تفسير القرطبي

سورة مريم الآية ٣٣

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّۭا ﴿٣٣﴾
أَيْ السَّلَامَة عَلَيَّ مِنْ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الزَّجَّاج : ذُكِرَ السَّلَام قَبْل هَذَا بِغَيْرِ أَلِف وَلَام فَحَسُنَ فِي الثَّانِيَة ذِكْر الْأَلِف وَاللَّام .



يَعْنِي فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : مِنْ هَمْز الشَّيْطَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " .



يَعْنِي فِي الْقَبْر



يَعْنِي فِي الْآخِرَة . لِأَنَّ لَهُ أَحْوَاله ثَلَاثَة فِي الدُّنْيَا حَيًّا , وَفِي الْقَبْر مَيِّتًا , وَفِي الْآخِرَة مَبْعُوثًا ; فَسَلِمَ فِي أَحْوَاله كُلّهَا وَهُوَ قَوْل الْكَلْبِيّ . ثُمَّ اِنْقَطَعَ كَلَامه فِي الْمَهْد حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغ الْغِلْمَان . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَأَتْهُ اِمْرَأَة يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص فِي سَائِر آيَاته فَقَالَتْ : طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَك , وَالثَّدْي الَّذِي أَرْضَعَك ; فَقَالَ لَهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : طُوبَى لِمَنْ تَلَا كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ وَعَمِلَ بِهِ .
فلما تم له الكمال, ومحامد الخصال قال: " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا " أي: من فضل ربي وكرمه, حصلت لي السلامة يوم ولادتي, ويوم بعثي - من الشر, والشيطان والعقوبة.
وذلك يقتضي سلامته من الأهوال, ودار الفجار, وأنه من أهل دار السلام.
فهذه معجزة عظيمة, وبرهان باهر, على أنه رسول الله, وعبد الله حقا.
والسلامة والأمان عليَّ من الله يوم وُلِدْتُ، ويوم أموت، ويوم أُبعث حيًا يوم القيامة.
"وَالسَّلَام" مِنْ اللَّه "عَلَيَّ يَوْم وُلِدْت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أُبْعَث حَيًّا" يُقَال فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّيِّد يَحْيَى
وَقَوْله " وَالسَّلَام عَلَيَّ يَوْم وُلِدْت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أُبْعَث حَيًّا " إِثْبَات مِنْهُ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ مَخْلُوق مِنْ خَلْق اللَّه يُحْيَا وَيُمَات وَيُبْعَث كَسَائِرِ الْخَلَائِق وَلَكِنْ لَهُ السَّلَامَة فِي هَذِهِ الْأَحْوَال الَّتِي هِيَ أَشَقّ مَا يَكُون عَلَى الْعِبَاد صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ .
وَقَوْله : { وَالسَّلَام عَلَيَّ يَوْم وُلِدْت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أُبْعَث حَيًّا } يَقُول : وَالْأَمَنَة مِنْ اللَّه عَلَيَّ مِنْ الشَّيْطَان وَجُنْده يَوْم وُلِدْت أَنْ يَنَالُوا مِنِّي مَا يَنَالُونَ مِمَّنْ يُولَد عِنْد الْوِلَادَة , مِنْ الطَّعْن فِيهِ , وَيَوْم أَمُوت , مِنْ هَوْل الْمَطْلَع , وَيَوْم أُبْعَث حَيًّا يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يَنَالنِي الْفَزَع الَّذِي يَنَال النَّاس بِمُعَايَنَتِهِمْ أَهْوَال ذَلِكَ الْيَوْم , كَمَا : 17873 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَمَّنْ لَا يُتَّهَم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه { وَالسَّلَام عَلَيَّ يَوْم وُلِدْت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أُبْعَث حَيًّا } قَالَ : يُخْبِرهُمْ فِي قِصَّة خَبَره عَنْ نَفْسه , أَنَّهُ لَا أَب لَهُ وَأَنَّهُ سَيَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَث حَيًّا , يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { ذَلِكَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم قَوْل الْحَقّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ }
مشاركة الموضوع