تفسير القرطبي

سورة الإسراء الآية ١٩

وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا ﴿١٩﴾
أَيْ الدَّار الْآخِرَة .


أَيْ عَمِلَ لَهَا عَمَلهَا مِنْ الطَّاعَات .


لِأَنَّ الطَّاعَات لَا تُقْبَل إِلَّا مِنْ مُؤْمِن .


أَيْ مَقْبُولًا غَيْر مَرْدُود . وَقِيلَ : مُضَاعَفًا ; أَيْ تُضَاعَف لَهُمْ الْحَسَنَات إِلَى عَشْر , وَإِلَى سَبْعِينَ وَإِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف , وَإِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة ; كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ قِيلَ لَهُ : أَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه لَيَجْزِي عَلَى الْحَسَنَة الْوَاحِدَة أَلْف أَلْف حَسَنَة ) ؟ فَقَالَ سَمِعْته يَقُول : ( إِنَّ اللَّه لَيَجْزِي عَلَى الْحَسَنَة الْوَاحِدَة أَلْفَيْ أَلْف حَسَنَة ) .
" وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ " فرضيها وآثرها على الدنيا " وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا " الذي دعت إليه الكتب السماوية, والآثار النبوية, فعمل بذلك على قدر إمكانه " وَهُوَ مُؤْمِنٌ " بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر.
" فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا " أي: مقبولا منمى, مدخرا, لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم.
ومع هذا, فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا, فكلا يمده الله منها, لأنه عطاؤه وإحسانه " وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا " أي: ممنوعا من أحد, بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه.
ومَن قصد بعمله الصالح ثواب الدار الآخرة الباقية، وسعى لها بطاعة الله تعالى، وهو مؤمن بالله وثوابه وعظيم جزائه، فأولئك كان عملهم مقبولا مُدَّخرًا لهم عند ربهم، وسيثابون عليه.
"وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَة وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا" عَمِلَ عَمَلهَا اللَّائِق بِهَا "وَهُوَ مُؤْمِن" حَال "مَشْكُورًا" عِنْد اللَّه أَيْ مَقْبُولًا مُثَابًا عَلَيْهِ
وَقَوْله " وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَة " أَيْ أَرَادَ الدَّار الْآخِرَة وَمَا فِيهَا مِنْ النِّعَم وَالسُّرُور " وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا " أَيْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقه وَهُوَ مُتَابَعَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَهُوَ مُؤْمِن " أَيْ قَلْبه مُؤْمِن أَيْ مُصَدِّق مُوقِن بِالثَّوَابِ وَالْجَزَاء " فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيهمْ مَشْكُورًا " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَة وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيهمْ مَشْكُورًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَنْ أَرَادَ الْآخِرَة وَإِيَّاهَا طَلَبَ , وَلَهَا عَمِلَ عَمَلهَا , الَّذِي هُوَ طَاعَة اللَّه وَمَا يُرْضِيه عَنْهُ . وَأَضَافَ السَّعْي إِلَى الْهَاء وَالْأَلِف , وَهِيَ كِنَايَة عَنْ الْآخِرَة , فَقَالَ : وَسَعَى لِلْآخِرَةِ سَعْي الْآخِرَة , وَمَعْنَاهُ : وَعَمِلَ لَهَا عَمَلهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَى ذَلِكَ , وَأَنَّ مَعْنَاهُ : وَسَعَى لَهَا سَعْيه لَهَا وَهُوَ مُؤْمِن , يَقُول : هُوَ مُؤْمِن مُصَدِّق بِثَوَابِ اللَّه , وَعَظِيم جَزَائِهِ عَلَى سَعْيه لَهَا , غَيْر مُكَذِّب بِهِ تَكْذِيب مَنْ أَرَادَ الْعَاجِلَة , يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أُولَئِكَ } يَعْنِي : فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ { كَانَ سَعْيهمْ } يَعْنِي عَمَلهمْ بِطَاعَةِ اللَّه { مَشْكُورًا } وَشَكَرَ اللَّه إِيَّاهُمْ عَلَى سَعْيهمْ ذَلِكَ حُسْن جَزَائِهِ لَهُمْ عَلَى أَعْمَالهمْ الصَّالِحَة , وَتَجَاوُزه لَهُمْ عَنْ سَيِّئِهَا بِرَحْمَتِهِ . كَمَا : 16745 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَة وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيهمْ مَحْظُورًا } شَكَرَ اللَّه لَهُمْ حَسَنَاتهمْ , وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتهمْ .
مشاركة الموضوع