تفسير القرطبي

سورة مريم الآية ٤٣

يَٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًۭا سَوِيًّۭا ﴿٤٣﴾
أَيْ مِنْ الْيَقِين وَالْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ وَمَا يَكُون بَعْد الْمَوْت , وَأَنَّ مَنْ عَبَدَ غَيْر اللَّه عُذِّبَ.


إِلَى مَا أَدْعُوك إِلَيْهِ .


أَيْ أَرْشُدك إِلَى دِين مُسْتَقِيم فِيهِ النَّجَاة .
" يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ " أي: يا أبت لا تحقرني وتقول: إني ابنك, وإن عندك ما ليس عندي, بل قد أعطاني الله من العلم ما لم يعطك.
والمقصود من هذا قوله: " فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا " أي: مستقيما معتدلا, وهو: عبادة الله وحده لا شريك له, وطاعته في جميع الأحوال.
وفي هذا من لطف الخطاب ولينه, ما لا يخفى; فإنه لم يقل " يا أبت أنا عالم, وأنت جاهل " أو " ليس عندك من العلم شيء " .
وإنما أتى بصيغة أن عندي وعندك علما, وأن الذي وصل إلي لم يصل إليك, ولم يأتك.
فينبغي لك أن تتبع الحجة, وتنقاد لها.
يا أبت، إن الله أعطاني من العلم ما لم يعطك، فاقبل مني، واتبعني إلى ما أدعوك إليه، أرشدك إلى الطريق السوي الذي لا تضلُّ فيه.
"يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ يَأْتِك فَاتَّبِعْنِي أَهْدِك صِرَاطًا" طَرِيقًا "سَوِيًّا" مُسْتَقِيمًا
" يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ يَأْتِك " يَقُول وَإِنْ كُنْت مِنْ صُلْبك وَتَرَانِي أَصْغَر مِنْك لِأَنِّي وَلَدك فَاعْلَمْ أَنِّي قَدْ اِطَّلَعْت مِنْ الْعِلْم مِنْ اللَّه عَلَى مَا لَمْ تَعْلَمهُ أَنْتَ وَلَا اِطَّلَعْت عَلَيْهِ وَلَا جَاءَك بَعْد " فَاتَّبِعْنِي أَهْدِك صِرَاطًا سَوِيًّا " أَيْ طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا مُوَصِّلًا إِلَى نَيْل الْمَطْلُوب وَالنَّجَاة مِنْ الْمَرْهُوب .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ يَأْتِك فَاتَّبِعْنِي أَهْدِك صِرَاطًا سَوِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ : يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ آتَانِي اللَّه مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ يُؤْتِك فَاتَّبِعْنِي : يَقُول : فَاقْبَلْ مِنِّي نَصِيحَتِي { أَهْدِك صِرَاطًا سَوِيًّا } يَقُول : أُبَصِّرك هُدَى الطَّرِيق الْمُسْتَوِي الَّذِي لَا تَضِلّ فِيهِ إِنْ لَزِمْته , وَهُوَ دِين اللَّه الَّذِي لَا اِعْوِجَاج فِيهِ .
مشاركة الموضوع