تفسير القرطبي

سورة الإسراء الآية ١٠

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ﴿١٠﴾
أَيْ وَيُبَشِّرهُمْ بِأَنَّ لِأَعْدَائِهِمْ الْعِقَاب . وَالْقُرْآن مُعْظَمه وَعْد وَوَعِيد .


" أَلِيم " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهُ مُؤْلِم أَيْ مُوجِع , مِثْل السَّمِيع بِمَعْنَى الْمُسْمِع ;

قَالَ ذُو الرُّمَّة يَصِف إِبِلًا : وَنَرْفَع مِنْ صُدُور شَمَرْدَلَات يَصُكّ وُجُوههَا وَهَج أَلِيم وَآلَمَ إِذَا أَوْجَعَ . وَالْإِيلَام : الْإِيجَاع . وَالْأَلَم : الْوَجَع , وَقَدْ أَلِمَ يَأْلَم أَلَمًا . وَالتَّأَلُّم : التَّوَجُّع . وَيُجْمَع أَلِيم عَلَى أَلْمَاء مِثْل كَرِيم وَكُرَمَاء , وَآلَام مِثْل أَشْرَاف .
" وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " , فالقرآن مشتمل على البشارة والنذارة, وذكر الأسباب التي تنال بها البشارة, وهو الإيمان, والعمل الصالح, والتي تستحق بها النذارة وهو ضد ذلك.
إن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد يرشد الناس إلى أحسن الطرق، وهي ملة الإسلام، ويبشر المؤمنين الذين يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عمَّا نهاهم عنه، بأن لهم ثوابًا عظيمًا، وأن الذين لا يصدقون بالدار الآخرة وما فيها من الجزاء أعددنا لهم عذابًا موجعًا في النار.
"وَ" يُخْبِر "أَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا" أَعْدَدْنَا "لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" مُؤْلِمًا هُوَ النَّار
" وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ " أَيْ وَيُبَشِّر الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا أَيْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم " .
وَقَوْله : { وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْمَعَادِ إِلَى اللَّه , وَلَا يُقِرُّونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب فِي الدُّنْيَا , فَهُمْ لِذَلِكَ لَا يَتَحَاشَوْنَ مِنْ رُكُوب مَعَاصِي اللَّه { أَعْتَدْنَا لَهُمْ } يَقُول : أَعْدَدْنَا لَهُمْ , لِقُدُومِهِمْ عَلَى رَبّهمْ يَوْم الْقِيَامَة { عَذَابًا أَلِيمًا } يَعْنِي مُوجِعًا , وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم .
مشاركة الموضوع