تفسير القرطبي

سورة الكهف الآية ٧٨

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾
فَعِنْد ذَلِكَ قَالَ لَهُ الْخَضِر " هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك " بِحُكْمِ مَا شَرَطْت عَلَى نَفْسك . وَتَكْرِيره " بَيْنِي وَبَيْنك " وَعُدُوله عَنْ بَيْننَا لِمَعْنَى التَّأْكِيد . قَالَ سِيبَوَيْهِ : كَمَا يُقَال أَخْزَى اللَّه الْكَاذِب مِنِّي وَمِنْك ; أَيْ مِنَّا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَكَانَ قَوْل مُوسَى فِي السَّفِينَة وَالْغُلَام لِلَّهِ , وَكَانَ قَوْله فِي الْجِدَار لِنَفْسِهِ لِطَلَبِ شَيْء مِنْ الدُّنْيَا , فَكَانَ سَبَب الْفِرَاق . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ ذَلِكَ الْجِدَار جِدَارًا طُوله فِي السَّمَاء مِائَة ذِرَاع .



تَأْوِيل الشَّيْء مَآله أَيْ قَالَ لَهُ : إِنِّي أُخْبِرك لِمَ فَعَلْت مَا فَعَلْت . وَقِيلَ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَات الَّتِي وَقَعَتْ لِمُوسَى مَعَ الْخَضِر : إِنَّهَا حُجَّة عَلَى مُوسَى وَعَجَبًا لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ أَمْر خَرْق السَّفِينَة نُودِيَ : يَا مُوسَى أَيْنَ كَانَ تَدْبِيرك هَذَا وَأَنْتَ فِي التَّابُوت مَطْرُوحًا فِي الْيَمّ فَلَمَّا أَنْكَرَ أَمْر الْغُلَام قِيلَ لَهُ : أَيْنَ إِنْكَارك هَذَا مِنْ وَكْزك الْقِبْطِيّ وَقَضَائِك عَلَيْهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ إِقَامَة الْجِدَار نُودِيَ : أَيْنَ هَذَا مِنْ رَفْعك حَجَر الْبِئْر لِبَنَاتِ شُعَيْب دُون أَجْر .
" هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " فإنك شرطت ذلك على نفسك, فلم يبق الآن عذر, ولا موضع للصحبة.
" سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا " أي: سأخبرك بما أنكرت عليَّ, وأنبئك بأن لي في ذلك من المآرب, وما يئول إليه الأمر.
قال الخَضِر لموسى: هذا وقت الفراق بيني وبينك، سأخبرك بما أنكرت عليَّ من أفعالي التي فعلتها، والتي لم تستطع صبرًا على ترك السؤال عنها والإنكار عليَّ فيها.
"قَالَ" لَهُ الْخَضِر "هَذَا فِرَاق" أَيْ وَقْت فِرَاق "بَيْنِي وَبَيْنك" فِيهِ إضَافَة بَيْن إلَى غَيْر مُتَعَدِّد سَوَّغَهَا تَكْرِيره بِالْعَطْفِ بِالْوَاوِ "سَأُنَبِّئُك" قَبْل فِرَاقِي لَك
" قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك " أَيْ لِأَنَّك شَرَطْت عِنْد قَتْل الْغُلَام أَنَّك إِنْ سَأَلْتنِي عَنْ شَيْء بَعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي فَهُوَ فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك " سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ " أَيْ بِتَفْسِيرِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ صَاحِب مُوسَى لِمُوسَى : هَذَا الَّذِي قُلْته وَهُوَ قَوْله { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } { فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } يَقُول : فِرْقَة مَا بَيْنِي وَبَيْنك : أَيْ مَفْرِق بَيْنِي وَبَيْنك.

{ سَأُنَبِّئُك } يَقُول : سَأُخْبِرُك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِيع عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول : بِمَا يَئُول إِلَيْهِ عَاقِبَة أَفْعَالِي الَّتِي فَعَلْتهَا , فَلَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيَّ تَرْك الْمَسْأَلَة عَنْهَا , وَعَنْ النَّكِير عَلَيَّ فِيهَا صَبْرًا , وَاَللَّه أَعْلَم.
مشاركة الموضوع