تفسير القرطبي

سورة مريم الآية ٩٤

لَّقَدْ أَحْصَىٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّۭا ﴿٩٤﴾
أَيْ عَلِمَ عَدَدهمْ


تَأْكِيد أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَحَد مِنْهُمْ قُلْت وَوَقَعَ لَنَا فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانه الْمُحْصِي أَعْنِي فِي السُّنَّة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَاشْتِقَاق هَذَا الْفِعْل يَدُلّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفِرَايِينِيّ وَمِنْهَا الْمُحْصِي وَيَخْتَصّ بِأَنَّهُ لَا تَشْغَلهُ الْكَثْرَة عَنْ الْعِلْم مِثْل ضَوْء النُّور وَاشْتِدَاد الرِّيح وَتَسَاقُط الْأَوْرَاق فَيَعْلَم عِنْد ذَلِكَ أَجْزَاء الْحَرَكَات فِي كُلّ وَرَقَة وَكَيْفَ لَا يَعْلَم وَهُوَ الَّذِي يَخْلُق وَقَدْ قَالَ " أَلَا يَعْلَم مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير " [ الْمُلْك : 14 ] وَوَقَعَ فِي تَفْسِير اِبْن عَبَّاس أَنَّ مَعْنَى " لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا " يُرِيد أَقَرُّوا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَشَهِدُوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ
" لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا " أي: لقد أحاط علمه بالخلائق كلهم, أهل السماوات والأرض, وأحصاهم, وأحصى أعمالهم, فلا يضل ولا ينسى, ولا تخفى عليه خافية.
لقد أحصى الله سبحانه وتعالى خَلْقَه كلهم، وعلم عددهم، فلا يخفى عليه أحد منهم.
"لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا" فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ
" لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا " أَيْ قَدْ عَلِمَ عَدَدهمْ مُنْذُ خَلَقَهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ذَكَرهمْ وَأُنْثَاهُمْ وَصَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَقَدْ أَحْصَى الرَّحْمَن خَلْقه كُلّهمْ , وَعَدَّهُمْ عَدًّا , فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَبْلَغ جَمِيعهمْ , وَعَرَفَ عَدَدهمْ , فَلَا يَعْزُب عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَد .
مشاركة الموضوع