تفسير القرطبي

سورة الإسراء الآية ١٠٨

وَيَقُولُونَ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًۭا ﴿١٠٨﴾
دَلِيل عَلَى جَوَاز التَّسْبِيح فِي السُّجُود . وَفِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر أَنْ يَقُول فِي سُجُوده وَرُكُوعه ( سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ) .
" وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا " عما لا يليق بجلاله, مما نسبه إليه المشركون.
" إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا " بالبعث والجزاء بالأعمال " لَمَفْعُولًا " لا خلف فيه ولا شك.
ويقول هؤلاء الذين أوتوا العلم عند سماع القرآن: تنزيهًا لربنا وتبرئة له مما يصفه المشركون به، ما كان وعد الله تعالى من ثواب وعقاب إلا واقعًا حقًا.
"وَيَقُولُونَ سُبْحَان رَبّنَا" تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ خُلْف الْوَعْد "إنْ" مُخَفَّفَة "كَانَ وَعْد رَبّنَا" بِنُزُولِهِ وَبَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَلِهَذَا يَقُولُونَ " سُبْحَان رَبّنَا " أَيْ تَعْظِيمًا وَتَوْقِيرًا عَلَى قُدْرَته التَّامَّة وَأَنَّهُ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد الَّذِي وَعَدَهُمْ عَلَى أَلْسِنَة الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ بَعْثَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا قَالُوا " سُبْحَان رَبّنَا إِنْ كَانَ وَعْد رَبّنَا لَمَفْعُولًا " .
وَقَوْله : { سُبْحَان رَبّنَا إِنْ كَانَ وَعْد رَبّنَا لَمَفْعُولًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيَقُول هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم مِنْ قَبْل نُزُول هَذَا الْقُرْآن , إِذْ خَرُّوا لِلْأَذْقَانِ سُجُودًا عِنْد سَمَاعهمْ الْقُرْآن يُتْلَى عَلَيْهِمْ : تَنْزِيهًا لِرَبِّنَا وَتَبْرِئَة لَهُ مِمَّا يُضِيف إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ , مَا كَانَ وَعْد رَبّنَا مِنْ ثَوَاب وَعِقَاب , إِلَّا مَفْعُولًا حَقًّا يَقِينًا , إِيمَان بِالْقُرْآنِ وَتَصْدِيق بِهِ .
مشاركة الموضوع