الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَمْلِك هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ بِرَبِّهِمْ يَا مُحَمَّد , يَوْم يَحْشُر اللَّه الْمُتَّقِينَ إِلَيْهِ وَفْدًا الشَّفَاعَة , حِين يَشْفَع أَهْل الْإِيمَان بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عِنْد اللَّه , فَيَشْفَع بَعْضهمْ لِبَعْضٍ { إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ } مِنْهُمْ { عِنْد الرَّحْمَن } فِي الدُّنْيَا { عَهْدًا } بِالْإِيمَانِ بِهِ , وَتَصْدِيق رَسُوله , وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ بِهِ , وَالْعَمَل بِمَا أَمَرَ بِهِ . كَمَا : 18048 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } قَالَ : الْعَهْد : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَيَتَبَرَّأ إِلَى اللَّه مِنْ الْحَوْل وَالْقُوَّة وَلَا يَرْجُو إِلَّا اللَّه . 18049 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ يَوْمئِذٍ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ شُفَعَاء { إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } قَالَ : عَمَلًا صَالِحًا . 18050 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } : 20 109 أَيْ بِطَاعَتِهِ , وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى : { لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة يُشَفِّع الْمُؤْمِنِينَ بَعْضهمْ فِي بَعْض , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " إِنَّ فِي أُمَّتِي رَجُلًا لَيُدْخِلَن اللَّه بِشَفَاعَتِهِ الْجَنَّة أَكْثَر مِنْ بَنِي تَمِيم " , وَكُنَّا نُحَدِّث أَنَّ " الشَّهِيد يُشَفَّع فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْل بَيْته " . 18051 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي الْمَلِيح , عَنْ عَوْف بْن مَالِك , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ شَفَاعَتِي لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا " . و " مَنْ " فِي قَوْله : { إِلَّا مَنْ } فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَلَا يَكُون خَفْضًا بِضَمِيرِ اللَّام , وَلَكِنْ قَدْ يَكُون نَصْبًا فِي الْكَلَام فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل : أَرَدْت الْمُرُور الْيَوْم إِلَّا الْعَدُوّ , فَإِنِّي لَا أَمُرّ بِهِ , فَيُسْتَثْنَى الْعَدُوّ مِنْ الْمَعْنَى , وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْله : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لَا يَمْلِك هَؤُلَاءِ الْكُفَّار إِلَّا مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ , فَالْمُؤْمِنُونَ لَيْسُوا مِنْ أَعْدَاد الْكَافِرِينَ , وَمَنْ نَصَبَهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا لِمَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا , فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَل قَوْله لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة لِلْمُتَّقِينَ , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا , لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة , إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا . فَيَكُون مَعْنَاهُ عِنْد ذَلِكَ : إِلَّا لِمَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا . فَأَمَّا إِذَا جَعَلَ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة خَبَرًا عَنْ الْمُجْرِمِينَ , فَإِنَّ " مَنْ " تَكُون حِينَئِذٍ نَصْبًا عَلَى أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة , لَكِنْ مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا يَمْلِكهُ .