تفسير القرطبي

سورة البقرة الآية ١٠١

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾
نَعْت لِرَسُولٍ , وَيَجُوز نَصْبه عَلَى الْحَال .





جَوَاب " لَمَّا " . وَالنَّبْذ : الطَّرْح وَالْإِلْقَاء , وَمِنْهُ النَّبِيذ وَالْمَنْبُوذ , قَالَ أَبُو الْأَسْوَد : وَخَبَّرَنِي مَنْ كُنْت أَرْسَلْت إِنَّمَا أَخَذْت كِتَابِي مُعْرِضًا بِشِمَالِكَا نَظَرْت إِلَى عُنْوَانه فَنَبَذْته كَنَبْذِك نَعْلًا أَخَلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا آخَر : إِنَّ الَّذِينَ أَمَرْتهمْ أَنْ يَعْدِلُوا نَبَذُوا كِتَابك وَاسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَا وَهَذَا مَثَل يُضْرَب لِمَنْ اِسْتَخَفَّ بِالشَّيْءِ فَلَا يَعْمَل بِهِ , تَقُول الْعَرَب : اِجْعَلْ هَذَا خَلْف ظَهْرك , وَدُبُرًا مِنْك , وَتَحْت قَدَمك , أَيْ اُتْرُكْهُ وَأَعْرِضْ عَنْهُ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا " [ هُود : 92 ] . وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : تَمِيم بْن زَيْد لَا تَكُونَن حَاجَتِي بِظَهْرٍ فَلَا يَعْيَا عَلَيَّ جَوَابهَا





" مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه " نُصِبَ ب " نَبَذَ " , وَالْمُرَاد التَّوْرَاة ; لِأَنَّ كُفْرهمْ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام وَتَكْذِيبهمْ لَهُ نَبْذ لَهَا . قَالَ السُّدِّيّ : نَبَذُوا التَّوْرَاة وَأَخَذُوا بِكِتَابِ آصف , وَسِحْر هَارُوت وَمَارُوت . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَعْنِي بِهِ الْقُرْآن . قَالَ الشَّعْبِيّ : هُوَ بَيْن أَيْدِيهمْ يَقْرَءُونَهُ , وَلَكِنْ نَبَذُوا الْعَمَل بِهِ . وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : أَدْرَجُوهُ فِي الْحَرِير وَالدِّيبَاج , وَحَلَّوْهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة , وَلَمْ يُحِلُّوا حَلَاله وَلَمْ يُحَرِّمُوا حَرَامه , فَذَلِكَ النَّبْذ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه مُسْتَوْفًى .





تَشْبِيه بِمَنْ لَا يَعْلَم إِذْ فَعَلُوا فِعْل الْجَاهِل فَيَجِيء مِنْ اللَّفْظ أَنَّهُمْ كَفَرُوا عَلَى عِلْم .
أي: ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم, فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به.
" نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ " الذي أنزل إليهم أي طرحوه رغبة عنه " وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ " وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به, تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول, فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون.
ولما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع, ابتلي بالاشتغال بما يضره, فمن ترك عبادة الرحمن, ابتلي بعبادة الأوثان, ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه, ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه, ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان, ومن ترك الذل لربه, ابتلي بالذل للعبيد.
ومن ترك الحق ابتلي بالباطل.
ولما جاءهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الموافق لما معهم من التوراة طرح فريق منهم كتاب الله، وجعلوه وراء ظهورهم، شأنهم شأن الجهال الذين لا يعلمون حقيقته.
"وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه" مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه" أَيْ التَّوْرَاة "وَرَاء ظُهُورهمْ" أَيْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنْ الْإِيمَان بِالرَّسُولِ وَغَيْره "كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" مَا فِيهَا مِنْ أَنَّهُ نَبِيّ حَقّ أَوْ أَنَّهَا كِتَاب اللَّه
قَالَ هَاهُنَا " وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ " الْآيَة أَيْ طَرَحَ طَائِفَة مِنْهُمْ كِتَاب اللَّه الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ مِمَّا فِيهِ الْبِشَارَة بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَاء ظُهُورهمْ أَيْ تَرَكُوهَا كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا وَأَقْبَلُوا عَلَى تَعَلُّم السِّحْر وَاتِّبَاعه وَلِهَذَا أَرَادُوا كَيْدًا بِرَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَحَرُوهُ فِي مُشْط وَمُشَاقَةِ وَجُفِّ طَلْعَة ذَكَر تَحْت رَاعُوفَة بِبِئْرِ ذَرْوَانَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ مِنْهُمْ رَجُل يُقَال لَهُ لَبِيد بْن الْأَعْصَم لَعَنَهُ اللَّه وَقَبَّحَهُ فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ رَسُوله - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَفَاهُ مِنْهُ وَأَنْقَذَهُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ . قَالَ السُّدِّيّ " وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ " قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَارَضُوهُ بِالتَّوْرَاةِ فَخَاصَمُوهُ بِهَا فَاتَّفَقَتْ التَّوْرَاة وَالْقُرْآن فَنَبَذُوا التَّوْرَاة وَأَخَذُوا بِكِتَابِ آصَف وَسِحْر هَارُوت وَمَارُوت فَلَمْ يُوَافِق الْقُرْآن فَذَلِكَ قَوْله " كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله " كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " قَالَ : إِنَّ الْقَوْم كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَكِنَّهُمْ نَبَذُوا عِلْمهمْ وَكَتَمُوهُ وَجَحَدُوا بِهِ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ } أَحْبَار الْيَهُود وَعُلَمَاءَهَا مِنْ بَنِي إسْرَائِيل { رَسُول } يَعْنِي بِالرَّسُولِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . كَمَا : 1363 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول } قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا قَوْله : { مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَدِّق التَّوْرَاة , وَالتَّوْرَاة تُصَدِّقهُ فِي أَنَّهُ لِلَّهِ نَبِيّ مَبْعُوث إلَى خَلْقه . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } فَإِنَّهُ لِلَّذِي هُوَ مَعَ الْيَهُود , وَهُوَ التَّوْرَاة . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْيَهُود لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّه بِتَصْدِيقِ مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ التَّوْرَاة أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيّ اللَّه , { نَبَذَ فَرِيق } , يَعْنِي بِذَلِك أَنَّهُمْ جَحَدُوهُ وَرَفَضُوهُ بَعْد أَنْ كَانُوا بِهِ مُقِرِّينَ حَسَدًا مِنْهُمْ لَهُ وَبَغْيًا عَلَيْهِ . وَقَوْله : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } وَهُمْ عُلَمَاء الْيَهُود الَّذِينَ أَعْطَاهُمْ اللَّه الْعِلْم بِالتَّوْرَاةِ وَمَا فِيهَا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { كِتَاب اللَّه } التَّوْرَاة , وَقَوْله : { نَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ } حَمَلُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ ; وَهَذَا مَثَل يُقَال لِكُلِّ رَافِض أَمْرًا كَانَ مِنْهُ عَلَى بَال : قَدْ جَعَلَ فُلَان هَذَا الْأَمْر مِنْهُ بِظَهْرِ وَجَعَلَهُ وَرَاء ظَهْره , يَعْنِي بِهِ أَعْرَض عَنْهُ وَصَدَّ وَانْصَرَفَ . كَمَا : 1364 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ } قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارَضُوهُ بِالتَّوْرَاةِ فَخَاصَمُوهُ بِهَا , فَاتَّفَقَتْ التَّوْرَاة وَالْقُرْآن , فَنَبَذُوا التَّوْرَاة وَأَخَذُوا بِكِتَابِ آصف وَسِحْر هَارُوت وَمَارُوت ; فَذَلِك قَوْل اللَّه : { كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } . وَمَعْنَى قَوْله : { كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } كَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذُوا كِتَاب اللَّه مِنْ عُلَمَاء الْيَهُود فَنَقَضُوا عَهْد اللَّه بِتَرْكِهِمْ الْعَمَل بِمَا وَاثَقُوا اللَّه عَلَى أَنْفُسهمْ الْعَمَل بِمَا فِيهِ لَا يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّوْرَاة مِنْ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقه . وَهَذَا مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ إخْبَار عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَحَدُوا الْحَقّ عَلَى عِلْم مِنْهُمْ بِهِ وَمَعْرِفَة , وَأَنَّهُمْ عَانَدُوا أَمْر اللَّه فَخَالَفُوا عَلَى عِلْم مِنْهُمْ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ . كَمَا : 1365 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } يَقُول : نَقَضَ فَرِيق { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } أَيْ أَنَّ الْقَوْم كَانُوا يَعْلَمُونَ . وَلَكِنَّهُمْ أَفْسَدُوا عِلْمهمْ وَجَحَدُوا وَكَفَرُوا وَكَتَمُوا .
مشاركة الموضوع