تفسير القرطبي

سورة الكهف الآية ٥٥

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًۭا ﴿٥٥﴾
أَيْ الْقُرْآن وَالْإِسْلَام وَمُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام



أَيْ سُنَّتنَا فِي إِهْلَاكهمْ أَيْ مَا مَنَعَهُمْ عَنْ الْإِيمَان إِلَّا حُكْمِي عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ; وَلَوْ حَكَمْت عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ آمَنُوا . وَسُنَّة الْأَوَّلِينَ عَادَة الْأَوَّلِينَ فِي عَذَاب الِاسْتِئْصَال . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمَا مَنَعَ النَّاس أَنْ يُؤْمِنُوا إِلَّا طَلَب أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ فَحَذَفَ . وَسُنَّة الْأَوَّلِينَ مُعَايَنَة الْعَذَاب , فَطَلَبَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ , وَقَالُوا " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدك . .. " [ الْأَنْفَال : 32 ] الْآيَة .



نُصِبَ عَلَى الْحَال , وَمَعْنَاهُ عِيَانًا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : هُوَ السَّيْف يَوْم بَدْر . وَقَالَ مُقَاتِل : فَجْأَة وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَعَاصِم وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَيَحْيَى وَالْكِسَائِيّ " قُبُلًا " بِضَمَّتَيْنِ أَرَادُوا بِهِ أَصْنَاف الْعَذَاب كُلّه , جَمْع قَبِيل نَحْو سَبِيل وَسُبُل . النَّحَّاس : وَمَذْهَب الْفَرَّاء أَنَّ " قُبُلًا " جَمْع قَبِيل أَيْ مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضه بَعْضًا . وَيَجُوز عِنْده أَنْ يَكُون الْمَعْنَى عِيَانًا . وَقَالَ الْأَعْرَج : وَكَانَتْ قِرَاءَته " قُبُلًا " مَعْنَاهُ جَمِيعًا وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَكَانَتْ قِرَاءَته " قُبُلًا " وَمَعْنَاهُ عِيَانًا .
أي: ما منع الناس من الإيمان, والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق, بين الهدى والضلال, والحق والباطل, قد وصل إليهم, وقامت عليهم حجة الله.
فلم يمنعهم عدم البيان, بل منعهم الظلم والعدوان, عن الإيمان.
فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله, وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا, عوجلوا بالعذاب, أو يرون العذاب قد أقبل عليهم, ورأوه مقابلة ومعاينة.
أي: فيخافوا من ذلك, وليتوبوا من كفر, قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له.
وما منع الناس من الإيمان -حين جاءهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومعه القرآن-، واستغفار ربهم طالبين عفوه عنهم، إلا تحدِّيهم للرسول، وطلبهم أن تصيبهم سنة الله في إهلاك السابقين عليهم، أو يصيبهم عذاب الله عِيانًا.
"وَمَا مَنَعَ النَّاس" أَيْ كُفَّار مَكَّة "أَنْ يُؤْمِنُوا" مَفْعُول ثَانٍ "إذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى" الْقُرْآن "وَيَسْتَغْفِرُوا رَبّهمْ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ" فَاعِل أَيْ سُنَّتنَا فِيهِمْ وَهِيَ الْإِهْلَاك الْمُقَدَّر عَلَيْهِمْ "أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا" مُقَابَلَة وَعِيَانًا وَهُوَ الْقَتْل يَوْم بَدْر وَفِي قِرَاءَة بِضَمَّتَيْنِ جَمْع قَبِيل أَيْ أَنْوَاعًا
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ تَمَرُّد الْكَفَرَة فِي قَدِيم الزَّمَان وَحَدِيثه وَتَكْذِيبهمْ بِالْحَقِّ الْبَيِّن الظَّاهِر مَعَ مَا يُشَاهِدُونَ مِنْ الْآيَات وَالدَّلَالَات الْوَاضِحَات وَأَنَّهُ مَا مَنَعَهُمْ مِنْ اِتِّبَاع ذَلِكَ إِلَّا طَلَبهمْ أَنْ يُشَاهِدُوا الْعَذَاب الَّذِي وُعِدُوا بِهِ عِيَانًا كَمَا قَالَ أُولَئِكَ لِنَبِيِّهِمْ " فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنْ السَّمَاء إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ " وَآخَرُونَ قَالُوا " اِئْتِنَا بِعَذَابِ اللَّه إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ " وَقَالَتْ قُرَيْش " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء أَوْ اِئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم " وَقَالُوا " يَا أَيّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْك الذِّكْر إِنَّك لَمَجْنُون لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ " إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ " إِلَّا أَنْ تَأْتِيهُمْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ " مِنْ غَشَيَانهمْ بِالْعَذَابِ وَأَخْذهمْ عَنْ آخِرهمْ " أَوْ يَأْتِيهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا " أَيْ يَرَوْنَهُ عِيَانًا مُوَاجَهَة وَمُقَابَلَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا مَنَعَ النَّاس أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبّهمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَمَا مَنَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّد الْإِيمَان بِاَللَّهِ إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى بَيَان اللَّه , وَعَلِمُوا صِحَّة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَحَقِيقَته , وَالِاسْتِغْفَار مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ شِرْكهمْ , إِلَّا مَجِيئُهُمْ سُنَّتنَا فِي أَمْثَالهمْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا قَبْلهمْ , أَوْ إِتْيَانهمْ الْعَذَاب قُبُلًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب فَجْأَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17452 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } قَالَ فَجْأَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب عِيَانًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17453 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } قَالَ : قُبُلًا مُعَايَنَة ذَلِكَ الْقُبُل . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة ذَات عَدَد { أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء , بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِنْ الْعَذَاب أَلْوَان وَضُرُوب , وَوَجَّهُوا الْقُبُل إِلَى جَمْع قَبِيل , كَمَا يُجْمَع الْقَتِيل الْقُتُل , وَالْجَدِيد الْجُدُد . وَقَرَأَ جَمَاعَة أُخْرَى : " أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قِبَلًا " بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْبَاء , بِمَعْنَى أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب عِيَانًا مِنْ قَوْلهمْ : كَلَّمْته قِبَلًا . وَقَدْ بَيَّنْت الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي سُورَة الْأَنْعَام بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
مشاركة الموضوع