تفسير القرطبي

سورة مريم الآية ٥٢

وَنَٰدَيْنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيًّۭا ﴿٥٢﴾
أَيْ كَلَّمْنَاهُ لَيْلَة الْجُمْعَة .


أَيْ يَمِين مُوسَى , وَكَانَتْ الشَّجَرَة فِي جَانِب الْجَبَل عَنْ يَمِين مُوسَى حِين أَقْبَلَ مِنْ مَدْيَن إِلَى مِصْر ; قَالَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره فَإِنَّ الْجِبَال لَا يَمِين لَهَا وَلَا شِمَال .



نُصِبَ عَلَى الْحَال ; أَيْ كَلَّمْنَاهُ مِنْ غَيْر وَحْي . وَقِيلَ : أَدْنَيْنَاهُ لِتَقْرِيبِ الْمَنْزِلَة حَتَّى كَلَّمْنَاهُ . وَذَكَرَ وَكِيع وَقَبِيصَة عَنْ سُفْيَان عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا " أَيْ أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِير الْأَقْلَام .
" وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ " أي: الأيمن من موسى في وقت.
مسيرة, أو الأيمن أي: الأبرك من " اليمين " والبركة.
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: " أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا " .
" وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا " والفرق بين النداء والنجاء, أن النداء هو: الصوت الرفيع, والنجاء, ما دون ذلك.
وفي هذا إثبات الكلام لله تعالى وأنواعه, من النداء, والنجاء, كما هو مذهب أهل السنة والجماعة, خلافا لمن أنكر ذلك, من الجهمية, والمعتزلة, ومن نحا نحوهم.
ونادينا موسى من ناحية جبل طور "سيناء" اليمنى من موسى، وقرَّبناه فشرَّفناه بمناجاتنا له. وفي هذا إثبات صفة الكلام لله - تعالى - كما يليق بجلاله وكماله.
"وَنَادَيْنَاهُ" بِقَوْلِ "يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّه" "مِنْ جَانِب الطُّور" اسْم جَبَل "الْأَيْمَن" أَيْ الَّذِي يَلِي يَمِين مُوسَى حِين أَقْبَلَ مِنْ مَدْيَنَ "وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا" مُنَاجِيًا بِأَنْ أَسْمَعَهُ اللَّه تَعَالَى كَلَامه
وَقَوْله " وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِب الطُّور " أَيْ الْجَانِب " الْأَيْمَن " مِنْ مُوسَى حِين ذَهَبَ يَبْتَغِي مِنْ تِلْكَ النَّار جِذْوَة فَرَآهَا تَلُوح فَقَصَدَهَا فَوَجَدَهَا فِي جَانِب الطُّور الْأَيْمَن مِنْهُ غَرْبِيَّة عِنْد شَاطِئ الْوَادِي فَكَلَّمَهُ اللَّه تَعَالَى وَنَادَاهُ وَقَرَّبَهُ فَنَاجَاهُ رَوَى اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ الْقَطَّان حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا " قَالَ أَدْنَى حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَأَبُو الْعَالِيَة وَغَيْرهمْ يَعْنُونَ صَرِيف الْقَلَم بِكِتَابَةِ التَّوْرَاة وَقَالَ السُّدِّيّ " وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا " قَالَ أُدْخِلَ فِي السَّمَاء فَكُلِّمَ . وَعَنْ مُجَاهِد نَحْوه وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة " وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا " قَالَ نَجَا بِصِدْقِهِ وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَبْد الْجَبَّار بْن عَاصِم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَمَة الْحَرَّانِيّ عَنْ أَبِي وَاصِل عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ عَمْرو بْن مَعْد يَكْرِب قَالَ لَمَّا قَرَّبَ اللَّه مُوسَى نَجِيًّا بِطُورِ سَيْنَاء قَالَ : يَا مُوسَى إِذَا خَلَقْت لَك قَلْبًا شَاكِرًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَزَوْجَة تُعِين عَلَى الْخَيْر فَلَمْ أَخْزُن عَنْك مِنْ الْخَيْر شَيْئًا وَمَنْ أَخْزُن عَنْهُ هَذَا فَلَمْ أَفْتَح لَهُ مِنْ الْخَيْر شَيْئًا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِب الطُّور الْأَيْمَن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَادَيْنَا مُوسَى مِنْ نَاحِيَة الْجَبَل , وَيَعْنِي بِالْأَيْمَنِ : يَمِين مُوسَى , لِأَنَّ الْجَبَل لَا يَمِين لَهُ وَلَا شِمَال , وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَمَا يُقَال : قَامَ عَنْ يَمِين الْقِبْلَة وَعَنْ شِمَالهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17908 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مِنْ جَانِب الطُّور الْأَيْمَن } قَالَ : جَانِب الْجَبَل الْأَيْمَن . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطُّور وَاخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ , وَدَلَلْنَا عَلَى الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

وَقَوْله : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَدْنَيْنَاهُ مُنَاجِيًا , كَمَا يُقَال : فُلَان نُدِيم فُلَان وَمُنَادِمه , وَجَلِيس فُلَان وَمُجَالِسه . وَذُكِرَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَدْنَاهُ , حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17909 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } قَالَ : أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم . 17910 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَنْصُور الطُّوسِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي بَكْر , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , قَالَ : أَرَاهُ عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } قَالَ : بَيْن السَّمَاء الرَّابِعَة , أَوْ قَالَ : السَّابِعَة , وَبَيْن الْعَرْش سَبْعُونَ أَلْف حِجَاب : حِجَاب نُور , وَحِجَاب ظُلْمَة , وَحِجَاب نُور , وَحِجَاب ظُلْمَة ; فَمَا زَالَ يَقْرَب مُوسَى حَتَّى كَانَ بَيْنه وَبَيْنه حِجَاب , وَسَمِعَ صَرِيف الْقَلَم { قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك } 17911 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : قَرَّبَهُ مِنْهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم . 17912 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ مَيْسَرَة { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } قَالَ : أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم فِي اللَّوْح , وَقَالَ شُعْبَة : أَرْدَفَهُ جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ قَتَادَة فِي ذَلِكَ , مَا : 17913 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } قَالَ : نَجَا بِصِدْقِهِ .
مشاركة الموضوع