تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ٢١٦

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢١٦﴾
مَعْنَاهُ فُرِضَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْله . وَقَرَأَ قَوْم " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقَتْل " , وَقَالَ الشَّاعِر : كُتِبَ الْقَتْل وَالْقِتَال عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَات جَرّ الذُّيُول هَذَا هُوَ فَرْض الْجِهَاد , بَيَّنَ سُبْحَانه أَنَّ هَذَا مِمَّا اُمْتُحِنُوا بِهِ وَجُعِلَ وَصْلَة إِلَى الْجَنَّة . وَالْمُرَاد بِالْقِتَالِ قِتَال الْأَعْدَاء مِنْ الْكُفَّار , وَهَذَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ بِقَرَائِن الْأَحْوَال , وَلَمْ يُؤْذَن لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِتَال مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة , فَلَمَّا هَاجَرَ أُذِنَ لَهُ فِي قِتَال مَنْ يُقَاتِلهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ تَعَالَى : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا " [ الْحَجّ : 39 ] ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي قِتَال الْمُشْرِكِينَ عَامَّة . وَاخْتَلَفُوا مَنْ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة , فَقِيلَ : أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة , فَكَانَ الْقِتَال مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْض عَيْن عَلَيْهِمْ , فَلَمَّا اِسْتَقَرَّ الشَّرْع صَارَ عَلَى الْكِفَايَة , قَالَ عَطَاء وَالْأَوْزَاعِيّ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قُلْت لِعَطَاءٍ : أَوَاجِب الْغَزْو عَلَى النَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة ؟ فَقَالَ : لَا , إِنَّمَا كُتِبَ عَلَى أُولَئِكَ . وَقَالَ الْجُمْهُور مِنْ الْأُمَّة : أَوَّل فَرْضه إِنَّمَا كَانَ عَلَى الْكِفَايَة دُون تَعْيِين , غَيْر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اِسْتَنْفَرَهُمْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ النَّفِير لِوُجُوبِ طَاعَته . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : إِنَّ الْجِهَاد فَرْض عَلَى كُلّ مُسْلِم فِي عَيْنه أَبَدًا , حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي اِسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاع أَنَّ الْجِهَاد عَلَى كُلّ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْض كِفَايَة , فَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ قَامَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ , إِلَّا أَنْ يَنْزِل الْعَدُوّ بِسَاحَةِ الْإِسْلَام فَهُوَ حِينَئِذٍ فَرْض عَيْن , وَسَيَأْتِي هَذَا مُبَيَّنًا فِي سُورَة " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَذَكَرَ الْمَهْدَوِيّ وَغَيْره عَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : الْجِهَاد تَطَوُّع . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذِهِ الْعِبَارَة عِنْدِي إِنَّمَا هِيَ عَلَى سُؤَال سَائِل وَقَدْ قِيَم بِالْجِهَادِ , فَقِيلَ لَهُ : ذَلِكَ تَطَوُّع .


اِبْتِدَاء وَخَبَر , وَهُوَ كُرْه فِي الطِّبَاع . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الْكُرْه , الْمَشَقَّة وَالْكَرْه - بِالْفَتْحِ - مَا أُكْرِهْت عَلَيْهِ , هَذَا هُوَ الِاخْتِيَار , وَيَجُوز الضَّمّ فِي مَعْنَى الْفَتْح فَيَكُونَانِ لُغَتَيْنِ , يُقَال : كَرِهْت الشَّيْء كَرْهًا وَكُرْهًا وَكَرَاهَة وَكَرَاهِيَة , وَأَكْرَهْته عَلَيْهِ إِكْرَاهًا . وَإِنَّمَا كَانَ الْجِهَاد كُرْهًا لِأَنَّ فِيهِ إِخْرَاج الْمَال وَمُفَارَقَة الْوَطَن وَالْأَهْل , وَالتَّعَرُّض بِالْجَسَدِ لِلشِّجَاجِ وَالْجِرَاح وَقَطْع الْأَطْرَاف وَذَهَاب النَّفْس , فَكَانَتْ كَرَاهِيَتهمْ لِذَلِكَ , لَا أَنَّهُمْ كَرِهُوا فَرْض اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ عِكْرِمَة فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّهُمْ كَرِهُوهُ ثُمَّ أَحَبُّوهُ وَقَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , وَهَذَا لِأَنَّ اِمْتِثَال الْأَمْر يَتَضَمَّن مَشَقَّة , لَكِنْ إِذَا عُرِفَ الثَّوَاب هَانَ فِي جَنْبه مُقَاسَاة الْمَشَقَّات .

قُلْت : وَمِثَاله فِي الدُّنْيَا إِزَالَة مَا يُؤْلِم الْإِنْسَان وَيَخَاف مِنْهُ كَقَطْعِ عُضْو وَقَلْع ضِرْس وَفَصْد وَحِجَامَة اِبْتِغَاء الْعَافِيَة وَدَوَام الصِّحَّة , وَلَا نَعِيم أَفْضَل مِنْ الْحَيَاة الدَّائِمَة فِي دَار الْخُلْد وَالْكَرَامَة فِي مَقْعَد صِدْق .

قِيلَ : " عَسَى " : بِمَعْنَى قَدْ , قَالَهُ الْأَصَمّ . وَقِيلَ : هِيَ وَاجِبَة . و " عَسَى " مِنْ اللَّه وَاجِبَة فِي جَمِيع الْقُرْآن إِلَّا قَوْله تَعَالَى : " عَسَى رَبّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلهُ " [ التَّحْرِيم : 5 ] . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : " عَسَى " مِنْ اللَّه إِيجَاب , وَالْمَعْنَى عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا مَا فِي الْجِهَاد مِنْ الْمَشَقَّة وَهُوَ خَيْر لَكُمْ فِي أَنَّكُمْ تَغْلِبُونَ وَتَظْفَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتُؤْجَرُونَ , وَمَنْ مَاتَ مَاتَ شَهِيدًا , وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا الدَّعَة وَتَرْك الْقِتَال وَهُوَ شَرّ لَكُمْ فِي أَنَّكُمْ تُغْلَبُونَ وَتَذِلُّونَ وَيَذْهَب أَمْركُمْ .

قُلْت : وَهَذَا صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ , كَمَا اِتَّفَقَ فِي بِلَاد الْأَنْدَلُس , تَرَكُوا الْجِهَاد وَجَبُنُوا عَنْ الْقِتَال وَأَكْثَرُوا مِنْ الْفِرَار , فَاسْتَوْلَى الْعَدُوّ عَلَى الْبِلَاد , وَأَيّ بِلَاد ؟ ! وَأَسَرَ وَقَتَلَ وَسَبَى وَاسْتَرَقَّ , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِينَا وَكَسَبَتْهُ ! وَقَالَ الْحَسَن فِي مَعْنَى الْآيَة : لَا تَكْرَهُوا الْمُلِمَّات الْوَاقِعَة , فَلَرُبَّ أَمْر تَكْرَههُ فِيهِ نَجَاتك , وَلَرُبَّ أَمْر تُحِبّهُ فِيهِ عَطَبك , وَأَنْشَدَ أَبُو سَعِيد الضَّرِير : رُبَّ أَمْر تَتَّقِيه جَرَّ أَمْرًا تَرْتَضِيه خَفِيَ الْمَحْبُوب مِنْهُ وَبَدَا الْمَكْرُوه فِيهِ
هذه الآية, فيها فرض القتال في سبيل الله, بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه, لضعفهم, وعدم احتمالهم لذلك.
فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكثر المسلون, وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال.
وأخبر أنه مكروه للنفوس, لما فيه من التعب والمشقة, وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف.
ومع هذا, فهو خير محض, لما فيه من الثواب العظيم, والتحرز من العقاب الأليم, والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم, وغير ذلك, مما هو مرب, على ما فيه من الكراهة.
و " وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ " وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة, فإنه شر, لأنه يعقب الخذلان, وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله, وحصول الذل والهوان, وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب.
وهذه الآيات, عامة مطردة, في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس - لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة - فهي شر, بلا شك.
وأما أحوال الدنيا, فليس الأمر مطردا, ولكن الغالب على العبد المؤمن, أنه إذا أحب أمرا من الأمور, فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له, فالأوفق له في ذلك, أن يشكر الله, ويعتقد الخير في الواقع, لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه, وأقدر على مصلحة عبده منه, وأعلم بمصلحته منه كما قال تعالى " وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " .
فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره, سواء سرتكم أو ساءتكم.
فرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار، والقتال مكروه لكم من جهة الطبع؛ لمشقته وكثرة مخاطره، وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم، وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة، وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله.
"كُتِبَ" فُرِضَ "عَلَيْكُمْ الْقِتَال" لِلْكُفَّارِ "وَهُوَ كُرْه" مَكْرُوه "لَكُمْ" لَكُمْ طِبْقًا لِمَشَقَّتِهِ "وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرّ لَكُمْ" لِمَيْلِ النَّفْس إلَى الشَّهَوَات الْمُوجِبَة لِهَلَاكِهَا وَنُفُورهَا عَنْ التَّكْلِيفَات الْمُوجِبَة لِسَعَادَتِهَا فَلَعَلَّ لَكُمْ فِي الْقِتَال وَإِنْ كَرِهْتُمُوهُ خَيْرًا لِأَنَّ فِيهِ إمَّا الظَّفَر وَالْغَنِيمَة أَوْ الشَّهَادَة وَالْأَجْر وَفِي تَرْكه وَإِنْ أَحْبَبْتُمُوهُ شَرًّا لِأَنَّ فِيهِ الذُّلّ وَالْفَقْر وَحِرْمَان الْأَجْر "وَاَللَّه يَعْلَم" مَا هُوَ خَيْر لَكُمْ "وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" ذَلِكَ فَبَادِرُوا إلَى مَا يَأْمُركُمْ بِهِ
هَذَا إِيجَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى لِلْجِهَادِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا شَرّ الْأَعْدَاء عَنْ حَوْزَة الْإِسْلَام وَقَالَ الزُّهْرِيّ : الْجِهَاد وَاجِب عَلَى كُلّ أَحَد غَزَا أَوْ قَعَدَ فَالْقَاعِد عَلَيْهِ إِذَا اُسْتُعِينَ أَنْ يُعِين وَإِذَا اُسْتُغِيثَ أَنْ يُغِيث وَإِذَا اُسْتُنْفِرَ أَنْ يَنْفِر وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ قَعَدَ" قُلْت " : وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح " مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسه بِالْغَزْوِ مَاتَ مِيتَة جَاهِلِيَّة " وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم الْفَتْح " لَا هِجْرَةَ بَعْد الْفَتْح وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا " وَقَوْله " وَهُوَ كُرْه لَكُمْ " أَيْ شَدِيد عَلَيْكُمْ وَمَشَقَّة وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقْتَل أَوْ يُجْرَح مَعَ مَشَقَّة السَّفَر وَمُجَالَدَة الْأَعْدَاء . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ " أَيْ لِأَنَّ الْقِتَال يَعْقُبهُ النَّصْر وَالظَّفَر عَلَى الْأَعْدَاء وَالِاسْتِيلَاء عَلَى بِلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ وَذَرَارِيّهمْ وَأَوْلَادهمْ " وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ " وَهَذَا عَامّ فِي الْأُمُور كُلّهَا قَدْ يُحِبّ الْمَرْء شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ خِيَرَة وَلَا مَصْلَحَة وَمِنْ ذَلِكَ الْقُعُود عَنْ الْقِتَال قَدْ يَعْقُبهُ اِسْتِيلَاء الْعَدُوّ عَلَى الْبِلَاد وَالْحُكْم . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ هُوَ أَعْلَم بِعَوَاقِب الْأُمُور مِنْكُمْ وَأَخْبَرَ بِمَا فِيهِ صَلَاحكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ فَاسْتَجِيبُوا لَهُ وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ لَعَلَّكُمْ تَرْشُدُونَ.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال } فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال , يَعْنِي قِتَال الْمُشْرِكِينَ , { وَهُوَ كُرْه لَكُمْ } وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الَّذِينَ عَنَوْا بِفَرْضِ الْقِتَال , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة دُون غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3241 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء قُلْت لَهُ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال وَهُوَ كُرْه لَكُمْ } أَوَاجِب الْغَزْو عَلَى النَّاس مِنْ أَجْلهَا ؟ قَالَ : لَا , كُتِبَ عَلَى أُولَئِكَ حِينَئِذٍ . 3242 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا خَالِد , عَنْ حُسَيْن بْن قَيْس , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال وَهُوَ كُرْه لَكُمْ } قَالَ نَسَخَتْهُمَا { قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } 2 285 وَهَذَا قَوْل لَا مَعْنَى لَهُ , لِأَنَّ نَسْخ الْأَحْكَام مِنْ قِبَل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ لَا مِنْ قِبَل الْعِبَاد , وَقَوْله : { قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } 2 285 خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُمْ قَالُوهُ لَا نَسْخ مِنْهُ . 3243 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو إسْحَاق الْفَزَارِيّ , قَالَ : سَأَلْت الْأَوْزَاعِيّ عَنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال وَهُوَ كُرْه لَكُمْ } أَوَاجِب الْغَزْو عَلَى النَّاس كُلّهمْ ؟ قَالَ : لَا أَعْلَمهُ , وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْأَئِمَّةِ الْعَامَّة تَرْكه , فَأَمَّا الرَّجُل فِي خَاصَّة نَفْسه فَلَا . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَلَى كُلّ وَاحِد حَتَّى يَقُوم بِهِ مَنْ فِي قِيَامه الْكِفَايَة , فَيَسْقُط فَرْض ذَلِكَ حِينَئِذٍ عَنْ بَاقِي الْمُسْلِمِينَ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِز وَغَسْلهمْ الْمَوْتَى وَدَفْنهمْ , وَعَلَى هَذَا عَامَّة عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب عِنْدنَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَى ذَلِكَ , وَلِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } 4 95 فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْفَضْل لِلْمُجَاهِدِينَ , وَإِنَّ لَهُمْ وَلِلْقَاعِدِينَ الْحُسْنَى



, وَلَوْ كَانَ الْقَاعِدُونَ مُضَيَّعِينَ فَرْضًا لَكَانَ لَهُمْ السُّوأَى لَا الْحُسْنَى . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ فَرْض وَاجِب عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَى قِيَام السَّاعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3244 - حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن مُيَسَّر قَالَ : ثنا رَوْح بْن عُبَادَةَ , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي عَاصِم , قَالَ : قُلْت لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيِّب : قَدْ أَعْلَم أَنَّ الْغَزْو وَاجِب عَلَى النَّاس ! فَسَكَتَ . وَقَدْ أَعْلَمَ أَنْ لَوْ أَنْكَرَ مَا قُلْت لَبَيَّنَ لِي . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى قَوْله " كَتَبَ " بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ كُرْه لَكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهُوَ ذُو كُرْه لَكُمْ , فَتَرَكَ ذِكْر " ذُو " اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : " كُرْه لَكُمْ " عَلَيْهِ , كَمَا قَالَ : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة } 12 83 وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَطَاء فِي تَأْوِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3245 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { وَهُوَ كُرْه لَكُمْ } قَالَ : كُرْه إلَيْكُمْ حِينَئِذٍ . وَالْكُرْه بِالضَّمِّ : هُوَ مَا حَمَلَ الرَّجُل نَفْعه عَلَيْهِ مِنْ غَيْر إكْرَاه أَحَد إيَّاهُ عَلَيْهِ , وَالْكَرْه بِفَتْحِ الْكَاف : هُوَ مَا حَمَلَهُ غَيْره , فَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ



كُرْهًا وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْل مُعَاذ بْن مُسْلِم . 3246 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد , عَنْ مُعَاذ بْن مُسْلِم , قَالَ : الْكُرْه : الْمَشَقَّة , وَالْكَرْه : الْإِجْبَار . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول الْكَرْه وَالْكُرْه لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , مِثْل الْغَسْل وَالْغُسْل , وَالضَّعْف وَالضُّعْف , وَالرَّهْب وَالرُّهْب . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْكُرْه بِضَمِّ الْكَاف اسْم وَالْكَرْه بِفَتْحِهَا مَصْدَر .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرّ لَكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تَكْرَهُوا الْقِتَال , فَإِنَّكُمْ لَعَلَّكُمْ أَنْ تَكْرَهُوهُ وَهُوَ خَيْر لَكُمْ , وَلَا تُحِبُّوا تَرْك الْجِهَاد , فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تُحِبُّوهُ وَهُوَ شَرّ لَكُمْ . كَمَا : 3247 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال وَهُوَ كُرْه لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرّ لَكُمْ } وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْقِتَال , فَقَالَ : عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ . يَقُول : إنَّ لَكُمْ فِي الْقِتَال الْغَنِيمَة وَالظُّهُور وَالشَّهَادَة , وَلَكُمْ فِي الْقُعُود أَنْ لَا تَظْهَرُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ , وَلَا تُسْتَشْهَدُوا , وَلَا تُصِيبُوا شَيْئًا . 3248 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إبْرَاهِيم السُّلَمِيّ , قَالَ : ثني يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن مُجَاهِد , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي هَاشِم الْجُعْفِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِر بْن وَاثِلَة قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : كُنْت رِدْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " يَا ابْن عَبَّاس ارْضَ عَنْ اللَّه بِمَا قَدَّرَ وَإِنْ



كَانَ خِلَاف هَوَاك , فَإِنَّهُ مُثْبَت فِي كِتَاب اللَّه " قُلْت : يَا رَسُول اللَّه فَأَيْنَ وَقَدْ قَرَأْت الْقُرْآن ؟ قَالَ : فِي قَوْله : { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرّ لَكُمْ وَاَللَّه يَعْلَم وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه يَعْلَم وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } / يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه يَعْلَم مَا هُوَ خَيْر لَكُمْ مِمَّا هُوَ شَرّ لَكُمْ , فَلَا تَكْرَهُوا مَا كَتَبْت عَلَيْكُمْ مِنْ جِهَاد عَدُوّكُمْ , وَقِتَال مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِ , فَإِنِّي أَعْلَم أَنَّ قِتَالكُمْ إيَّاهُمْ , هُوَ خَيْر لَكُمْ فِي



عَاجِلكُمْ وَمَعَادكُمْ وَتَرْككُمْ قِتَالهمْ شَرّ لَكُمْ , وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَعْلَم , يَحُضّهُمْ جَلَّ ذِكْره بِذَلِكَ عَلَى جِهَاد أَعْدَائِهِ , وَيُرَغِّبهُمْ فِي قِتَال مَنْ كَفَرَ بِهِ .
مشاركة الموضوع