُمَا لِلَّبْسِ عَنْ فَهْم سَامِعهَا , وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي اخْتَرْنَا , إذْ كَانَ فِي قِرَاءَة قَارِئِهَا بِتَخْفِيفِ الْهَاء وَضَمّهَا مَا لَا يُؤْمَن مَعَهُ اللَّبْس عَلَى سَامِعهَا مِنْ الْخَطَأ فِي تَأْوِيلهَا , فَيَرَى أَنَّ لِلزَّوْجِ غِشْيَانهَا بَعْد انْقِطَاع دَم حَيْضهَا عَنْهَا وَقَبْل اغْتِسَالهَا وَتَطَهُّرهَا . فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا : وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض , قُلْ هُوَ أَذًى , فَاعْتَزِلُوا جِمَاع نِسَائِكُمْ فِي وَقْت حَيْضهنَّ , وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ فَيَتَطَهَّرْنَ مِنْ حَيْضهنَّ بَعْد انْقِطَاعه .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } فَإِذَا اغْتَسَلْنَ فَتَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ فَجَامِعُوهُنَّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَفَفُرِضَ جِمَاعهنَّ حِينَئِذٍ ؟ قِيلَ : لَا . فَإِنْ قَالَ : فَمَا مَعْنَى قَوْله إذَا : { فَأْتُوهُنَّ } ؟ قِيلَ : ذَلِكَ إبَاحَة مَا كَانَ مَنَعَ قَبْل ذَلِكَ مِنْ جِمَاعهنَّ وَإِطْلَاق لِمَا كَانَ حَظَّرَ فِي حَال الْحَيْض , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } 5 2 وَقَوْله { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْض } 62 10 وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ , فَإِذَا اغْتَسَلْنَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3420 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } يَقُول : فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الدَّم وَتَطَهَّرَتْ بِالْمَاءِ . 3421 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مَهْدِيّ وَمُؤَمِّل , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن



أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } فَإِذَا اغْتَسَلْنَ . 3422 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مُحْيِي بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه الْعَتَكِيّ . عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } يَقُول : اغْتَسَلْنَ . 3423 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ سُفْيَان أَوْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } إذَا اغْتَسَلْنَ . 3424 - حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مُوسَى , ثنا عَبْد الْوَارِث , ثنا عَامِر , عَنْ الْحَسَن : فِي الْحَائِض تَرَى الطُّهْر , قَالَ : لَا يَغْشَاهَا زَوْجهَا حَتَّى تَغْتَسِل وَتَحِلّ لَهَا الصَّلَاة . 3424 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ , ثنا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم : أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَطَأهَا حَتَّى تَغْتَسِل ; يَعْنِي الْمَرْأَة إذَا طَهُرَتْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ لِلصَّلَاةِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3426 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ , أَخْبَرَنَا لَيْث . عَنْ طَاوُس وَمُجَاهِد أَنَّهُمَا قَالَا : إذَا طَهُرَتْ الْمَرْأَة مِنْ الدَّم فَشَاءَ زَوْجهَا أَنْ يَأْمُرهَا بِالْوُضُوءِ قَبْل أَنْ تَغْتَسِل إذَا أَدْرَكَهُ الشَّبَق فَلْيُصِبْ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ , مَعْنَى قَوْله , { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } فَإِذَا اغْتَسَلْنَ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيع عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِير بِالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ طَاهِرًا الطُّهْر لِلَّذِي يَحِلّ لَهَا بِهِ الصَّلَاة , وَأَنَّ الْقَوْل لَا يَخْلُو فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَد أَمْرَيْنِ . إمَّا أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ مِنْ النَّجَاسَة فَأْتُوهُنَّ . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , فَقَدْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون مَتَى انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّم فَجَائِز لِزَوْجِهَا جِمَاعهَا إذَا لَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ نَجَاسَة ظَاهِرَة , هَذَا إنْ كَانَ قَوْله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } جَائِزًا اسْتِعْمَاله فِي التَّطَهُّر مِنْ النَّجَاسَة , وَلَا أَعْلَمهُ جَائِزًا إلَّا عَلَى اسْتِكْرَاه الْكَلَام أَوْ يَكُون مَعْنَاهُ : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ لِلصَّلَاةِ فِي إجْمَاع الْجَمِيع مِنْ الْحُجَّة عَلَى أَنَّهُ غَيْر جَائِز لِزَوْجِهَا غِشْيَانهَا بِانْقِطَاعِ دَم حَيْضهَا , إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نَجَاسَة دُون التَّطَهُّر بِالْمَاءِ إذَا كَانَتْ وَاجِدَته أَدَلّ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ الطُّهْر الَّذِي يُحْزِيهِنَّ بِهِ الصَّلَاة . وَفِي إجْمَاع الْجَمِيع مِنْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الصَّلَاة لَا تَحِلّ لَهَا إلَّا بِالِاغْتِسَالِ أَوْضَح الدَّلَالَة عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ غِشْيَانهَا حَرَام إلَّا بَعْد الِاغْتِسَال , وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } فَإِذَا اغْتَسَلْنَ فَصِرْنَ طَوَاهِر الطُّهْر الَّذِي يَجْزِيهِنَّ بِهِ الصَّلَاة .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَأْتُوا نِسَاءَكُمْ إذَا تَطَهَّرْنَ مِنْ الْوَجْه الَّذِي نَهَيْتُكُمْ عَنْ إتْيَانهنَّ مِنْهُ فِي حَال حَيْضهنَّ , وَذَلِكَ الْفَرْج الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِتَرْكِ جِمَاعهنَّ فِيهِ فِي حَال الْحَيْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3427 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثني أَبَانَ



بْن صَالِح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ . 3428 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } يَقُول : فِي الْفَرْج لَا تَعْدُوهُ إلَى غَيْره , فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ اعْتَدَى . 3429 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوا . 3430 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثنا أَبُو صَخْر , عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة الْبَجَلِيّ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَا أَنَا وَمُجَاهِد جَالِسَانِ عِنْد ابْن عَبَّاس أَتَاهُ رَجُل فَوَقَفَ عَلَى رَأْسه , فَقَالَ : يَا أَبَا الْعَبَّاس أَوْ يَا أَبَا الْفَضْل أَلَا تَشْفِينِي عَنْ آيَة الْمَحِيض ؟ قَالَ : بَلَى ! فَقَرَأَ : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض } حَتَّى بَلَغَ آخِر الْآيَة , فَقَالَ ابْن عَبَّاس : مِنْ حَيْثُ جَاءَ الدَّم , مِنْ ثَمَّ أَمَرْت أَنْ تَأْتِي . 3431 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ عَمْرَة , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : دُبُر الْمَرْأَة مِثْله مِنْ الرَّجُل , ثُمَّ قَرَأَ : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض } إلَى : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ نُهُوا عَنْهُ . * - حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , قَالَ : ثني مُجَاهِد : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } فِي الْفَرْج , وَلَا تَعْدُوهُ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } يَقُول : إذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ نَهَى عَنْهُ فِي الْمَحِيض . 3432 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ سُفْيَان أَوْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } بِاعْتِزَالِهِنَّ مِنْهُ . 3433 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } أَيْ مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ الْمَحِيض طَاهِرًا غَيْر حَائِض , وَلَا تَعْدُوا ذَلِكَ إلَى غَيْره . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : طَوَاهِر مِنْ غَيْر جِمَاع وَمِنْ غَيْر حَيْض مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَأْتِي الْمَحِيض وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْره , قَالَ سَعِيد : وَلَا أَعْلَمهُ إلَّا عَنْ ابْن عَبَّاس . 3434 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } مِنْ حَيْثُ نُهِيتُمْ عَنْهُ فِي الْمَحِيض . وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } مِنْ حَيْثُ نُهِيتُمْ عَنْهُ , وَاتَّقُوا الْأَدْبَار . 3435 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن إدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ يَزِيد بْن الْوَلِيد , عَنْ إبْرَاهِيم فِي قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : فِي الْفَرْج . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : فَأْتُوهُنَّ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَمَرَكُمْ اللَّه فِيهِ أَنْ تَأْتُوهُنَّ مِنْهُ , وَذَلِكَ الْوَجْه هُوَ الطُّهْر دُون الْحَيْض . فَكَانَ مَعْنَى قَائِل ذَلِكَ فِي الْآيَة : فَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل طُهْرهنَّ لَا مِنْ قُبْل حَيْضهنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3436 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } يَعْنِي أَنْ يَأْتِيهَا طَاهِرًا غَيْر حَائِض . 3437 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين فِي قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : مِنْ قُبْل الطُّهْر . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي رَزِين بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } يَقُول : ائْتُوهُنَّ مِنْ عِنْد الطُّهْر . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيَّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن هَاشِم , عَنْ الزِّبْرِقَان , عَنْ أَبِي رَزِين : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : مِنْ قُبْل الطُّهْر , وَلَا تَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل الْحَيْض . 3438 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه الْعَتَكِيّ , عَنْ عِكْرِمَة قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } يَقُول : إذَا اغْتَسَلْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه يَقُول : طَوَاهِر غَيْر حُيَّض . 3439 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : يَقُول طَوَاهِر غَيْر حُيَّض . 3440 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } مِنْ الطُّهْر . 3441 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة بْن نبيط , عَنْ الضَّحَّاك : فَأْتُوهُنَّ طُهْرًا غَيْر حُيَّض . * - حُدِّثْنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : ائْتُوهُنَّ طَاهِرَات غَيْر حُيَّض . * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن نبيط , عَنْ الضَّحَّاك : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : طُهْرًا غَيْر حُيَّض فِي الْقُبُل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلَى مَعْنَى ذَلِكَ : فَأْتُوا النِّسَاء مِنْ قُبْل النِّكَاح لَا مِنْ قُبْل الْفُجُور . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3442 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا إسْمَاعِيل الْأَزْرَق , عَنْ أَبِي عُمَر الْأَسَدِيّ , عَنْ ابْن الْحَنَفِيَّة : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } قَالَ : مِنْ قُبْل الْحَلَال مِنْ قُبْل التَّزْوِيج . وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل طُهْرهنَّ ; وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ أَمْر بِمَعْنًى فَنُهِيَ عَنْ خِلَافه وَضِدّه , وَكَذَلِكَ النَّهْي عَنْ الشَّيْء أُمِرَ بِضَدِّهِ وَخِلَافه . فَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } فَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل مَخْرَج الدَّم الَّذِي نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْله فِي حَال حَيْضهنَّ , لَوَجَبَ أَنْ يَكُون قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } تَأْوِيله : وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ فِي مَخْرَج الدَّم دُون مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَمَاكِن جَسَدهَا , فَيَكُون مُطْلَقًا فِي حَال حَيْضهَا إتْيَانهنَّ فِي أَدْبَارهنَّ . وَفِي إجْمَاع الْجَمِيع عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يُطْلِق فِي حَال الْحَيْض مِنْ إتْيَانهنَّ فِي أَدْبَارهنَّ شَيْئًا حَرَّمَهُ فِي حَال الطُّهْر وَلَا حَرَّمَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَال الطُّهْر شَيْئًا أَحَلَّهُ فِي حَال الْحَيْض , مَا يُعْلَم بِهِ فَسَاد هَذَا الْقَوْل . وَبَعْد : فَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة لَوَجَبَ أَنْ يَكُون الْكَلَام : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه , حَتَّى يَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ , وَيَكُون ذَلِكَ أَمْرًا بِإِتْيَانِهِنَّ فِي فُرُوجهنَّ , لِأَنَّ الْكَلَام الْمَعْرُوف إذَا أُرِيدَ ذَلِكَ أَنْ يُقَال : أَتَى فُلَان زَوْجَته مِنْ قُبْل فَرْجهَا , وَلَا يُقَال : أَتَاهَا مِنْ فَرْجهَا إلَّا أَنْ يَكُون أَتَاهَا مِنْ قُبْل فَرْجهَا فِي مَكَان غَيْر الْفَرْج . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَلَيْسَ مَعْنَى الْكَلَام : فَأْتُوهُنَّ فِي فُرُوجهنَّ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ , فَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل قُبُلهنَّ فِي فُرُوجهنَّ , كَمَا يُقَال : أَتَيْت هَذَا الْأَمْر مِنْ مَأْتَاهُ , قِيلَ لَهُ : إنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَا شَكَّ أَنَّ مَأْتَى الْأَمْر وَوَجْهه غَيْره , وَأَنَّ ذَلِكَ مَطْلَبه . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ , فَقَدْ يَجِب أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّه } غَيْر الَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مَعْنَاهُ بِقَوْلِكُمْ : ائْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل مَخْرَج الدَّم وَمِنْ حَيْثُ أُمِرْتُمْ بِاعْتِزَالِهِنَّ , وَلَكِنْ الْوَاجِب أَنْ يَكُون تَأْوِيله عَلَى ذَلِكَ : فَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل وُجُوههنَّ فِي أَقْبَالهنَّ , كَمَا كَانَ قَوْل الْقَائِل ائْتِ الْأَمْر مِنْ مَأْتَاهُ إنَّمَا مَعْنَاهُ : اُطْلُبْهُ مِنْ مَطْلَبه , وَمَطْلَب الْأَمْر غَيْر الْأَمْر الْمَطْلُوب , فَكَذَلِكَ يَجِب أَنَّ مَأْتَى الْفَرْج الَّذِي أَمَرَ اللَّه فِي قَوْلهمْ بِإِتْيَانِهِ غَيْر الْفَرْج . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عِنْدهمْ : فَأْتُوهُنَّ مِنْ قُبْل وُجُوههنَّ فِي فُرُوجهنَّ , وَجَبَ أَنْ يَكُون عَلَى قَوْلهمْ مُحَرَّمًا إتْيَانهنَّ فِي فُرُوجهنَّ مِنْ قُبْل أدبارهن , وَذَلِكَ إنْ قَالُوهُ خَرَجَ مَنْ قَالَهُ مِنْ قَيْل أَهْل الْإِسْلَام , وَخَالَفَ نَصَّ كِتَاب اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَقَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه يَقُول : { نِسَاؤُكُمْ حَرْث لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } 2 223 وَأَذِنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إتْيَانهنَّ فِي فُرُوجهنَّ مِنْ قُبْل أَدْبَارهنَّ . فَقَدْ تَبَيَّنَ إذًا إذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا فَسَاد تَأْوِيل مَنْ قَالَ ذَلِكَ : فَأْتُوهُنَّ فِي فُرُوجهنَّ حَيْثُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ إتْيَانهنَّ فِي حَال حَيْضهنَّ , وَصِحَّة الْقَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ : فَأْتُوهُنَّ فِي فُرُوجهنَّ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَذِنَ اللَّه لَكُمْ بِإِتْيَانِهِنَّ , وَذَلِكَ حَال طُهْرهنَّ وَتَطَهُّرهنَّ دُون حَال حَيْضهنَّ .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ } الْمُنِيبِينَ مِنْ الْإِدْبَار عَنْ اللَّه وَعَنْ طَاعَته إلَيْهِ وَإِلَى طَاعَته وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّوْبَة قَبْل . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله : { وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ الْمُتَطَهِّرُونَ بِالْمَاءِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3443 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا طَلْحَة , عَنْ عَطَاء قَوْله : { إنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ } قَالَ : التَّوَّابِينَ مِنْ الذُّنُوب , { وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ } قَالَ : الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ لِلصَّلَاةِ . * - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا طَلْحَة , عَنْ عَطَاء , مِثْله . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع , عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء : { إنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ } مِنْ الذُّنُوب لَمْ يُصِيبُوهَا { وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ } بِالْمَاءِ لِلصَّلَاةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ مِنْ الذُّنُوب , وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ أَدْبَار النِّسَاء أَنْ يَأْتُوهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3444 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا إبْرَاهِيم بْن نَافِع , قَالَ : سَمِعْت سُلَيْمَان مَوْلَى أُمّ عَلِيّ , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهَدًا يَقُول : مَنْ أَتَى امْرَأَته فِي دُبُرهَا فَلَيْسَ مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : "



وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ " مِنْ الذُّنُوب أَنْ يَعُودُوا فِيهَا بَعْد التَّوْبَة بِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3445 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { يُحِبّ التَّوَّابِينَ } مِنْ الذُّنُوب لَمْ يُصِيبُوهَا , { وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ } مِنْ الذُّنُوب : لَا يَعُودُونَ فِيهَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ مِنْ الذُّنُوب , وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَغْلَب مِنْ ظَاهِر مَعَانِيه . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره ذَكَرَ أَمْر الْمَحِيض , فَنَهَاهُمْ عَنْ أُمُور كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي جَاهِلِيَّتهمْ , مِنْ تَرْكهمْ مُسَاكَنَة الْحَائِض وَمُؤَاكَلَتهَا وَمُشَارَبَتهَا , وَأَشْيَاء غَيْر ذَلِكَ مِمَّا كَانَ تَعَالَى ذِكْره يَكْرَههَا مِنْ عِبَاده . فَلَمَّا اسْتَفْتَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ أَوْحَى اللَّه تَعَالَى إلَيْهِ فِي ذَلِكَ , فَبَيَّنَ لَهُمْ مَا يَكْرَههُ مِمَّا يَرْضَاهُ وَيُحِبّهُ , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُحِبّ مِنْ خَلْقه مَنْ أَنَابَ إلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّته , تَائِبًا مِمَّا يَكْرَههُ . وَكَانَ مِمَّا بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ إتْيَان نِسَائِهِمْ وَإِنْ طَهُرْنَ مِنْ حَيْضهنَّ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ , ثُمَّ قَالَ : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ , يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ الْجَنَابَة وَالْأَحْدَاث لِلصَّلَاةِ , وَالْمُتَطَهِّرَات بِالْمَاءِ مِنْ الْحَيْض وَالنِّفَاس وَالْجَنَابَة وَالْأَحْدَاث مِنْ النِّسَاء . وَإِنَّمَا قَالَ : وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ , وَلَمْ يَقُلْ الْمُتَطَهِّرَات , وَإِنَّمَا جَرَى قَبْل ذَلِكَ ذِكْر التَّطَهُّر لِلنِّسَاءِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمُتَطَهِّرِينَ يَجْمَع الرِّجَال وَالنِّسَاء , وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمُتَطَهِّرَات لَمْ يَكُنْ لِلرِّجَالِ فِي ذَلِكَ حَظّ , وَكَانَ لِلنِّسَاءِ خَاصَّة , فَذَكَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِالذِّكْرِ الْعَامّ جَمِيع عِبَاده الْمُكَلَّفِينَ , إذْ كَانَ قَدْ تَعَبَّدَ جَمِيعهمْ بِالتَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ , وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَسْبَاب الَّتِي تُوجِب التَّطَهُّر عَلَيْهِمْ بِالْمَاءِ فِي بَعْض الْمَعَانِي وَاتَّفَقَتْ فِي بَعْض .
مشاركة الموضوع