تفسير القرطبي

سورة مريم الآية ٥٥

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّۭا ﴿٥٥﴾
قَالَ الْحَسَن : يَعْنِي أُمَّته . وَفِي حَرْف اِبْن مَسْعُود " وَكَانَ يَأْمُر أَهْله جُرْهُم وَوَلَده بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة " .



أَيْ رَضِيًّا زَاكِيًا صَالِحًا . قَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء : مِنْ قَالَ مَرْضِيّ بَنَاهُ عَلَى رَضِيت قَالَا : وَأَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ : مَرْضُوّ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء : مِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول رِضَوَان وَرِضَيَان فَرِضَوَان عَلَى مَرْضُوّ , وَرِضَيَان عَلَى مَرْضِيّ وَلَا يُجِيز الْبَصْرِيُّونَ أَنْ يَقُولُوا إِلَّا رِضَوَان وَرِبَوَان . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : سَمِعْت أَبَا إِسْحَاق الزَّجَّاج يَقُول : يُخْطِئُونَ فِي الْخَطّ فَيَكْتُبُونَ رِبًا بِالْيَاءِ ثُمَّ يُخْطِئُونَ فِيمَا هُوَ أَشَدّ مِنْ هَذَا فَيَقُولُونَ رِبَيَان وَلَا يَجُوز إِلَّا رِبَوَان وَرِضَوَان قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَال النَّاس " .
" وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ " أي: كان مقيما لأمر الله على أهله فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود, وبالزكاة المتضمنة للإحسان إلى العبيد, فكمل نفسه وكمل غيره وخصوصا أخص الناس عنده وهم أهله لأنهم أحق بدعوته من غيرهم.
" وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا " وذلك بسبب امتثاله لمراضي ربه واجتهاده فيما يرضيه, ارتضاه الله وجعله من خواص عباده وأوليائه المقربين, فرضى الله عنه, ورضي هو عن ربه.
وكان يأمر أهله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان عند ربه عز وجل مرضيًا عنه.
"وَكَانَ يَأْمُر أَهْله" أَيْ قَوْمه "بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَانَ عِنْد رَبّه مَرْضِيًّا" أَصْله مَرْضُوّ وَقُلِبَتْ الْوَاوَانِ يَاءَيْنِ وَالضَّمَّة كَسْرَة .
وَقَوْله " وَكَانَ يَأْمُر أَهْله بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَانَ عِنْد رَبّه مَرْضِيًّا " هَذَا أَيْضًا مِنْ الثَّنَاء الْجَمِيل وَالصِّفَة الْحَمِيدَة وَالْخَلَّة السَّدِيدَة حَيْثُ كَانَ صَابِرًا عَلَى طَاعَة رَبّه عَزَّ وَجَلَّ آمِرًا بِهَا لِأَهْلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ " وَأْمُرْ أَهْلك بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا " الْآيَة وَقَالَ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة عَلَيْهَا مَلَائِكَة غِلَاظ شِدَاد لَا يَعْصُونَ اللَّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " أَيْ مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنْ الْمُنْكَر وَلَا تَدَعُوهُمْ هَمَلًا فَتَأْكُلهُمْ النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَحِمَ اللَّه رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْل فَصَلَّى وَأَيْقَظَ اِمْرَأَته فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْههَا الْمَاء وَرَحِمَ اللَّه اِمْرَأَة قَامَتْ مِنْ اللَّيْل فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهه الْمَاء " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ . وَعَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِذَا اِسْتَيْقَظَ الرَّجُل مِنْ اللَّيْل وَأَيْقَظَ اِمْرَأَته فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ كُتِبَا مِنْ الذَّاكِرِينَ اللَّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَاللَّفْظ لَهُ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَانَ يَأْمُر أَهْله بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَانَ عِنْد رَبّه مَرْضِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَكَانَ يَأْمُر أَهْله ب } إِقَامَة { الصَّلَاة و } إِيتَاء { الزَّكَاة وَكَانَ عِنْد رَبّه مَرْضِيًّا } عَمَله , مَحْمُودًا فِيمَا كَلَّفَهُ رَبّه , غَيْر مُقَصِّر فِي طَاعَته .
مشاركة الموضوع