تفسير القرطبي

سورة الإسراء الآية ٥٦

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴿٥٦﴾
لَمَّا اُبْتُلِيَتْ قُرَيْش بِالْقَحْطِ وَشَكَوْا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة ; أَيْ اُدْعُوا الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ آلِهَة . وَقَالَ الْحَسَن : يَعْنِي الْمَلَائِكَة وَعِيسَى وَعُزَيْرًا . اِبْن مَسْعُود : يَعْنِي الْجِنّ


أَيْ الْقَحْط سَبْع سِنِينَ , عَلَى قَوْل مُقَاتِل .


مِنْ الْفَقْر إِلَى الْغِنَى وَمِنْ السَّقَم إِلَى الصِّحَّة .
يقول تعالى " قُلْ " للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم, كما يعبدون الله, ويدعونهم كما يدعونه, ملزما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين.
" ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ " آلهة " مِنْ دُونِهِ " فانظروا هل ينفعونكم, أو يدفعون عنكم الضر.
" فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ " من مرض, أو فقر, أو شدة ونحو ذلك, فلا يدفعونه بالكلية.
" وَلَا " يملكون أيضا " تَحْوِيلًا " له من شخص إلى آخر, من شدة إلى ما دونها.
فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون الله؟ فإنهم لا كمال لهم, ولا فعال نافعة.
فاتخاذهم آلهة نقص في الدين والعقل, وسفه في الرأي.
ومن العجب, أن السفه عند الاعتياد والممارسة, وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول, يراه صاحبه, هو الرأي السديد, والعقل المفيد.
ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة, هو السفه, والأمر المتعجب منه, كما قال المشركون: " أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب " .
قل -أيها الرسول- لمشركي قومك: إن هذه المعبودات التي تنادونها لكشف الضرِّ عنكم لا تملك ذلك، ولا تقدر على تحويله عنكم إلى غيركم، ولا تقدر على تحويله من حال إلى حال، فالقادر على ذلك هو الله وحده. وهذه الآية عامة في كل ما يُدْعى من دون الله، ميتًا كان أو غائبًا، من الأنبياء والصالحين وغيرهم، بلفظ الاستغاثة أو الدعاء أو غيرهما، فلا معبود بحق إلا الله.
"قُلْ" لَهُمْ "اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ" أَنَّهُمْ آلِهَة "مِنْ دُونه" كَالْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى وَعُزَيْر "تَحْوِيلًا" لَهُ إلَى غَيْركُمْ
يَقُول تَعَالَى " قُلْ " يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْر اللَّه " اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونه " مِنْ الْأَصْنَام وَالْأَنْدَاد فَارْغَبُوا إِلَيْهِمْ " فَ " إِنَّهُمْ " لَا يَمْلِكُونَ كَشْف الضُّرّ عَنْكُمْ " أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ " وَلَا تَحْوِيلًا " أَيْ بِأَنْ يُحَوِّلُوهُ إِلَى غَيْركُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ الَّذِي لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر . قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " قُلْ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ " الْآيَة قَالَ كَانَ أَهْل الشِّرْك يَقُولُونَ نَعْبُد الْمَلَائِكَة وَالْمَسِيح وَعُزَيْرًا وَهُمْ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ يَعْنِي فِي الْمَلَائِكَة وَالْمَسِيح وَعُزَيْرًا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونه فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْف الضُّرّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِمُشْرِكِي قَوْمك الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه مِنْ خَلْقه : اُدْعُوا أَيّهَا الْقَوْم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ أَرْبَاب وَآلِهَة مِنْ دُونه عِنْد ضُرّ يَنْزِل بِكُمْ , فَانْظُرُوا هَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْع ذَلِكَ عَنْكُمْ , أَوْ تَحْوِيله عَنْكُمْ إِلَى غَيْركُمْ , فَتَدْعُوهُمْ آلِهَة , فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ , وَلَا يَمْلِكُونَهُ , وَإِنَّمَا يَمْلِكهُ وَيَقْدِر عَلَيْهِ خَالِقكُمْ وَخَالِقهمْ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لَهُمْ هَذَا الْقَوْل , كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة وَعُزَيْرًا وَالْمَسِيح , وَبَعْضهمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنْ الْجِنّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16889 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنْي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قُلْ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونه فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْف الضُّرّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } قَالَ : كَانَ أَهْل الشِّرْك يَقُولُونَ : نَعْبُد الْمَلَائِكَة وَعُزَيْرًا , وَهُمْ الَّذِينَ يَدْعُونَ , يَعْنِي الْمَلَائِكَة وَالْمَسِيح وَعُزَيْرًا .
مشاركة الموضوع