تفسير القرطبي

سورة مريم الآية ٦٧

أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًۭٔا ﴿٦٧﴾
أَيْ أَوَلَا يَذْكُر هَذَا الْقَائِل


أَيْ مِنْ قَبْل سُؤَاله وَقَوْله هَذَا الْقَوْل


فَالْإِعَادَة مِثْل الِابْتِدَاء فَلِمَ يُنَاقِض وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة إِلَّا عَاصِمًا وَأَهْل مَكَّة وَأَبُو عُمَر وَأَبُو جَعْفَر " أَوَلَا يَذَّكَّر " وَقَرَأَ شَيْبَة وَنَافِع وَعَاصِم " أَوَلَا يَذْكُر " بِالتَّخْفِيفِ . وَالِاخْتِيَار التَّشْدِيد وَأَصْله يَتَذَكَّر لِقَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّمَا يَتَذَكَّر أُولُو الْأَلْبَاب " وَأَخَوَاتهَا وَفِي حَرْف أُبَيّ " أَوَلَا يَتَذَكَّر " وَهَذِهِ الْقِرَاءَة عَلَى التَّفْسِير لِأَنَّهَا مُخَالِفَة لِخَطِّ الْمُصْحَف : وَمَعْنَى " يَتَذَكَّر " يَتَفَكَّر وَمَعْنَى " يَذْكُر " يَتَنَبَّه وَيَعْلَم قَالَهُ النَّحَّاس
" أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا " أي: أو لا يلفت نظره, ويستذكر حالته الأولى, وأن الله خلقه أول مرة, ولم يك شيئا.
فمن قدر على خلقه من العدم, ولم يك شيئا مذكورا, أليس بقادر على إنشائه بعد ما تمزق, وجمعه بعد ما تفرق؟ وهذا كقوله " وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ " .
وفي قوله " أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ " دعوة للنظر, بالدليل العقلي, بألطف خطاب, وأن إنكار من أنكر ذلك, مبني على غفلة منه عن حاله الأولى.
وإلا فلو تذكرها وأحضرها في ذهنه, لم ينكر ذلك.
كيف نسي هذا الإنسان الكافر نفسه؟ أولا يَذْكُر أنا خلقناه أول مرة، ولم يكُ شيئًا موجودًا؟
"أَوَلَا يَذْكُر الْإِنْسَان" أَصْله يَتَذَكَّر أُبْدِلَتْ التَّاء ذَالًا وَأُدْغِمَتْ فِي الذَّال وَفِي قِرَاءَة تَرْكهَا وَسُكُون الذَّال وَضَمّ الْكَاف "أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْل وَلَمْ يَكُ شَيْئًا" فَيُسْتَدَلّ بِالِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِعَادَة
يَسْتَدِلّ تَعَالَى بِالْبُدَاءَةِ عَلَى الْإِعَادَة يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ خَلَقَ الْإِنْسَان وَلَمْ يَكُ شَيْئًا أَفَلَا يُعِيدهُ وَقَدْ صَارَ شَيْئًا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ " وَفِي الصَّحِيح " يَقُول اللَّه تَعَالَى كَذَّبَنِي اِبْن آدَم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَذِّبنِي وَآذَانِي اِبْن آدَم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤْذِينِي أَمَّا تَكْذِيبه إِيَّايَ فَقَوْله لَنْ يُعِيدنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّل الْخَلْق بِأَهْوَن عَلَيَّ مِنْ آخِره وَأَمَّا أَذَاهُ إِيَّايَ فَقَوْله إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَنَا الْأَحَد الصَّمَد الَّذِي لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد " .
يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { أَوَلَا يَذْكُر الْإِنْسَان } الْمُتَعَجِّب مِنْ ذَلِكَ الْمُنْكَر قُدْرَة اللَّه عَلَى إِحْيَائِهِ بَعْد فَنَائِهِ , وَإِيجَاده بَعْد عَدَمه فِي خَلْق نَفْسه , أَنَّ اللَّه خَلَقَهُ مِنْ قَبْل مَمَاته , فَأَنْشَأَهُ بَشَرًا سَوِيًّا مِنْ غَيْر شَيْء { وَلَمْ يَكُ } مِنْ قَبْل إِنْشَائِهِ إِيَّاهُ { شَيْئًا } فَيَعْتَبِر بِذَلِكَ وَيَعْلَم أَنَّ مَنْ أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْر شَيْء لَا يَعْجِز عَنْ إِحْيَائِهِ بَعْد مَمَاته , وَإِيجَاده بَعْد فَنَائِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { أَوَلَا يَذْكُر الْإِنْسَان } فَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : { أَوَلَا يَذْكُر } بِتَخْفِيفِ الذَّال , وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَالْحِجَاز : " أَوَلَا يَذَّكَّر " بِتَشْدِيدِ الذَّال وَالْكَاف , بِمَعْنَى : أَوَلَا يَتَذَكَّر , وَالتَّشْدِيد أَعْجَب إِلَيَّ , وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى جَائِزَة , لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوَلَا يَذْكُر فَيَعْتَبِر .
مشاركة الموضوع