تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ١٢٣

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿١٢٣﴾
وخافوا أهوال يوم الحساب إذ لا تغني نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل الله منها فدية تنجيها من العذاب، ولا تنفعها وساطة، ولا أحد ينصرها.
"وَاتَّقُوا" خَافُوا "يَوْمًا لَا تَجْزِي" لَا تُغْنِي "نَفْس عَنْ نَفْس" فِيهِ "شَيْئًا وَلَا يُقْبَل مِنْهَا عَدْل" فِدَاء "وَلَا تَنْفَعهَا شَفَاعَة وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ" يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَاب اللَّه
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَة فِي صَدْرِ السُّورَة وَكُرِّرَتْ هَاهُنَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْحَثّ عَلَى اِتِّبَاع الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَته فِي كُتُبهمْ وَنَعْته وَاسْمه وَأَمْره وَأُمَّته فَحَذَّرَهُمْ مِنْ كِتْمَان هَذَا وَكِتْمَان مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النِّعَم الدُّنْيَوِيَّة وَالدِّينِيَّة وَلَا يَحْسُدُوا بَنِي عَمّهمْ مِنْ الْعَرَب عَلَى مَا رَزَقَهُمْ اللَّه مِنْ إِرْسَال الرَّسُول الْخَاتَم مِنْهُمْ وَلَا يَحْمِلهُمْ ذَلِكَ الْحَسَد عَلَى مُخَالَفَته وَتَكْذِيبه وَالْحَيْد عَنْ مُوَافَقَته صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْم الدِّين .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا وَلَا يُقْبَل مِنْهَا عَدْل وَلَا تَنْفَعهَا شَفَاعَة وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } وَهَذِهِ الْآيَة تَرْهِيب مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ سَلَفَتْ عِظَته إيَّاهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ فِي الْآيَة قَبْلهَا . يَقُول اللَّه لَهُمْ : وَاتَّقُوا يَا مَعْشَر بَنِي إسْرَائِيل الْمُبَدِّلِينَ كِتَابِي وَتَنْزِيلِي , الْمُحَرِّفِينَ تَأْوِيله عَنْ وَجْهه , الْمُكَذِّبِينَ بِرَسُولِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَذَاب يَوْم لَا تَقْضِي فِيهِ نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا , وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنَاء , أَنْ تَهْلَكُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْركُمْ بِي , وَتَكْذِيبكُمْ رَسُولِي , فَتَمُوتُوا عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ يَوْم لَا يُقْبَل مِنْ نَفْس فِيمَا لَزِمَهَا فِدْيَة , وَلَا يَشْفَع فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ حَقّ لَهَا شَافِع , وَلَا هُمْ يَنْصُرهُمْ نَاصِر مِنْ اللَّه إذَا انْتَقَمَ مِنْهَا بِمَعْصِيَتِهَا إيَّاهُ . وَقَدْ مَضَى الْبَيَان عَنْ كُلّ مَعَانِي هَذِهِ الْآيَة فِي نَظِيرَتهَا قَبْل , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
مشاركة الموضوع