تفسير القرطبي

سورة الكهف الآية ٥

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ وَلَا لِءَابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ﴿٥﴾
" مِنْ " صِلَة , أَيْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ الْقَوْل عِلْم ; لِأَنَّهُمْ مُقَلِّدَة قَالُوهُ بِغَيْرِ دَلِيل .


أَيْ أَسْلَافهمْ .


" كَلِمَة " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان ; أَيْ كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَة كَلِمَة . وَقَرَأَ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَيَحْيَى بْن يَعْمَر وَابْن أَبِي إِسْحَاق " كَلِمَة " بِالرَّفْعِ ; أَيْ عَظُمَتْ كَلِمَة ; يَعْنِي قَوْلهمْ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا . وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة فَلَا حَاجَة إِلَى إِضْمَار . يُقَال : كَبُرَ الشَّيْء إِذَا عَظُمَ . وَكَبُرَ الرَّجُل إِذَا أَسَنَّ .


فِي مَوْضِع الصِّفَة .


أَيْ مَا يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا .
فأخبر أولا: أنه " مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ " والقول على الله بلا علم, لا شك في منعه وبطلانه.
ثم أخبر ثانيا, أنه قول قبيح شنيع فقال: " كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ " .
ثم ذكر ثالثا مرتبته من القبح, وهو: الكذب المنافي للصدق.
ليس عند هؤلاء المشركين شيء من العلم على ما يَدَّعونه لله من اتخاذ الولد، كما لم يكن عند أسلافهم الذين قلَّدوهم، عَظُمت هذه المقالة الشنيعة التي تخرج من أفواههم، ما يقولون إلا قولا كاذبًا.
"مَا لَهُمْ بِهِ" بِهَذَا الْقَوْل "مِنْ عِلْم وَلَا لِآبَائِهِمْ" مِنْ قَبْلهمْ الْقَائِلِينَ لَهُ "كَبُرَتْ" عَظُمَتْ "كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ" كَلِمَة تَمْيِيزٌ مُفَسِّر لِلضَّمِيرِ الْمُبْهَم وَالْمَخْصُوص بِالذَّمِّ مَحْذُوف أَيْ مَقَالَتهمْ الْمَذْكُورَة "إنْ" مَا "يَقُولُونَ" فِي ذَلِكَ "إلَّا" مَقُولًا
" مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم " أَيْ بِهَذَا الْقَوْل الَّذِي اِفْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ وَلَا لِآبَائِهِمْ أَيْ لِأَسْلَافِهِمْ " كَبُرَتْ كَلِمَة " نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز تَقْدِيره كَبُرَتْ كَلِمَتهمْ هَذِهِ وَقِيلَ عَلَى التَّعَجُّب تَقْدِيره أَعْظِمْ بِكَلِمَتِهِمْ كَلِمَة كَمَا تَقُول أَكْرِمْ بِزَيْدٍ رَجُلًا قَالَهُ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء مَكَّة كَبُرَتْ كَلِمَة كَمَا يُقَال عَظُمَ قَوْلك وَكَبُرَ شَأْنك وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور أَظْهَر فَإِنَّ هَذَا تَبْشِيع لِمَقَالَتِهِمْ وَاسْتِعْظَام لِإِفْكِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ " كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ " أَيْ لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَد سِوَى قَوْلهمْ وَلَا دَلِيل لَهُمْ عَلَيْهَا إِلَّا كَذِبهمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ وَلِهَذَا قَالَ " إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا " وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق سَبَب نُزُول هَذِهِ السُّورَة الْكَرِيمَة فَقَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخ مِنْ أَهْل مِصْر قَدِمَ عَلَيْنَا مُنْذُ بِضْع وَأَرْبَعِينَ سَنَة عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : بَعَثَتْ قُرَيْش النَّضْر بْن الْحَارِث وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط إِلَى أَحْبَار يَهُود بِالْمَدِينَةِ فَقَالُوا لَهُمْ سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّد وَصِفُوا لَهُمَا صِفَته وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُمْ أَهْل الْكِتَاب الْأَوَّل وَعِنْدهمْ مَا لَيْسَ عِنْدنَا مِنْ عِلْم الْأَنْبِيَاء فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا الْمَدِينَة فَسَأَلُوا أَحْبَار يَهُود عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَصَفُوا لَهُمْ أَمْره وَبَعْض قَوْله وَقَالَا : إِنَّكُمْ أَهْل التَّوْرَاة وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبنَا هَذَا قَالَ : فَقَالُوا لَهُمْ سَلُوهُ عَنْ ثَلَاث نَأْمُركُمْ بِهِنَّ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيّ مُرْسَل وَإِلَّا فَرَجُل مُتَقَوِّل فَتَرَوْا فِيهِ رَأْيكُمْ سَلُوهُ عَنْ فِتْيَة ذَهَبُوا فِي الدَّهْر الْأَوَّل مَا كَانَ مِنْ أَمْرهمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيث عَجَب وَسَلُوهُ عَنْ رَجُل طَوَّاف بَلَغَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ وَسَلُوهُ عَنْ الرُّوح مَا هُوَ ؟ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَهُوَ نَبِيّ فَاتَّبِعُوهُ وَإِنْ لَمْ يُخْبِركُمْ فَإِنَّهُ رَجُل مُتَقَوِّل فَاصْنَعُوا فِي أَمْره مَا بَدَا لَكُمْ فَأَقْبَلَ النَّضْر وَعُقْبَة حَتَّى قَدِمَا عَلَى قُرَيْش فَقَالَا : يَا مَعْشَر قُرَيْش قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنكُمْ وَبَيْن مُحَمَّد قَدْ أَمَرَنَا أَحْبَار يَهُود أَنْ نَسْأَلهُ عَنْ أُمُور فَأَخْبَرُوهُمْ بِهَا فَجَاءُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَخْبِرْنَا فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَمَرُوهُمْ بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أُخْبِركُمْ غَدًا عَمَّا سَأَلْتُمْ عَنْهُ " وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَانْصَرَفُوا عَنْهُ وَمَكَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْس عَشْرَة لَيْلَة لَا يُحْدِث اللَّه لَهُ فِي ذَلِكَ وَحْيًا وَلَا يَأْتِيه جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى أَرْجَفَ أَهْل مَكَّة وَقَالُوا : وَعَدَنَا مُحَمَّد غَدًا وَالْيَوْم خَمْس عَشْرَة قَدْ أَصْبَحْنَا فِيهَا لَا يُخْبِرنَا بِشَيْءٍ عَمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ وَحَتَّى أَحْزَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْث الْوَحْي عَنْهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّم بِهِ أَهْل مَكَّة ثُمَّ جَاءَهُ جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِسُورَةِ أَصْحَاب الْكَهْف فِيهَا مُعَاتَبَته إِيَّاهُ عَلَى حُزْنه عَلَيْهِمْ وَخَبَر مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْر الْفِتْيَة وَالرَّجُل الطَّوَّاف وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح قُلْ الرُّوح " الْآيَة .
وَقَوْله : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم } يَقُول : مَا لِقَائِلِي هَذَا الْقَوْل , يَعْنِي قَوْلهمْ { اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا } . { بِهِ } : يَعْنِي بِاَللَّهِ مِنْ عِلْم , وَالْهَاء فِي قَوْله { بِهِ } مِنْ ذِكْر اللَّه . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : مَا لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذَا الْقَوْل بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد مِنْ عِلْم , فَلِجَهْلِهِمْ بِاَللَّهِ وَعَظَمَته قَالُوا ذَلِكَ .


وَقَوْله { وَلَا لِآبَائِهِمْ } يَقُول : وَلَا لِأَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلهمْ عَلَى مِثْل الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْم , كَانَ لَهُمْ بِاَللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ عِلْم .


وَقَوْله : { كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ } . اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : { كَبُرَتْ كَلِمَة } بِنَصْبِ كَلِمَة بِمَعْنَى : كَبُرَتْ كَلِمَتهمْ الَّتِي قَالُوهَا كَلِمَة عَلَى التَّفْسِير , كَمَا يُقَال : نِعْمَ رَجُلًا عَمْرو , وَنِعْمَ الرَّجُل رَجُلًا قَامَ , وَنِعْمَ رَجُلًا قَامَ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : نُصِبَتْ كَلِمَة لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى : أَكْبَر بِهَا كَلِمَة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَسَاءَتْ مُرْتَفِقًا } 18 29 وَقَالَ : هِيَ فِي النَّصْب مِثْل قَوْل الشَّاعِر : وَلَقَدْ عَلِمْت إِذَا اللِّقَاح تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرِّئَال تَكُبّهُنَّ شَمَالَا أَيْ تَكُبّهُنَّ الرِّيَاح شَمَالَا . فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَة . وَذُكِرَ عَنْ بَعْض الْمَكِّيِّينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " كَبُرَتْ كَلِمَة " رَفْعًا , كَمَا يُقَال : عَظُمَ قَوْلك وَكَبُرَ شَأْنك . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله { كَبُرَتْ كَلِمَة } مُضْمَر , وَكَانَ صِفَة لِلْكَلِمَةِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدِي , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { كَبُرَتْ كَلِمَة } نَصْبًا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا , فَتَأْوِيل الْكَلَام : عَظُمَتْ الْكَلِمَة كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاه هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ قَالُوا : اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا , وَالْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه , كَمَا : 17235 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ } قَوْلهمْ : إِنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه .

وَقَوْله : { إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : مَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا بِقِيلِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا كَذِبًا وَفِرْيَة اِفْتَرَوْهَا عَلَى اللَّه .
مشاركة الموضوع